الإسلام المعتدل.. روسيا نموذجاً
الياس مخايل المر
الأربعاء 4 تشرين الأول 2023
ظهر في العقد الماضي ومنذ اندلاع ما سُمّي بالربيع العربي، نهج اسلامي صُبغ بعلامات التعصُّب والتطرّف، تحت عقائد سلفية، بدأت في آخر العشرية السابقة على شكل حركاتٍ سياسية، قادت العديد من الثورات في المنطقة، وانقلبت على العديد من الأنظمة، فيما فشلت في استلام الحكم، كبديل طبيعي، عن تلك الأنظمة التي سقطت.
أما وفي بداية العقد الماضي، تحوّل هذا المشهد السياسي المضطرب، إلى مشهد عسكري أمني ساخن، ظهر على امتداد المنطقة، من العراق إلى سوريا ولم ينج منه لبنان، على شكل حركات وفصائل مسلّحة تحت عناوين ومسمّيات مختلفة، برز منها «داعش»، «أحرار الشام»، «النصرة» وغيرها، وجميعها اتخذت من «الإسلام» راية.
تورطت بعض دول المنطقة في دعم واستثمار هذه الحالة، طمعاً بتحقيق مكاسب سياسية، وثأراً من أنظمة وتصفية حسابات سياسية، وبحثاً عن زعامة وقيادة في منطقة تقع على فوهة بركان، ولا تزال، في ظلّ تسابق اسلاموي محموم، عربي وغير عربي، سرعان ما اكتشفت هذه الدول نفسها، خطورة تورطها في هذا المنزلق، وقرب انقلاب السحر على الساحر، وباتت خائفة على ارتداد هذا التنين إلى داخل دولها، ومن قلب مجتمعاتها ومدارسها وجوامعها وأحيائها، وما لبثت أن تراجعت، وعادت لتنادي بالاعتدال والسلام، ودخلت في مسار المصالحات والتسويات.
أما في المقلب الآخر من العالم، في بلاد الروس، حيث يعيش التنوع الطائفي في أفضل صوره، وتنتشر الجمهوريات الإسلامية، على امتداد مساحة الدولة القارية العملاقة، وينتشر معها أكثر من 8 آلاف مسجد، يئمُها أكثر من 25 مليوناً من المسلمين الأصليين، التتار، البشكير، التشوفاش والشيشان، يشكّلون 15 بالمئة من نسبة السكان في روسيا، يعيشون في كافة أنحائها من دون أي فرز أو تقسيم عرقي أو فئوي، بالرغم من نجاح النموذج الإتحادي الذي فرز 4 جمهوريات تُعتبر إسلامية وهي، داغستان، باشكير تتاريا والشيشان، حيث تملك، كغيرها من باقي جمهوريات روسيا الاتحادية، مجالس اقتصادية ونيابية، تشبه الى حدٍ كبير نظام الحكم الذاتي، المعروف بالفيدرالية الإدارية والمالية الموسّعة.
علاقة الاخوّة التي تجمع بين المسيحيين والمسلمين في أنحاء كثيرة من العالم، تعبّر عن حقيقة أنّ التعايش غير مستحيل، وأنّ الأديان يجب، وتستطيع أن تكون عامل تلاقٍ بدلاً من سلاح تفرقة. وأنّ السياسة في الدول يجب أن ترتقي الى مستوى القيم الأخلاقية الموجودة في التعاليم الدينية، لا أن تسخّر الأديان السماوية لخدمة السياسة الزمنية الأرضية الدنيوية.
والتعايش الروسي، في ظلّ إدارة تستطيع أن تتعامل مع الإنسان على أساس المواطنة، وتعطيه حقوقه على أساس استحقاقه لها، ووظائفه على أساس الكفاءة لا المحاصصة، يُعتبر نموذجاً هو الأنجح. فهذه دولة حافظت على التمايز والخصوصية من جهة، من ضمن الوحدة المركزية القوية من الجهة المقابلة، عسى أن تكون قدوة واختباراً لدول كثيرة تعيش نقمة الطائفية بدلاً من نعمة الأديان وروحيتها، ولبنان أيضاً نموذجاً.
المصدر: الجمهورية