قراءة هادئة في خطاب البطريرك
أسعد قطّان
الأربعاء 2 تموز 2025
حين أطلق البطريرك يوحنّا العاشر (يازجي) صرخته المدوّية، إبّان صلاة الدفن التي أقيمت لضحايا التفجير الإرهابيّ في كنيسة مار الياس في الدويلعة-دمشق، تعاطف معه كُثُر من المسيحيّين في سوريا وخارجها، وذلك على الرغم من أنّ الخطاب بدا انفعاليّاً وغير متماسك في أكثر من موضع - وربّما يكون هذا طبيعيّاً بفعل الارتجال وضغط اللحظة.
من حقّ السلطة السياسيّة في سوريا، طبعاً، أن تفنّد بالنقد بعض مضمون هذا الخطاب. لكنّ ما يبدو اليوم أشدّ أهمّيّةً بما لا يقاس، ضرورةُ أن تتفكّر هذه السلطة في مغزى هذا التعاطف مع موقف البطريرك. لماذا يا ترى؟ لماذا شعر كُثُر من المسيحيّات والمسيحيّين في سوريا بأنّ البطريرك ينطق باسمهم كما لو أنّه "رئيس الملّة" إبّان الزمن العثمانيّ؟
لعلّ السبب الرئيس هو تعثّر الدولة السوريّة الجديدة الفاقع حتّى اليوم في أن تصبح دولة. من مذابح الساحل، مروراً بالاشتباكات في جرمانا وصحنايا، وصولاً إلى مجزرة كنيسة مار الياس، يسيطر شعور على كُثُر من السوريّات والسوريّين، لا المسيحيّين وحسب، بأنّ مشروع دولة المواطنة التي يتساوى فيها الجميع في حمى القانون وتوفّر لهم الأمن والأمان، لم يتحقّق بعد بالحدّ الأدنى. يضاف إلى ذلك إحساس بأنّ السلطة السياسيّة غير محايدة تجاه الأديان، بل تحاول، كلّما سنحت لها الفرصة، أن تضيّق على بعض مساحات المجتمع، وأن تأخذه نحو شكل من أشكال الأسلَمة، خَفِر تارةً وسافِر طوراً.
حيال الخوف الذي يعتري المسيحيّين (وغيرهم) من الأسلمة وشعورهم بعدم الأمان، من الطبيعيّ أن يضعف التصاقهم بمشروع الدولة، وأن يشتدّ تماهيهم بالجماعة الدينيّة التي ينتسبون إليها، والتي يشعرون بأنّ انتماءهم إليها مهدّد. ولعلّ هذا ما يسوقهم إلى التعاطف مع قادة هذه الجماعة، واستحضار محطّات من ذاكرتهم التاريخيّة كان فيها هؤلاء القادة "رؤساء الملّة" والناطقين باسمها.
حيال تقهقر مشروع الدولة وعدم قدرته على فرض ذاته بالسرعة المطلوبة، كان من الطبيعيّ والمشروع والضروريّ أن يحمّل البطريرك الحكومة مسؤوليّة مجزرة الكنيسة، مستخدماً كلمات قاسيةً ومتهكّمة. فالقضيّة قضيّة حياة أو موت. وإذا بقيت سوريا على ما هي عليه اليوم، جمهوريّة موز، الكلمة فيها للرعاع وقطّاع الطرق، سيمعن الناس في الافتقار والهجرة، وربّما انفجرت حرب أهليّة لا تبقي ولا تذر.
بيد أنّ مشكلة خطاب البطريرك تكمن في موضعين: أوّلاً أنّه استعاد مذابح العام 1860 في دمشق من دون أيّ مبرّر واضح. ليس الموضوع أنّ الخطاب البطريركيّ ينكأ جراح التاريخ، إذ من حقّنا أن نتكلّم على التاريخ وأن نتفحّصه بالنقد. لكنّ الخطاب أعطى الانطباع أنّ البطريرك يحمّل مسؤوليّة مجزرة الكنيسة للدمشقيّين من أهل السنّة عموماً، وهذه مقاربة إشكاليّة تتجاهل مدى تضامن المسلمين مع المسيحيّين في إثر حادثة الكنيسة. يضاف إلى ذلك أنّ الحديث عن "طوشة 1860"، كما يحلو لأهل دمشق أن يسمّوها، لا يستقيم من دون الحديث عن عبد القادر الجزائريّ، الذي حمى آلاف المسيحيّين ومنع إخوته في الدين من قتلهم.
ربطُ مجزرة الكنيسة بمجازر العام 1860، سببه الخوف المتراكم في الوعي الجمعيّ لدى المسيحيّين لأسباب يجدر بالمؤرّخين وعلماء الاجتماع والسيكولوجيا أن يدرسوها. لكن من واجب الخطاب البطريركيّ أن يفكّك هذا الخوف، لا أن يزكيه.
المشكلة الثانية في كلمة البطريرك أنّها خاطبت السلطة السياسيّة بإسم المسيحيّين، لكنّها لم تقدّم خطاباً يتكلّم باسم السوريّات والسوريّين عموماً. في الآونة الأخيرة، كثيراً ما استرجع السيّد البطريرك مآثر سلفه مغبوط الذِّكر، غريغوريوس حدّاد. إنّ سيرة البطريرك الحدّاد تُظهر، بما لا يقبل الجدل، أنّ عبقريّة الديناميّة المسيحيّة تكمن في قدرتها على تقديم خطاب لا يتخطّى الخوف المسيحيّ القابع في مطاوي منظومة أهل الذمّة فحسب، بل يذهب إلى الحيّز الذي يتلاقى فيه السوريّات والسوريّون أجمعون بوصفهم أهل أرض واحدة يتشاركون في الهواء والخبز والإبداع والأحلام، ويستطيعون من هذا المنطلق أن يؤسّسوا عقداً اجتماعيّاً قوامه المشترك بينهم، أي المواطنة.
هذا البحث عن الحيّز المشترك يملي علينا أن نلقي عنّا، إلى غير رجعة، الغباوة التي تفترض، عن وعي أو عن غير وعي، أنّ دماء المسيحيّين أغلى من دماء سواهم، أو أنّهم يشكّلون في منطقتنا حالةً خاصّةً تبرّر لهم التعالي على سواهم. فالمسيحيّون لا يصبحون حالةً "خاصّة" إلّا عبر إخلاصهم لإنجيل المصلوب. وهذا الإنجيل يعلّمهم شيئاً واحداً: أن يكونوا "غَسَلة أرجُل"، وأن أيّ هويّة أخرى لهم من خارج هذه الهويّة الإنجيليّة تفضي بهم إلى اللامعنى.
في غمرة المذبحة، من الصعب أن يختطّ المرء الطريق الذي يأخذنا من الحلقة المفرغة المتّصلة بالهويّة المأزومة، إلى رحاب خطاب يشعر معه الجميع، كائناً مَن كانوا، أنّ أسقف الجماعة المسيحيّة ينطق بإسمهم كما لو كان شيخهم الصوفيّ. لكن هذا تحدّي الكبار. وإذا لم يعكف الكبار على هذه المهمّة، مَن يقوم بها؟
المصدر: المدن