العلمانية
سقوط الأسد والمرحلة الأخطر في تاريخ المسيحيين السياسي

غادة حلاوي

الإثنين 9 كانون لأول 2024

بكلامه خلال احتفالات القوات اللبنانية بسقوط نظام بشار الأسد، أخرج رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع جملة يتحين الفرص لقولها منذ زمن بعيد. "اللعبة انتهت" قالها لحزب الله، ليعلن عن مرحلة جديدة تحدث عنها بنفس القوي. أكمل جعجع سياق كلامه الأخير عن حزب الله والمرحلة المقبلة المنطلقة من جهة القوي تجاه" الضعيف" في حسابات القوات. يمكن القول إن جعجع افتتح عهد المواجهة مع حزب الله، مستفيداً من المستجدات التي انطلقت شرارتها الأولى من حرب إسرائيل على لبنان، ثم بسقوط الأسد وقد وصل الجيش الإسرائيلي إلى أعالي جبل الشيخ المطل على حاصبيا.
 
سقوط المحور
 
 
مع سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، تكون قد سقطت آخر رموز الحرب الباردة. وسقط بالمقابل كل المحور الذي أقامته إيران الملزمة بالانضباط داخل حدودها، وإلا فهي لن تسلم من خريطة رُسمت للمنطقة وسط تغيرات جذرية. وفي لبنان، بات لكل فريق سياسي وضعيته المختلفة. من حزب الله الذي قد يكون دخل في أزمة وجودية من ناحية دوره وسلاحه، إلى مستقبل الشيعية السياسية وارتباطاتها، إلى وضعية السنة والمسيحيين.
 
 
في غمرة انشغال العالم بما تشهده سوريا وانهيار نظام بشار الأسد بسرعة قياسية، فإن لبنان المتأثر الأول بهدذه التحولات يراقبها واليد على القلب من مغبة الانزلاق نحو توترات داخلية، أسبابها كثيرة، بعد حرب إسرائيلية مريرة بمخلفاتها المادية والمعنوية والسياسية وحتى العسكرية.
 
المسيحيون المنقسمون
 
 
ثمة فريق معني مباشرة وسيتأثر أكثر من غيره بالمشهدية السورية، وآخرون في مواقع المراقب على قلق. يشهد المسيحيون اليوم أخطر مرحلة في تاريخهم السياسي منذ تأسيس لبنان. المنطقة تُرسَم من جديد، وربما الحدود قد تتغير. الأقليات والأكثريات لديها مشاريع سياسية وعسكرية وأمنية. وحدهم المسيحيون يخضعون لثنائية قد تكون "قاتلة هذه المرة"، بالرغم من أن قاعدة التاريخ يعيد نفسه صارت قابلة للطعن أو للتغيير.
 
تقول مرجعية مسيحية وازنة في قراءة أولية لوضع المسيحيين في ضوء المستجدات: "قبيل انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية عام 1990 عند توقيع اتفاق الطائف، كان المسيحيون، كما اليوم، منقسمين إلى قسمين. لم يعرفوا كيف يديرون مرحلة سقوط الاتحاد السوفياتي وسقوط العراق الذي كان يدعمهم بالمال والسلاح. من حرب التحرير إلى حرب الإلغاء، تهالكت قوتهم العسكرية ليخرجوا من النظام السياسي منهكين". كما في الأمس، كذلك اليوم، الجغرافيا تُرسَم في سوريا، حرب في غزة ولبنان، أنهكت المقاومة وأضعفت الدولة في الضربة القاضية. وفي ضوء ذلك تفصل المرجعية واقع المسيحيين انطلاقاً من رئيسي الحزبين الأقوى مسيحياً لتقول "سمير جعجع وجبران باسيل يتربعان على عرش الثنائية المسيحية اليوم مع فارق بسيط عمّا جرى في الأمس البعيد. التيار الوطني الحر الذي أنتج حكماً، ولو متعثراً، ولو شابته شوائب، لم يستطع تلبية أحلام المسيحيين ولكنه أعادهم إلى الدولة ومعهم التوازن الطائفي. عقد اتفاقاً ثنائياً مع الشيعة، وجنّب المسيحيين الضربات والويلات. أصلح الشراكة من دون تحقيق الإصلاح، وغير في التوازنات من دون تحقيق التغيير".
 
بين الشراكة والشعبوية
 
 
إطلالة تلفزيونية لباسيل عبر شاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال، "تحدث فيها بمنطق رجل الدولة، عارض التفرد باتخاذ قرار الحرب والسلم، ورفض إهمال الشراكة من قبل شريكه في الوطن، بنفس حدة رفضه للتهكم والتشفي تجاه هذا الشريك، خاصمه في زمن قوته وحماه في زمن تراجعه. مسيحي يبدي كل الاستعداد للانفتاح على العرب اختار الوسط بعد تجربة أنهكته، وانحياز أفقده الكثير من شعبيته المسيحية".
 
في الوقت عينه، سجل رئيس القوات سمير جعجع حضوراً على قناة "الأم تي في" وفي كلمته أمس، "ليعيد التموضع في مكانه، بتصعيده السياسي. وأخذ بجمهوره إلى حيث كان دائماً ومنذ ترؤسه للهيئة التنفيذية عام 1986 عندما أسقط الاتفاق الثلاثي بالبندقية مدعوماً من قوى إقليمية، مراهناً على على سقوط النظام السوري منذ الثمانينيات وصولاً إلى الثورة السورية وراهن على سقوط حزب الله في المواجهة الأخيرة مع الإسرائيلي ويراهن اليوم على تغييرات جذرية في الشرق الأوسط. يتعاطى جعجع مع كل المتغيرات بطموح كبير، فيعلن طروحاته وطموحاته، في المقابل يبدو باسيل أكثر واقعية.
 
أقليات لم ينفعها التسلح
 
 
وفي تحليل المرجعية فإنه "لا مكان للمقامرة في شرق أوسط متفجر قد يطيح بالمسيحيين إلى غير عودة، أقليات لم ينفعها التسلح والنووي وجدران الأسمنت والقبب الفولاذية والحشود الشعبية، لا مكان لشعار يقول إن المسيحيين يكونون بخير عندما توكل إليهم مهمة مواجهة الشيعة في لبنان، ولا مكان للتهديد بانتخاب رئيس دون المكون الشيعي. ولا مكان لعبارة ما بيشبهونا".
 
لا خيار للمسيحيين، بشهادة مرجعياتهم، إلا باعتماد عناصر الخطاب السياسي المستند إلى الحكمة وقوة الموقف والدور الناظم لعلاقات الطوائف المتفجرة، والمرتكز على الحوار والانفتاح من المملكة السعودية إلى إيران وصولاً إلى الولايات المتحدة.
 
في الوسط المسيحي من يدعو اليوم إلى بناء جسور وقواسم مشتركة، لا الرهان على الاشتباك أو القتال، ولا على المفاضلة ما بين تجربتين "الطيونة ومار مخايل". هناك دعوات مسيحية ترتكز على روحيات الارشاد الرسولي، باندماج المسيحيين في دولهم ومجتمعاتهم، على قاعدة التلاقي والحوار وليس على قاعدة الانقسام أو الاقتتال. إنه التحدي الأكبر الذي يواجهه المسيحيون واللبنانيون في إعادة بناء الدولة التي تجمعهم ولا تفرق بينهم، ولا يكونون هم سبباً في تفريق مكوناتها. 
 
 
المصدر :المدن