الأحزاب الكردية تتراجع عن الفيدرالية: واقعية أم ضغوط خارجية؟
مصطفى محمد
الثلاثاء 29 نيسان 2025
تعكس مطالبة مؤتمر الحوار الوطني الكردي الذي عقد السبت في الحسكة بالدولة اللامركزية بدلاً من الفيدرالية، حالة من الواقعية التي باتت تتعامل بها الأحزاب الكردية مع الحالة السورية الجديدة بعد سقوط النظام السوري، وبروز تركيا كأحد أبرز الفاعلين في الملف السوري.
وكان من المتوقع من المؤتمر الذي جمع أحزاب الوحدة الوطنية الكردية والمجلس الوطني الكردي، وشخصيات كردية، أن يتبنى في وثيقته الختامية مطلب الفيدرالية التي دأبت هذه الأحزاب في غالبيتها على المطالبة بها، لكن حسابات عدة غلّبت مطلب اللامركزية.
وعند النظر في أبرز الفروقات بين النظام الفيدرالي واللامركزي، ومنها خضوع المناطق أو الولايات لرقابة ووصاية الحكومة المركزية في الحالة الأخيرة (اللامركزية)، بعكس النظام الفيدرالي الذي لا تخضع فيه المناطق لوصاية المركز، وعدم تحديد اختصاصات المناطق في النظام اللامركزي في الدستور الدائم، وإنما في القوانين العادية، يتبين أن الأحزاب الكردية قد تنازلت كثيراً.
حوار كردي
وتُفسر معلومات الحالة بالضغط الأميركي على الأحزاب الكردية، حيث تعتقد واشنطن أن حكومة دمشق لن توافق على مطلب الفيدرالية، خصوصاً أن أنقرة حليفة الدولة السورية الجديدة شددت في أكثر مرة على رفضها القاطع إقامة أي نظام فيدرالي في سوريا.
لكن عضو الهيئة الرئاسية والناطق الرسمي للمجلس الوطني الكردي فيصل يوسف، قال لـ"المدن": "لم تُمارس علينا أي ضغوط، والوثيقة هي نتاج حوار كردي استمر شهوراً عدة".
وأضاف أن الأحزاب الكردية تؤكد على خيار اللامركزية المناسبة للوحدة السياسية والإدارية للمناطق الكردية وفي إطار سوريا ديمقراطية، تحترم وتضمن حقوق الشعب الكردي وكل المكونات السياسية.
وتُعبّر وثيقة المؤتمر التي أقرت بإجماع الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والفعاليات المستقلة، عن تطلعات الشعب الكردي للخلاص من آثار المركزية والاستبداد، ورأت الوثيقة أن اعتبار المناطق الكردية وحدة إدارية وسياسية ضمن "سوريا لا مركزية" هي الخيار الأنسب، لأنه يحافظ على حقوقه القومية، بحسب القائمين على المؤتمر.
تخفيف وقع الفيدرالية
ويدرج الباحث المختص بالشأن الكردي بدر ملا رشيد، عدم ذكر الوثيقة للفيدرالية في إطار محاولة "إفساح المجال من الأحزاب الكردية أمام تسمية شكل الحكم الذي يمكن الاتفاق عليه مع دمشق".
ويوضح لـ"المدن" أن الأحزاب الكردية تجنبت استخدام الفيدرالية لتخفيف وقعها على السوريين، فالمصطلح يُثير هواجس الانفصال، علماً أن الوثيقة اعتبرت أن المناطق الكردية "وحدة إدارية وسياسية"، وهذا في حد ذاته يشير إلى "لامركزية جغرافية"، وذلك يعني شكلاً من أشكال الفيدرالية.
وقال ملا رشيد إن توحيد المناطق سيؤدي إلى إعادة تنظيم المحافظات السورية، وأضاف: "مع ذلك لا يمكن تلمّس الشكل التطبيقي (حدود اللامركزية، توحيد المناطق الكردية) النهائي لبنود وثيقة الأحزاب الكردية، والأمر يبدو أنه تُرك للنقاش مع دمشق".
التماهي مع مطالب الأقليات
وثمة من يرجع تجاوز الأحزاب الكردية مطلب الفيدرالية إلى السعي لإضفاء الشرعية على مطلبها الجديد (اللامركزية)، الذي يناسب أكثر الأقليات السورية، وخاصة السويداء التي ترفض أوساط منها الدولة المركزية، في ظل المعلومات عن تنسيق قائم بين حزب "الاتحاد الديمقراطي" الذي يقود الأحزاب الكردية، وتيارات في السويداء ذات الغالبية الدرزية.
الكاتب الكردي شيرزان علو يتفق مع هذه القراءة ويقول لـ"المدن": "الواضح أن مطلب اللامركزية، جاء نتيجة توافق بين الأكراد والأقليات السورية".
والأمر الأهم الذي يجب التوقف عنده وفق الكاتب هو أن النظام اللامركزي لا يُزعج تركيا، كما الفيدرالية، ويقول: "في العراق حصل الأكراد على الفيدرالية، لكن في سوريا الحال يختلف، بمعنى أن الحلول هنا مرتبطة بالدول الإقليمية في هذه المرحلة".
بهذا المعنى، يعتقد علو، أن مطلب اللامركزية جاء بعد حوارات مكثفة أجراها "الاتحاد الديمقراطي" وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مع القيادة السورية، والدول الإقليمية والدولية بوساطة حكومة إقليم كردستان العراق.
المصدر: المدن