تقويض الحريات في لبنان: "عدالة" الأحزاب والطوائف والأجهزة
بتول يزبك
الأربعاء 27 أيلول 2023
بعد مثولها أمام المباحث الجنائيّة، مطلع الشهر الجاري، بدعوى من رئيس المحكمة الشرعيّة السّنية العليا، القاضي محمد أحمد عساف، وتوقيفها واقتحام منزل والدتها ومنزلها والعبث بممتلكاتها الخاصة والشخصيّة، وما جاور ذلك من انتهاكات جمّة، حظيت قضية الصحافية مريم مجدولين لحام، بتفاعل واسع لا تزال تتردد أصداؤه حتّى حينه، خصوصًا أن كل السّيناريو البوليسيّ الذي حصل معها، عُدّ سابقةً قضائيّة لم يحصل قطّ مثلها في تاريخ القضايا ذات الطابع الصحافيّ في القضاء اللّبنانيّ.
وعليه، أُقيم يوم الاثنين مؤتمرٌ صحافي في مساحة "صوت وصورة" بمنطقة السّيوفي -الأشرفيّة، محوره، واقع الحريات في لبنان وسُبل المواجهة، خصوصاً بعد قضيّة لحام، وما تخلّلها من تقاطعات حزبيّة –طائفيّة- أمنيّة، وبعد عشرات قضايا الاستدعاءات الاعتباطيّة في الشهور الأخيرة، أكان للصحافيين، والناشطين، والفنانين، أو النقابيين. فيما روّت لحام شهادتها الخاصة، إلى جانب كل من أسعد بشارة عن إعلاميين من أجل الحريّة، ورمزي قيس عن "هيومن رايتس وتش"، وسحر مندور عن "أمنستي" (منظمة العفو الدوليّة) ووكيلة لحام القانونيّة ديالا شحادة.
دعوات لمواجهة "تعسف السّلطات"
واستهل أسعد بشارة المؤتمر الصحافي بدعوته كافة المرجعيات القضائيّة والأمنيّة للتوقف عن التّعاطي مع الجسم الإعلامي بهذه الطريقة، وتحديدًا رئيس المجلس القضاء الأعلى، القاضي سُهيل عبود، الذي دعاه للتأكيد لقطاع الصحافة والإعلام بعدم تكرار ما حصل مع لحام، مُعتبرًا أنها طريقة مشينة وغير لائقة للتعاطي من الصحافيين، فقط لأنهم قرروا التّعبير عن رأيهم.
هذا فيما عبرت المحاميّة ديالا شحادة عن توجسها مما آلت إليه أوضاع الحريات في لبنان، وتحديدًا حرية الصحافة والقول والرأي، مشيرةً لكون غياب الحريّة، يعني انسداد الأفق أمام أي تغييرٍ يُذكر، أكان رسميًّا وشعبيًّا، واصفةً الذي حصل مع الصحافيّة بالعنيف وغير المقبول والضارب بعرض الحائط كل التّشريعات الحقوقيّة ومبدأ الحريّة بمفهومه الأشمل، خصوصًا أن المباحث الجنائيّة لا تزال تحتفظ بحاسوب لحام الشّخصيّ، متسائلةً عن السّبب وراء ذلك، وملمحةً للنفوذ السّياسيّ الذي حوّل القضية من قضيّة ترتبط بدعوى قدح وذمّ عامة، إلى التّدخل في شؤون لحام الشخصيّة، وأغراضها ومنزلها ومنزل ذويها ووالدتها.
ودعت شحادة الصحافيين للامتناع عن المثول أمام النيابات العامة، إذ وحدها محكمة المطبوعات والقاضي، هما الجهتان اللتان يمثل أمامهما الصحافي فقط. واصفة ما جرى مع الصحافيّة لحام وباقي الصحافيين مؤخرًا، بالتّنمر والعنف الذي يُشابه المنهاج العنيف الذي اعتمدته السّلطات اللبنانيّة والمرجعيات الدينيّة والأجهزة الأمنيّة مع صحافيين وكتّاب اغتيلوا لتعبيرهم عن موقفهم وآرائهم مثل سمير قصير ولقمان سليم.
شهادة لحام
ثمّ تحدثت لحام عن الانتهاكات الجمّة التّي طالتها في المباحث الجنائيّة وسجن النّساء في فردان، من تعنيفها المعنويّ والبدنيّ، وصولًا لمنعها من دخول دورة المياه تحت ذريعة نيتها الانتحار داخل المرحاض، وما تبع ذلك من اقتياد أختها "الملتزمة دينيًّا" إلى المباحث ومن ثمّ مخفر حبيش، حيث أجروا لها فحصًا للبول للتأكد من عدم تعاطيها الممنوعات وتحديدًا حشيشة الكيف، وأخيرًا إلى سجن النساء في فردان، فقط لكونها كانت متواجدة في منزل الصحافيّة، ذلك فضلًا عن تفتيش منزل والدتها المسنة والمريضة، واقتحام منزلها من دون السّماح لمحاميتها بالتّواجد. مشيرةً لكون التّهمة التّي حاولوا تلفيقها هي دليل على إفلاسهم السّياسيّ -على حدّ قولها- فيما توعدت كل الذين ارتكبوا بحقها الانتهاكات في المراكز الأمنيّة، بتقديم تقرير بحقهم إلى الجهات المانحة التّي صرفت ملايين الدولارات على الدورات التّأهيليّة الحديثة لرجال الأمن واستقلاليّة القضاء.
أمنستي وهيومن رايتس وتش
من جهتها اعتبرت سحر مندور، عن منظمة العفو الدوليّة، أن الذي جرى سورياليّ وانتهاك فاضح وواضح بحقّ كل الشرع العالميّة لحقوق الإنسان، البديهيّة منها تحديدًا، لافتةً لكون المنظمة قد أطلقت حملة بُعيد تفاقم وتيرة الضغط على الصحافيين وتضييق الخناق عليهم بالدعاوى المتعلقة بالتشهير وخصوصًا القدح والذمّ والتحقير، ذات الطابع الجزائي، فيما تدعو المنظمة لإلغاء كل القوانين المتعلقة بالتّشهير والتّي يتمّ بموجبها اقتياد الصحافيين والنشطاء إلى الثكنات العسكريّة من دون أدنى اعتبار لرسالتهم المهنيّة وواجبهم الصحافيّ.
الأمر الذي أكد عليه المُتحدث باسم Human Rights Watch، رمزي قيس، الذي حضر افتراضيًا، مُلقيًا كلمته عبر الفيديو، فصّل فيه كافة الانتهاكات والاعتداءات التّي لحقت الصحافيّة لحام، ومعتبرًا إياها قمعيّة ومُجحفة، ومُخلة بالعهد الدوليّ لحقوق الإنسان، داعيًّا الدول والجهات المانحة التّي تقدم مبالغ طائلة إلى أجهزة الأمن اللبنانيّة والقضاء اللّبنانيّ، لتأهيله وتدريبه على سُبل التعاطي السّليم بمثل هذه الحالات، بالضغط على لبنان الذي انخفض فيه مؤشر حريّة الصحافة، فقط لكون السّلطات اللّبنانيّة عازمة على قمع كل من يحاول الكشف عن المرتكبين والمتواطئين بإحلال الكوارث على البلد.
المصدر: المدن