العلمانية
أزمة ليبرالي الأطراف

محمد فضل الله

الجمعة 23 آب 2024

أزمة ليبرالي الأطراف في اعتقاده أنه وليبرالي الحاضرة الإمبريالية حزبٌ واحد (ليس أن المعنى هو تشكيل فضاءوي سياسي)، في حين أن اللغة التي يَستخدمها لا تَحوي أي مفهوم أو قضية تقدّمية من صنعه؛ لسببٍ ما، القضايا والمفاهيم التقدمية لا تُصاغ في الكونغو أو في بوليفيا بل في الحاضرة الإمبريالية. علينا أن نَعي أيضاً، في المقابل، أن المقاومات في الأطراف كذلك الأمر لا يمكنها سوى استخدام خطابٍ ما مُصاغ في الحاضرة الإمبريالية لشرعنة وجودها، لكن على الأقل هي تسعى إلى منْح مناطقها صوتاً أصيلاً وتبرير فعلها بالإحالة إلى ما يمارسه صوت مهمّش ما في الحاضرة الإمبريالية (مدى نجاحها في ذلك موضوع آخر). لا بل إن حركات المقاومة في الأطراف، ومن خلال نقدها لبعض المفاهيم المشكَّلة في الحاضرة الإمبريالية وتبنّي أخرى أكثر هامشية هناك، هي أكثر إيجابية وفاعلية في التفاوض مع الحاضرة من الساعي إلى المماثلة اللغوية (وليس الهيكلية التاريخانية).ليبرالي الحاضرة الإمبريالية لا يريد لليبرالي الأطراف أن يَحكم حتى، هو يريده نموذجاً مستمراً في فشل الأطراف في أن «تصبح مثلنا». ليبرالي الحاضرة الإمبريالية يريد لمحمد بن سلمان وعبد الفتاح السيسي أن يَحكموا بلادنا، وليس صحيحاً أنه يريد لليبرالي الأطراف أن يَحكم. الليبرالية، واستحالتها في بلادنا، هي النظرية التي تَسمح له بارتكاب الإبادة العرقية في بلادنا (طبعاً هو يَأسف لوقوعها، لكن لا مناص منها في «الريلبوليتيك»، قسم العلوم السياسية في الولايات المتحدة يُبقي على العبارة بصيغتها الألمانية لمنْحها سلطة علمية). وبالتالي هو لن يَسمح لليبرالي الأطراف بأن يَسلبه قدرتَه على المراكمة. وفي حال تمكّن (ولو على المستوى النظري) من إحداث انقلابٍ ما للحكم في إحدى الدول الطرفية، فإن الحاضرة الإمبريالية سرعان ما ستغيّر كتيّب الليبرالية ليَشمل مواضيع جديدة لن يكون بمقدور ليبرالي الأطراف اللحاق به، وإذا كان هناك بندٌ واحد من الكتيّب غير مطبَّق فسوف تتعرّض للعقوبات (ماذا استفادتْ كوبا التي تَعترف بزواج المثليين من «الشعور الأخلاقي» لدى الليبرالي والتقدمي الأميركي على حدّ سواء؟ طبعاً هناك سياق تاريخي كنسي ولاتيني وأصلاني لموضوع كوبا).
 
 
هناك نوع من الإجماع بين الباحثين في الولايات المتحدة بأن واشنطن تَشعر بالخيبة لأن الصين لم تتلبرل سياسياً كما كان متوقعاً للانفتاح الاقتصادي أن يُنتِج؛ لكن هل كانت واشنطن تَرغب فعلاً في رؤية صين ليبرالية سياسياً؟ الصين كانت الحلم النيوليبرالي الرديف الذي يَجعل أوهام النيوليبرالية في الحاضرة الإمبريالية تبدو قابلة للحياة: قوة عاملة كبيرة جداً، طيّعة (ليس لسبب ثقافي، بل لأن «ارتقاء السلّم» كان واضحاً وسلساً على مدى عقود)، متخصّصة في المجالات العلمية التطبيقية بشكل متزايد، معزولة عن السياسة (depoliticized) مُدارة بفاعلية لامتناهية، منظّمة ومراقبة بأدقّ تفاصيلها من الميكرو إلى الماكرو، أو «حكم الخواء» بمعنى النظام الإداري غير المرتبط بالإرادة السياسية للمواطنين. ليست «المناطق الاقتصادية الخاصة» هي وحدها الحلم النيوليبرالي بسوق غير سياسية كما يحاجج بعض الباحثين، بل إن وول ستريت كانت من خلال استثماراتها تُشرِف على بناء صين رديفة ملائمة حتى كانت أزمة عام 2008 التي أثبتتْ أن حكم الخواء غير قابل للاستدامة في نهاية المطاف؛ آخر ما كانت تتمنّاه الإستابلشمنت الأميركية أن ترى صيناً ملبرلة سياسياً أو عمّالاً مسيّسين.
 
 
 
بدلاً من الكشف عن إقصاءاتنا الخاصة والسعي لتحريرها، يريد ليبرالي الأطراف استخدام عبارات جندرية وجنسانية كي يستمدّ البعض من السلطة السياسية للحاضرة الإمبريالية. القبائل الرحّل في الشرق الأوسط كانت حتى وقت قريب تشكّل أساساً في مجتمعاتنا، واستيراد الدولة الأمّة هو الذي أَجبر الكثير من هذه القبائل على التوطّن جغرافياً؛ هل سعى الليبرالي العربي إلى استعادة هذه الهويات المقموعة التي فُرِض عليها الاستيطان أو تطوير نظرية رحّلية فضائية ضداً بالدولة الأمة، أي فكّ الاستعمار عنها (decolonization)، أو حتى أن نَفرض على الحاضرة الإمبريالية أن تُعيد التفكير في الهوية الفضائية للسياسة من خلال الرحّلي، ونحن نعلم كمّ الروايات الاجتماعية التي لا تزال تَجعل من هذه المجتمعات آخراً مقصيّاً والجنسانيات الغريبة التي كانت تُنسَب إليهم؟ طبعاً لا، فالليبرالي العربي مشغول بأن يكون مشابهاً لليبرالي نيويورك ويَكتب نقداً يعنونه «نقد كويري للنظام الكذائي في لبنان»، مثلاً، مع استنساخ ركيك لعبارات من خارج سياقاتها و«رميها» في لبنان، ولو أنك طلبتَ من «تشات جي بي تي» أن يَكتب النص لأَنتج ما هو أفضل.
 
 
ليبرالي الحاضرة الإمبريالية (ومَنْ يسمّى هناك «تقدمياً» أيضاً) هو في قلب النظام الإبادي والتراكمي، وهو يتبادل الأدوار مع الفاشي هناك. مثلاً، مجلة «جاكوبين» الصادرة باللغة الإسبانية هي أكثر جذرية في موقفها من القضية الفلسطينية من «جاكوبين» الصادرة باللغة الإنكليزية (رغم أن هناك عدداً من الأصوات في المجلة التي تَجرؤ على أن تَكتب رأياً يسارياً حقيقياً). ليس ذلك من منطلق الخوف من الماكارثية؛ فتَحْت عنوان أنه يريد أن يمارس ما يظنّه «دهاءً انتخابياً» وأنه يريد أن يصل إلى «أرض وسطى» مع الإستابلشمنت، يسحقنا تقدّمي الحاضرة الإمبريالية. مقابل اعترافه بأحقية الشعب الفلسطيني في الحياة الكريمة، فإنه يريد تسليح المقاومة الأوكرانية بأحدث الأسلحة وتمويلها بمليارات الدولارات، أمّا المقاومة الفلسطينية فهي تخلّف يجب محاربته وحتى تمكين إسرائيل من القضاء عليها؛ كلمات لطيفة تجاه الشعب الفلسطيني، وأسلحة وأموال تجاه الأوكران، يصبح الموقفان سيّان «أخلاقياً» لأن التركيز الليبرالي دائماً هو على «لوائح الضمير» (هل أنت مع أو ضد، تَدعم أو تُدين؟) بدلاً من التركيز على مناهج وتحليل بُنى القوة التي يُشرفون عليها.
 
 
أخيراً، رفعتْ الولايات المتحدة، بمباركة ليبرالية وتقدمية، الحظر عن استخدام الأسلحة الأميركية من قِبَل لواء «آزوف»؛ طبعاً، النظام في كييف (كما الأحزاب الكردية) مستعدّ للتخلّي عن أي مظهر من مظاهر الفاشية إذا كان ذلك يَضمن استمرار تدفُّق السلاح والمال ويضمّهم إلى حلم الغرب، أوروبا، «الناتو»، أي منظمة جديدة في «العالم المتحضّر»؛ زيلينسكي مستعدّ لأن «يَخرج من الخزانة» إذا كان ذلك ضرورياً، أو يَحصل على وثيقة طبية بأنه «ADHD» (وبالتالي لا يمكن تصنيفه كليبرالي أطراف حتى، فالأخير يؤمن بما يقول على الأقل). أحد أعضاء البرلمان الأوكراني الفاشيين صرّح بأنه سيصوّت لمصلحة زواج المثليين لأن روسيا ضده. روسيا لجأتْ إلى الخطاب الفاشي في المقابل أيضاً من باب الآخرية مع الحاضرة الإمبريالية التي رَفضتْ ضمّها إلى مجموعتها، أي أن الروس والأوكران سواء في الفاشية والتقدمية، ولا معنى لأخذ مواقف «أخلاقية» بناءً على العبارات التي يُطلقونها. لكن ليبرالي الأطراف لا يمكنه رؤية سوى «لوائح الضمير» (خالية من أي نقاش منهجي) التي ينصّها مَنْ يَعتقد أنه «نظيره»، ليبرالي الحاضرة الإمبريالية، فيما الأخير يَستخدمه ككومبرادور لغوي لمراكمة القيمة.
 
 
وبما أننا لا نزال في أجواء الانتخابات الفنزويلية، حين يَنتقد رئيس الأوروغواي السابق «اليساري» خوسيه موخيكا الرئيسَ الفنزويلي نيكولاس مادورو فإنه يؤذيه شعبياً، ولكن هل انتقاد موخيكا للعقوبات الأميركية على فنزويلا لها أي أثر سياسي في المقابل؟ (طبعاً مضمون تصريح موخيكا سخيف). الإدارة الأميركية بالكاد سمعتْ باسم موخيكا؛ كان على موخيكا ألا يُجيب عن سؤال فنزويلا حتى يَعلم أن موقفه سيكون ذا أثر على واشنطن كما هو على كاراكاس، أو على الأقل أن يقدّم رأيه في إطار رفاقي ضمن الرابطة اليسارية. كنتُ أتمنّى أن أرى كيف كان موخيكا سيُدير اقتصاد الأوروغواي لو أنها تعرّضتْ لعقوبات أميركية. ولكن يبدو أنّ هناك تعريفاً جديداً لليساري «الجيد»: هو الذي لا يتعرّض لعقوبات أميركية.
 
 
 
المصدر: الأخبار