النظام الدولي وتآكل الهيمنة الغربية
مازن النجار
الإثنين 19 آب 2024
تقليدياً، يطلق في العلاقات الدولية على النظام الدولي، بعد الحربين العالميتين، مُسمّى النظام الدولي القائم على «القواعد»، أي قواعد القانون الدولي ومكوناته المتعددة منذ معاهدة ويستفاليا (1648) التي أنهت حروب الثلاثين عاماً الدينية، ودشنت الدولة القومية الأوروبية الحديثة، وكرست سيادتها على إقليمها وحصّنتها (قانونياً وسياسياً) ضد التدخلات. وما تبع ويستفاليا عبر القرون من معاهدات واتفاقيات دولية، كمعاهدات جنيف الأربع واتفاقية منع الإبادة الجماعية، واتفاقية فيينا، وميثاق الأمم المتحدة وما تبعه من شرائع ومواثيق. تاريخياً، كان «سلام ويستفاليا» الذي تلا المعاهدة والنظام الأوروبي الناشئ عنها، منطلقاً لحركة الاستعمار والاستيطان الأوروبي بأنحاء المعمورة، خاصة في الأميركيتين، بفعل عوامل طاردة: اضطراب سياسي واضطهاد ديني ومجاعات واكتشافات جغرافية، اتخذت ذريعة لموجة احتلال واستعمار ونهب وإبادة عاتية.
ولا زال اجتياح العالم واستباحته جوهر أي نظام دولي تحت الهيمنة الغربية. وانتقل مركز ثقل النظام الدولي بعد الحربين العالميتين من القوى الأوروبية الاستعمارية إلى الولايات المتحدة، أكبر كيان استيطاني إمبريالي في التاريخ. وهكذا قام المشروع الإمبريالي الغربي ونظامه الدولي على أربع ركائز: الإمبريالية والرأسمالية والعنصرية والفاشية.
الأحادية القطبية
في أوائل التسعينيات، وبعد سباق تسلّح باهظ أطلقته إدارة ريغان، «مبادرة الدفاع الإستراتيجي» أو «حرب النجوم»، ومحاولة ميخائيل غورباتشوف آخر زعيم سوفياتي إصلاح الاقتصاد وأنماط الإنتاج والبيروقراطية، واختراقات غربية عميقة، تفكك الاتحاد السوفياتي إلى روسيا و14 دولة. فانتهت الحرب الباردة والنظام الدولي الثنائي القطبية، وغدت أميركا القوة العظمى الوحيدة، في نظام دولي أحادي القطبية.
وتفكّك حلف وارسو وطويت صفحته من تاريخ أوروبا، لكن حلف «الناتو» استمرّ وتمدّد ليضمّ دول حلف وارسو وجمهوريات سوفياتية سابقة. فالغرب لم يكتفِ بالانتصار في الحرب الباردة وتفكيك خصمه السوفياتي، بل تغوّل وسعى إلى استتباع روسيا وتفكيكها واختراقها بعملاء وجواسيس نهبوا مؤسسات الإنتاج السوفياتية الهائلة، وأقاموا رأسمالية طفيلية (أوليغاركية) موالية للغرب وإسرائيل، بقيادة الرئيس السابق بوريس يلتسن وعائلته وحاشيته ومافياته، سيطرت على مقدرات البلاد، وكرّست استلاباً وتبعية للغرب وهزيمة وانكساراً وإمبريالية استهلاكية.
تمدّد المشروع الإمبريالي الاستيطاني الأميركي في صورة ألف قاعدة عسكرية حول العالم، تكافئ موضوعياً حركة الاستيطان الصهيوني، في عقر دار الاتحاد السوفياتي: جمهوريات آسيا الوسطى والبلطيق وشرق أوروبا، لتطوّق روسيا تماماً. وفي شرق آسيا وحده نحو 200 قاعدة عسكرية لحصار الصين وكوريا الشمالية واحتوائهما. وفي المشرق العربي والخليج عشرات القواعد العسكرية تسيطر على العالم الإسلامي وتؤمّن الكيان الصهيوني، وتفكّك النظام الإقليمي العربي، وترتيبات أمنية وجيوسياسية لدمج الكيان في إقليم مستباح، ليعيث فيه فساداً وتطبيعاً واختراقاً واستيطاناً.
العدوّ الأخضر
تدرك المنظومة الغربية أن الفراغ الروحي والأخلاقي في الغرب يرشّح الإسلام، كما اليسار، ملهماً للتغيير الاجتماعي والتمرّد على الظلم والفساد الرأسمالي الإمبريالي. لذلك، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والمنظومة الاشتراكية، سارعت دوائر أميركية مؤثّرة من المجمع الصناعي العسكري والدولة العميقة والاستخبارات ومراكز التفكير واللوبيات الصهيونية والعنصرية، إلى طرح الإسلام أو «العدو الأخضر» بديلاً من العدو الأحمر. فانطلقت حملة غربية، أميركية المركز، لشيطنة الإسلام والمسلمين، بتمويلات سخية وجيوش إعلامية ودعائية ومؤتمرات جامعة لتصعيد العسكرة وإغلاق العالم دون الإسلام والمسلمين. وتفاقمت الحملة بعد هجمات 11 أيلول 2001، فأنتجت: حرباً عالمية على «الإرهاب»، وقوانين فاشية لاستئصال الإسلام بأميركا، واصطياد المئات بقضايا «إرهاب» من إغراء مكتب التحقيقات الفيدرالي وإخراجه وتصويره، وغزو أفغانستان والعراق واحتلالهما، وإطلاق «فوضى خلاقة» وشرق أوسط كبير وجديد، ومسالخ تعذيب في «غوانتانامو» و«بغرام» و«أبوغريب»، ومشروعات اختراق لـ«نشر الديموقراطية».
وحاول الرئيس الأميركي جورج بوش الابن و«المحافظون الجدد» رمي الإسلام بالفاشية و«الفاشية الإسلامية». وكوّنوا قواعد بيانات «إرهاب»، شملت ملايين المسلمين وشخصيات بارزة حول العالم، لاعتقالهم وتجميد أصولهم وحظر سفرهم، وإنزال مواطنين أميركيين غير متهمين بشيء من طائرات متجهة إلى أميركا. كان ذلك بحق «عصر التشهير بالعرب والمسلمين».
تآكل قيادة الغرب
رغم استفرادها بالنظام الدولي وهيمنتها، أظهرت أميركا أعراض انحدار، لكنها لا تزال تمسك بعناصر سيطرة أتاحها انتقالها من موقع أحد قطبَي النظام الدولي إلى قطب وحيد مهيمن، وتفضلها على نظام دولي يتبنى قواعد القانون الدولي وحقوق الإنسان واحترام استقلال الدول وحق تقرير المصير.
أكدت الانقسامات والخلافات انحدار الغرب. فجدّدت فرنسا دعوتها إلى استقلال أوروبا بدفاعها الذاتي. وأصبح الصعود الصيني يثير قلق أميركا ويشغل مجالاً عالمياً في الاقتصاد والتقنيات والتجارة والنفوذ. واتخذت دول أوروبية مواقف داعمة لقرارات محكمة العدل الدولية، خروجاً عن الإجماع الأميركي-الغربي، وتعيد دول غربية تقييم مواقفها وسياساتها الخارجية.
وظهر للعالم خطأ التقدير الأميركي والغربي لقوة روسيا والدعم الصيني لها، ونفوذهما في الشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية. وظهرت أفريقيا حُبلى بالثورات. وانهارت مكانة فرنسا الاستعمارية هناك، وحاولت أميركا تعويض غيابها دون جدوى. وفاجأتهم دعوى جنوب أفريقيا بمحكمة العدل الدولية ضد الإبادة الجماعية الإسرائيلية بقطاع غزة.
الشمول المعرفي
من ناحية أخرى، يرصد الشمول المعرفي (ثقافة ودين وأنثروبولوجية وتاريخ) معطيات جيوسياسية ومؤشرات إستراتيجية، لا تلحظها دراسات صراع القوى والعلاقات الدولية. وقد وظّفه المؤرخ الفرنسي، إيمانويل تود، لدراسة أفول الغرب، ونهاية هيمنة أشار إليها إيمانويل ماكرون منذ سنوات. رصد تود تراجع الدولة القومية، وتآكل الديموقراطية التمثيلية لمصلحة بيروقراطية غير منتخبة، والصفر الديني والأخلاقي، وتراجع التصنيع، وتصاعد معدلات الوفيات والانتحار وجرائم القتل وعنف الشرطة، وعنفاً مجتمعياً يستهدف يومياً مدارس وأسواقاً وأماكن عمل، وعدمية إمبراطورية أميركية وهوساً بالحروب الأبدية!
المصدر: الأخبار