العلمانية
مسيحيو سوريا: سيرة القلق

محمد حجيري

الخميس 3 تموز 2025

غداة هروب بشار الأسد، وسيطرة "هيئة تحرير الشام" على الحكم في دمشق، وهي تضم في صفوفها فصائل متشدّدة، كانت الأنظار مشدودة نحو طرائق تعاطي الحكم الجديد مع الأقليات الطائفية والعرقية وأماكن اللهو والترفيه والسهر، مثل باب توما وباب شرقي والشعلان. ولئن وقف المسيحيون بمنأى من التجاذبات والتوترات، لكنهم لم يكونوا بمنأى من المخاوف مثل كل السوريين، فشهدوا اعتداء على شجرة الميلاد في منطقة حماة، وتكسير صلبان في بعض المقابر، وإطلاق نار على كنيسة أو إقفال بار سياحي في حمص، سيارات دعوية تجوب أحياء مسيحية في دمشق. كانت تلك الأحداث مجرد تفاصيل في خضم التحولات والتبدلات في سوريا الجديدة، لكن ما حدث الأحد الماضي من تفجير إرهابي لكنيسة مار الياس في منطقة الدويلعة بدمشق، لم يكن تفصيلاً ولا عابراً، واتخذ أبعاداً سياسية خطيرة في هذه المرحلة بالذات، وفي ظل حكم جديد محسوب على الإسلام السياسي. لكن كيف هي العلاقة التاريخية بين الإسلام والمسيحيين؟
 
تُبيّن الوقائع والمرويات التاريخية والسوسيولوجية، أن في مسيحيي سوريا شيء من الإسلام وأن في إسلام سوريا شيء من المسيحية، لكن مصائر هذه العلاقة كانت دائماً عرضة للتحولات السياسية والإيديولوجية والدينية والاجتماعية.
 
يجزم مؤرخون بأن مسيحيي سوريا تقبلوا العرب بقلوب رحبة، لأنهم رأوا فيهم محرّرين، لا غزاة. وفي محاضرة قدمها الباحث ادمون رباط في بيروت، استشهد ببعض الأقوال من هذا القبيل، كميخائيل السرياني، بطريرك السريان الأرثوذكس في القرن الثاني عشر، أي بعد خمسة قرون على الفتح الإسلامي، لنجد عبارات استهجان لسياسة الروم، كالتالية: "لأنّ الله هو المنتقم الأعظم، الذي وحده على كل شيء قدير، والذي وحده إنما يبدّل ملك البشر كما يشاء، فيهبه لمن يشاء، ويرفع الوضيع بدلاً من المتكبّر، ولأنّ الله قد رأى ما كان يقترفه الروم من أعمال الشر، من نهب كنائسنا ودياراتنا، وتعذيبنا من دون أيّة رحمة، فإنما قد أتى من مناطق الجنوب ببني إسماعيل، لتحريرنا من نير الروم... وهكذا كان خلاصنا على أيديهم من ظلم الروم وشرورهم وحقدهم واضطهاداتهم وفظاعاتهم نحونا". 
 
ينقل الباحث حسام عيتاني في كتابه "الفتوحات العربية في روايات المغلوبين" عن يوحنا الفنكي، وهو أحد الإخباريين السريان الذين عاشوا في النصف الثاني من القرن السابع الميلادي، أنه قال في روايته عن الفتوحات العربية في بلاد الشام والعراق إن "ظهور المسلمين وتحقيقهم للانتصارات المتوالية لا يمكن أن يكون أمراً عادياً. بل يجب التعامل معه باعتباره أمراً إلهياً، فقد وضع الله النصر بين أيديهم كما لو كانت الكلمات التي تعنيهم تنفذ بحذافيرها: رجل يطارد ألفاً، واثنان يهزمون عشرة آلاف (سفر التثنية، الإصحاح 32، الآية 30). وإلا كيف أمكن لعراة يمتطون جيادهم من دون دروع أو تروس أن يفوزوا في غنى عن المساعدة الإلهية؟ لقد دعاهم الله من أقاصي الأرض حتى يدمر بهم مملكة آثمة، وحتى يذل بهم روح الفرس المتفاخرة".
 
وأكثر من مرويات جَلد الذات والكلام العقابي وتأخر فهم ما يجري، منذ القرن السابع، ومع وصول العرب المسلمين إلى سوريا، وجد الإسلام نفسه متآلفاً مع المسيحية، فلم يستهدف القضاء عليها ولا الحد من حركتها. استطاع المسيحيون التأقلم مع القوانين الجديدة التي فُرِضت عليهم. ولما كانوا يشكلون غالبية سكان سوريا في ذلك الوقت، لم يشكل دفع الجزية عبئاً ثقيلاً. بل إنَّ المسيحيين السوريين شكلوا البنية العملانية للدولة الأمويّة، فحضرت النقوش والرسوم البيزنطية في الأروقة والقصور الأموية، وحتى الأفكار. الباحث اللاهوتي، نجيب جورج عوض، أصدر كتاباً بعنوان "المسيحية الأموية: يوحنا الدمشقي كمثال سياقي لتشكل الهوية مطلع الإسلام"، ويتناول فيه حياة المسيحيين والمسلمين واندماجهم في حضارة جامعة، ألا وهي الحضارة الأموية، ويُبرز فكرة تعايشهما بعيدًا من صراع الأديان.
 
وفي رأي عوض أنه، عندما يتطرق الباحثون في الحقبة الحديثة، إلى القرن الميلادي السابع، لدراسة الإمبراطورية الأموية الإسلامية، التي يقع قلبها في سوريا ــ فلسطين، أو لدراسة المسيحية في العصور القديمة المتأخرة وخلال الفترة البيزنطية الوسطى، فإنهم يتوقفون عند كتابات يوحنا الدمشقي وإرثه اللاهوتي عن الإسلام كدراسة حالة، وذلك كونه أحد أهم اللاهوتيين والمفكرين المسيحيين الأمويين الذين جاؤوا من دمشق وخدموا في بلاط الخليفة الأموي.
 
والاندماج المجتمعي والتلاقي، تجلى في احتواء المسجد الأموي ضريح يوحنا المعمدان (النبي يحيى). وبحسب التقاليد السورية الفولكلورية المتوارثة، فإن يوحنا قُتل وقُطعت رأسه بعدما انتقد ملك الجليل، هيرودس أنتيباس، في فلسطين. وصار المرقد المنسوب إليه مزاراً مقدساً لدى المسيحيين والمسلمين على حد سواء. حتى دير صيدنايا، يتميز بأن قاصديه للصلاة والتبرُّك ليسوا فقط مسيحيين، بل إن بعضهم مُسلم.
 
غير أن التبدلات السياسية والدينية في سوريا، وبروز دول جديدة مثل الفاطميين والمماليك، فضلاً عن الحروب الصليبية، كانت عوامل أثّرت بشكل كبير في وجود المسيحيين في سوريا، وتناقَص عددهم حتى باتوا من الأقليات. وعندما نشأت السلطنة العثمانية، ومن ضمنها سوريا، كانت أمام واقع معقد: طوائف وجماعات ومِلل، فضلاً عن أثر الحروب الصليبية في انتماءات بعض المسيحيين. فكان "نظام المِلل" العثماني هو ما تمّ إقراره للتصدي لهذا الوضع. ويقتضي هذا النظام تقسيم السكان بحسب مِللهم، وإعطاء كل ملّة حقوق التصرف في شؤونها الخاصة، ما يعني أن النظام هذا شكل انفراجاً كبيراً بالنسبة للمسيحيين، مقارنة بوضعهم أيام المماليك، بحسب ملاحظة بعض الباحثين.
 
وأثارت إصلاحات الإمبراطورية العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر، توترات في دمشق. ابتداءً من أربعينيات القرن التاسع عشر، بدأت السلع الصناعية الأوروبية تغمر أسواق العاصمة. وكان المسيحيون السوريون، الذين تم تعيينهم كوكلاء لبيوت التجارة الأوروبية، هم المستفيدون الرئيسيون من الأعمال التي قوّضت النسّاجين والتجار المحليين. بحلول خمسينيات القرن التاسع عشر، كان المسيحيون في دمشق يكتسبون الثروة والنفوذ بفضل علاقاتهم الأوروبية. وتفاقمت هذه المكاسب بسبب الإصلاحات العثمانية العام 1856 التي منحت المساواة أمام القانون، للمسلمين والمسيحيين واليهود. وفجأة، تخلت مجتمعات الأقليات عن مكانتها كمواطنة من الدرجة الثانية وطالبت بالمساواة مع النخب المسلمة في المدينة. وقد ولّد عقدان من المكاسب المسيحية على حساب المسلمين، استياءً عميقًا. وانتهت صدمة التطور والتحولات بمجزرة 1860 ضد المسيحيين في باب توما ومناطق أخرى، لتبرز بعدها نُخب قادمة من أوساط أرثوذكسية وبروتستانتية تنادي بالعروبة. وبقيت العروبة، كتيار ناشئ في خضم التطورات والتحولات في الدولة العثمانية، حكراً على نخب عربية، كانت في معظمها مسيحية في البداية ثم ما لبثت أن انتشرت في أوساط مسلمة.
 
يرجّحُ الباحثان إياد العبدالله وعبد الله أمين الحلاق، في ورقتهما عن مسيحيي سوريا، أن انتهاء الدولة العربية الأولى زمن الشريف حسين، ودخول الإنتداب الفرنسي إلى سوريا ولبنان، كان البداية الرسمية لانكفاء المسيحيين نحو ما سندعوه بـ"الجماعة المسيحية". شهد العقد الأول من الانتداب الفرنسي، هجرة مسيحية لافتاة، وكانت غالبية هذه الهجرات نحو الأميركيتين وأفريقيا الغربية. لكن، بسبب الأوضاع الاقتصادية التي ستمر بها البلدان المضيفة في الثلاثينيات المنصرمة، تراجع زخم هذه الهجرة. وثمة هجرة مسيحية إلى سوريا أيضاً، بدأت منذ العام 1915 مع بدء مجازر الأتراك بحق الأرمن. ثم، في عهد الفرنسيين، استقبلت سوريا موجات من المهاجرين الأرمن واليونانيين. وفي العام 1933، حصلت موجة لجوء أخرى، لكن هذه المرة من العراق، ونتحدث هنا عن الآشوريين الذين تم توطينهم في الجزيرة العربية على ضفاف الخابور (المرجع السابق).
 
بعد الاستقلال، سيتراجع حديث المكونات الطائفية، لصالح تصورات تسعى أو تجتهد للكلام عن هوية وطنية سورية. وفي زمن الانقلابات والأنظمة العروبية والقومية وتصدع المدن وتأميم الاقتصاد والصراع العربي الإسرائيلي، سنشهد موجة جديدة من الإيديولوجيات والتحولات. كانت هناك مؤشرات إلى تراجع وضع المسيحيين وتزايد قلقهم في عهد الوحدة بين سوريا ومصر، واغتيال فرج الله الحلو. ولئن تغنّى كثر من العروبيين ببطولة الطيار جول جمال، المسيحي السوري الذي قدم نفسه دفاعاً عن مصر في حرب السويس 1956، إلا أنه، وخلال سنتَين من الوحدة، لم يتقلد أي مسيحي منصباً وزارياً في الإقليم الشمالي "سوريا"، وفي مرحلة ما راجت نكتة عبد الناصر حول اسم ميشال عفلق، باعتبار انه اسم مسيحي. حتى علاقة العروبيين والوطنيين بمسيحيي العروبة، منذ زمن الانتداب، فيها شيء من الالتباس، وتأتي لأغراض سياسية وليست حقوقية.
 
في كتاب صقر أبو فخر "سوريا وحطام المراكب المبعثرة حوار مع نبيل الشويري: عفلق والبعث والمؤامرات والعسكر"، يروي الشويري أنه لمع في الحركة الوطنية المناضلة ضد الانتداب على سوريا، اسم فارس الخوري، فشغل مناصب مهمة وأساسية. وتولى في الحكم رئاسة البرلمان ورئاسة الوزارة في سوريا. وبعد وفاته، سرت شائعات عديدة تقبلها الناس، بأنه أسلَم. وشائعة إسلامه تستند إلى أن المشايخ في دمشق قرأوا له القرآن في مأتمه العام 1962، وإلى أنه كان يحب الاستماع الى تجويد القرآن في حياته. يقول الشويري إن السند الحقيقي للشائعة هو راحة النفس من التناقض القائم بين قبولهم بزعامته وبين كونه مسيحياً. بينما الحقيقة تكمن في أن مسيحيته بالذات كانت سلاحاً في وجه الفرنسيين وسحباً للبساط من تحت أقدامهم كحمُاة للأقليات كما زعموا! وكان اختيار فارس الخوري المسيحي، لتأكيد وطنية السوريين، وفي المقابل يقول القيادي العروبي جلال السيد تعليقاً على تولي عفلق رئاسة حزب البعث: "نحن اخترناه لرئاسة الحزب أصلاً لكونه مسيحياً، مع أن هناك من هو أكفأ منه للرئاسة، لكننا قصدنا بذلك أن يكون عنواناً لعلمانية الحزب. وفي مرحلة شطح بعض البعثيين في الحديث عن أسلمة ميشال عفلق وتحوله إلى أحمد عفلق بحسب وثيقة مزعومة سربها نظام صدام حسين".
 
لا يتعلق الأمر بأسلمة ميشال عفلق فحسب. ففي عهد "البعث" استمرَّ وزن المسيحيين في التراجع على صعيد الشأن العام، وستدخل سوريا بعد ذلك في الزمن الأسدي، وسيمنع الشيخ الأمني الحديث عن أي مكونات اجتماعية، وستكون الهجرة المسيحية القسرية بسبب التأميم والأوضاع الاقتصادية والحريات. استسلم المسيحيون لقدرهم، وربما لمصلحتهم وسط لعبة الأمم والاتفاقات السرية والدولية. ومع أن الأسد كان يختار وزراء من المسيحيين، لكنهم في معظم الحالات كانوا مجرد ديكور وزينة للنظام الاستبدادي البعثي، واستمر هذا الأمر في عهد بشار الأسد. في أحسن الأحوال كان المسيحيون ورقة في يد النظام، ويتجلى ذلك في كلام المطران اليازجي وغيره.
 
اندلاع الثورة السورية العام 2011 كان إيذاناً بتوترات مجتمعية وسياسية كبرى، اختفاء من هنا، قتل وغزوات من هناك، جماعات متطرفة في أماكن مسيحية مقدسة، نزوح وهجرات، خطف راهبات، وراهبات يؤيدين الاستبداد... سريعاً ما بدت ورقة الإرهاب بنداً في السياسة الدولية في الساحة السورية. روّج النظام البائد سردية وقوف المسيحيين والأقليات عموماً معه، دعماً منه لرواية حربه المزعومة على الإرهاب، وهو ساهم بقوة في "تدعيش" الثورة وأرهبتها وأسلمتها. أطاح الأسماء السلمية أو زجها في السجون أو اختفت. في النهاية دُمّرت سوريا وكثرت التدخلات/الاحتلالات الخارجية، من روسيا إلى ايران وحزب الله والفاطميية والزينبيين، وزاد الوضع قلقاً، وتقلص وجود المسيحيين.
 
وبعد هروب بشار، كانت العين الغربية على الأقليات، خصوصاً المسيحيين. إذ بدا النظام الجديد غامضاً ومبهماً في توجهاته، وقد تعاطي ببراغماتية مع الواقع، أُعيد للمسيحيين بعض أملاكهم التي سبق للنظام البعثي أن صادرها، واختيرت هند قبوات، وزيرة مسيحية في الحكومة. لكن مكونات الفصائل المسلحة متعدّدة الجنسيات والهويات والإيديولوجيات، لطالما أثارت التوجس والخوف والقلاقل، وثمة الكثير من الوقائع التي أظهرت ذلك، من الساحل إلى السويداء، وأتى تفجير الكنيسة الانتحاري ليزيد الطين بلة.
 
 
المصدر: المدن