العلمانية
50 عاماً على الحروب اللبنانية: الكنيسة تكتب مراجعتها... مجدداً

دنيز عطالله

الجمعة 9 آب 2024

في 13 نيسان من العام المقبل سيتوقف اللبنانيون عند "اليوبيل الذهبي" للحرب اللبنانية.
 
 
خمسون عاماً على اقتتال أهلي بتنويعات مختلفة العناوين والشعارات، وكأنها أمس الذي عبر.
 
 
خمسون عاماً شهدت صراعات وحروباً، بالأسلحة حيناً، وباردة حيناً آخر، لأن المصالحة الوطنية لم تُبنَ على المصارحة وإعادة قراءة نقدية لتجارب الحرب ومغامراتها وأوهام لاعبيها ومسؤولياتهم.
 
تهديد المسيحيين والمسلمين
 
 
على أبواب الذكرى، تحاول الكنيسة المارونية أن تبادر من جديد إلى فتح نقاش لمعالجة كل آثار الحرب التي شوّهت الفكرة اللبنانية، من منظورها، واستمرار تداعياتها يهدد بـ"تحويل لبنان إلى ساحة خارجة عن ثوابت الهويَّة اللُّبنانيَّة التاريخيَّة، يضرب بشكل ممنهج الشرايين الحيويَّة لكلّ ثوابت الحريّة، وحقوق الإنسان، والتنوّع، والعدالة، والعيش المشترك، في موازاة صعود تيّارات أصوليّة وشموليّة متطرّفة تُهدّد المسيحيين والمسلمين معًا، وتغيّب الاعتدال الذي يميّز الشخصيّة اللّبنانيّة التاريخيّة"، وفق ما ورد في إحدى المسودات التي يعمل عليها عدد من الأساقفة واطلعت عليها "المدن".
قبل ثمانية أشهر من حلول ذكرى الحرب اللبنانية، بدأت لجان متخصصة في بكركي، من أكليروس وعلمانيين، العمل على كتابة نصوص تعيد التركيز على "لبنان الدور والرسالة والتطلعات".
 
لا ينطلق هؤلاء من فراغ. يستندون إلى مواقف الكنيسة التاريخية، وتحديداً إلى ما ورد مفصلاً في المجمع البطريركي الماروني عام 2006.
 
العقد الاجتماعي والميثاق
 
 
يعيد أحد الأساقفة قراءة النص الذي ينطلقون منه من مقررات المجمع وفيه: "حسمت مقدّمة اتفاق الطائف الجدل حول طبيعة العقد الاجتماعيّ بين اللبنانيين فاعتبرت أنّ العيش المشترك هو في أساس هذا العقد وأنّ لا شرعيّة لأيّ سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك. كما أوضح ماهيّة النظام اللبنانيّ: لبنان واحد موحّد، سيّد، حرّ، مستقلّ ونهائيّ لجميع أبنائه وعلى كامل أرضه، وهو عربيّ الهويّة والانتماء، ويلتزم بكونه عضواً مؤسّسًا في الجامعة العربيّة وفي منظمة الأمم المتحدة وفي الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان. وقالت إنّ النظام جمهوريّ ديموقراطيّ برلمانيّ، يقوم على احترام الحريّات العامّة...".
 
وبعدها ينتقل إلى ما تورده المسودة التي تحضّر راهناً وفيها: "يبرُز واضحًا تقويض الدستور، مع محاولة حثيثة لتحويره أو تطبيقه إنتقائيًّا، ما يؤدّي إلى شلّ دولة القانون والمؤسسات، يُضاف إلى ذلك إنتهاك سيادة الدَّولة الواحدة، وجيشها الواحد، وسياستها الواحدة".
 
تؤكد الكنيسة المارونية مجدداً أن "اللبنانيّين مطالبون باستخلاص دروس الحرب، والإدراك أنّ مصير كلّ واحد منهم مرتبط بمصير الآخر، وأنّ خلاص لبنان يكون لكلّ لبنان أو لا يكون، ويقوم بكلّ لبنان أو لا يقوم، ذلك أنّه ليس من حلّ لمجموعة دون أخرى، ولا لمجموعة على حساب أخرى".
 
وتستحضر الكنيسة في هذا السياق عبارة البطريرك الراحل نصرالله صفير وتضمّنها مسودتها: "لبنان ليس للمسيحيين والمسلمين، بل هُم المسيحيّون والمسلمون للبنان" لتضيف: "تحت سقف الدّستور ودولة القانون السيّدة الحرّة العادلة المستقلّة، حيث تسودُ المواطنة المحتضنة للتنوّع".
 
عن الدور والحرية
 
 
تعرف الكنيسة أن الظروف الراهنة، ولبنان على شفير حرب، قد لا تشكل الوقت الأنسب لكلام "عاقل يراعي مستقبل اللبنانيين ويوقف نزيف هجرتهم ويمنع الإنزلاق إلى أي خيارات لا تخدم البلد ومصالحه"، الأّ أنها تفترض "ضرورة إعادة التأكيد على الثوابت التي قد تمنع حروباً جديدة في لبنان وعليه".
 
لذا يرد في المسودة إنّ "المسار الوطني السّيادي لا يقوم سوى بمصارَحَةً وطنيّة، وبالاتّفاق على استراتيجيّة تؤمّن حماية لبنان، مع تحييده عن أيّ صراعات إقليميّة ودوليّة، وصولًا إلى حياده الإيجابي ضمن مسار دستوري قانوني واضح المعالم، بالاستناد إلى الشراكة الميثاقيّة بين مكوّناته، بالإضافة إلى تجهيز وتسليح الجيش اللّبناني".
 
تضيف: "في هذا السّياق أعلاه، تتوفّر مقوّمات السّعي لاستِعادة دور لبنان التّاريخي في العالم العربي في بَلورة قِيَم الحريّة، والعدالة، والحِوار، وحقوق الإنسان، والمساواة، وإدارة التنوُّع، وبناء السّلام، وفي أساس ذلك ديبلوماسيَّة مساندة لقضايا العدل، مع وقف التهجّم على الدّول العربيّة تحت أيّ مسمّى".
 
تتشعب المواقف في المسودة الاولى للكنيسة التي تحاول أن تجيب على من يطالبونها باستمرار باستعادة الدور والمبادرة، ويسالون عن دور المسيحيين في إحياء فكرة لبنان التي يتمسكون بها ورسالته. يصر كتبة المسوّدة أنها أولية و"أمامها مسار طويل من النقاش والتعديلات والتطوير"، لكنهم يُجمعون على العبارة التي يختمون بها: "الحريَّة جوهر قِيام لبنان، والوجود الحُرّ يسبِق الدّور والرِّسالة، وهو شرطٌ أساسيٌّ لهُما".
 
 
المصدر: المدن