العلمانية
صون التعددية الطائفية والإثنية وضمان حقوقها: ركيزة أساسية لاستقرار المشرق

بشارة جرجس

الخميس 13 آذار 2025

 
إلى متى ستظل هذه المنطقة أسيرة معادلات الدم والمواجهات العسكرية الحتمية؟ متى ستدرك القوى المهيمنة، أن الحل لا يكمن في الإقصاء والهيمنة بل في إعادة صياغة العلاقة بين المكونات وفق نظام يضمن الحقوق والخصوصيات دون الحاجة إلى العنف؟
 
منذ عقود، يحاول البعض الترويج لفكرة أن الطائفية مجرد "وهم مصطنع للتحكم بالناس" بينما تثبت الوقائع عكس ذلك — فالطائفية ليست مجرد أداة سلطة، بل هي جزء متجذر في بنية مجتمعاتنا، تشكل الهويات، والناس تموت وتناضل دفاعاً عن تقاليدهم، معتقداتهم،وحقوقهم. وانطلاقاً من هذه الوقائع والحقائق فإن أي طرح في لبنان وسوريا يسعى إلى إلغاء دور الطوائف بالحيلة أو بالقوة لا يختلف في جوهره عن أشد المشاريع تطرفاً، إذ لا يمكن إقصاء هذا العامل الأساسي والعميق دون أن يتحول الأمر إلى كارثة جديدة تُضاف إلى سجل الصراعات التي لم تهدأ يوماً.
 
نحن نعيش في حلقة مفرغة من الاقتتال والتطهير العرقي المستتر والمعلن، حيث كل طرف يبرر مجازره ويدافع عن سفك الدماء تحت شعارات مختلفة، دينية كانت أم يسارية أم قومية. هذا المنطق المرعب بات السِمة الأساسية لمنطقتنا، حيث كل طرف يتعامل مع القتل كأداة سياسية، والمأساة الكبرى أن الجميع، دون استثناء، يرفض الاعتراف بمسؤوليته عن استمرار هذا النزيف.
 
الحل الجذري لا يكون في إعادة إنتاج نفس الصيغ الفاشلة، بل في الانتقال إلى نظام فيدرالي يضمن لكل مكون إدارة شؤونه بحرية ضمن مناطقه، بما يتيح له بناء مؤسساته التربوية، والثقافية، والاقتصادية، ويحفظ تقاليده دون أن يشكل ذلك تهديداً للآخرين. المطلوب ليس كانتونات متناحرة، بل إطار حكم حديث يرسخ التفاعل الإنتاجي بين المكونات، بدلاً من الإقصاء والقهر والاستئثار.
 
إن استمرار الصراع ليس خياراً مستداماً، ومع ذلك، فإن حماية جميع المكونات تبقى ضرورة لا يمكن التنازل عنها. تحقيق هذا التوازن يتطلب الاعتراف بحقوق الجميع، والانخراط في حوار جدّي حول توزيع عادل للأرض والموارد، بما يضمن الأمن والفرص لكل الأطراف. وعندما يُرسى هذا الإطار، يصبح على كل طرف أن يتحمل مسؤولية خياراته في رسم مستقبله وتحديد موقعه في معادلة الحكم، بعيداً عن منطق الدم والنار.
 
الضمانة الوحيدة التي نملكها هي أنفسنا، والرهان الأساسي هو على بناء نظام يعترف بالتعددية، بدلاً من دفن الرؤوس في الرمال والتمسك بمشاريع الهيمنة التي لا تؤدي سوى إلى مزيد من الدمار.