العلمانية
عن الخيانة والخذلان والطوائف "غير الوطنيّة"

علي نور الدين

الإثنين 25 آذار 2024

لا يوجد جديد في السجال التاريخي المعتاد في لبنان، حول فكرة وشكل المقاومة، أو بصورة أدق، حول السلاح الخارج عن سيادة الدولة اللبنانيّة. غير أن فتح الجبهة الجنوبيّة منذ تشرين الأوّل الماضي، أثار السجال نفسه مع جملة من المفاهيم التي تثيرها في العادة حالة الحرب. فمن رحم الاصطفاف التاريخي المعتاد، خرجت شريحة واسعة من اللبنانيين من الذين لم يجدوا جدوى تُذكر في فتح الجبهة الجنوبيّة. أو على نحوٍ أوضح، لم يجدوا أن حسابات فتح تلك الجبهة تتطابق مع المصلحة الوطنيّة والمحليّة. وهذا ما فتح المجال أمام مناقشة الأبعاد التي يحملها السلاح الخارج عن سلطة الدولة، أو ارتباطاته الإقليميّة والدوليّة.
 
لكن في مواجهة هذا الرأي، اتخذت بعض الردود طابع الاستنكار، من زاوية اعتبار طرح هذه القضايا خذلانًا في خضم الحرب الدائرة. التشكيك في مشروعيّة المعركة، بالنسبة إلى هذا الرأي، طعن في الظهر، وخدمة للعدو خلال المعركة. بل وحتّى عادت إلى وسائل التواصل الاجتماعي التوصيفات التي تناقش مفهوم الخيانة، أو حتّى فكرة الطوائف "غير الوطنيّة" في مقابل الطوائف التي تؤدّي واجبها النضالي والوطني. وفي إحدى هذه الحالات، بلغت الأمور حد استدعاء أستاذ جامعي –الدكتور مكرم رباح- إلى التحقيق، بتهمة "خرق الإجماع الوطني" (؟) حول مبدأ المقاومة. وكما هي العادة، تستنجد هذه الأدبيّات السياسيّة بكل ما هو متاح من سرديّات تعيد التذكير بتاريخ بعض الطوائف، أو بعض القيادات، للدلالة على توارثها سلوك الطعن بالمعارك النضاليّة الوطنيّة.
 
عودة إلى البديهيّات: أي خيانة لأي عهد؟
 
 
لا يمكن التقليل من شأن تهمة أو وصمة بحجم مفهوم الخيانة أو الخذلان، خصوصًا حين تأتي هذه التوصيفات خلال لحظات المواجهة التي يرتفع فيها منسوب الحماسة، وينخفض فيها منسوب التعقّل والحكمة. ربما لهذا السبب، وانطلاقًا من حساسيّة هذا المفهوم وخطورته، ثمّة حاجة للعودة إلى سؤال أساسي: عن أي خيانة نتحدّث؟ أي خذلان لأي عهد؟ أو بلغة قانونيّة مجرّد: ما هو العقد الاجتماعي الذي يُتّهم الفرد اليوم بخيانته؟
 
حين تختلط المفاهيم بهذا الشكل، ثمّة حاجة للعودة إلى البديهيّات الأولى. العهد الأوّل الذي يُلزم به الأفراد قانونًا –وأجزم: أخلاقيًا- تجاه أي شكل من أشكال الاجتماع السياسي، هو ذاك الذي ينشأ تجاه إرادة عامّة، تجسّدها دولة ذات نظام يمثّل شعبه. هنا، يصبح للإلتزام الوطني قيمة: أنت شريك في إرادة وسيادة دولتك، بصفتك صاحب قرار ومصلحة، وأنت صاحب واجبات، تحت سلطان القوانين التي يفرزها هذا النظام السياسي.
 
ما نتحدّث عنه يصبح فكرة أساسيّة في الوعي السياسي المعاصر: يُشتق منه مفهوم المواطنة، التي لا تمثّل بطاقة هويّة، بقدر ما تمثّل مركّباً كاملاً ومتكاملاً من الحقوق والوجبات، التي تصل الفرد بالسلطة والدولة. ويُشتق منه مفاهيم أخرى، كالديمقراطيّة التي تكفل مشاركة الشعب في القرار، والحريّات الأساسيّة التي يكفلها الدستور –أوّل مواثيق العقد الاجتماعي- بمعزل عن هويّة الحاكم أو وجهة الأغلبيّة.
 
عند هذا الحد، نصل إلى الفكرة التي يذكّر بها دائمًا حماة الرؤوس. تفرض حالة الحرب، كالتي نعيشها، واجبات استثنائيّة على الفرد، بما يتخطّى ثقل مثيلها في حالة السلم. حتّى في الدول الديمقراطيّة، تفرض الحرب بعض الواجبات على المواطن: الامتثال لبعض القيود على نشر أو تحليل المعلومات الأمنيّة، أو حتّى على التنقّل وكيفيّة استهلاك السلع الأساسيّة. بل وخارج نطاق القانون أيضًا، يفرض الرأي العام نفسه رقابة معنويّة على تصريحات السياسيين. من هذه الزاوية، يمكن الحديث عن خذلان، لكن في إطار دور الفرد كمواطن، وأمام الدولة التي تمثّل إرادة المجتمع العامّة.
 
الدولة المغيّبة وكسر العقد الاجتماعي
 
 
غير أنّ الحالة اللبنانيّة باتت بعيدة عن كل هذه المُثل والقيم والمفاهيم. فكيف يمكن أن يصبح الحال حين يبشّر رئيس الحكومة نفسه شعبَه، بأنّه لا يملك من أمر الحرب أو السلم شيئًا؟ ثم كيف سيكون الحال حين يرى الشعب حكومته منكفئة عن أداء أبسط الأدوار السياسيّة التي تفرضها الحالة الراهنة، في مقابل انشغالها باستغلال حالة الحرب لتمرير مشاريع التفريط بأصول الوطن، الذي نُدعى للموت لأجله؟ ما هي الإرادة العامّة التي تجسّدها حكومة من هذا النوع، والتي يُسأل عن خذلانها صاحب أي رأي أو موقف حاليًا؟
 
غير أن المسألة تحمل أيضًا أبعادًا تتجاوز ما يجري خلال هذه اللحظة. فمكانة القانون، الذي يجسّد هذه الإرادة العامّة، باتت في حضيض هذا الاجتماع السياسي اللبناني. لقد شهد اللبنانيون خلال السنوات الأربع الماضية إحدى أكبر الجرائم الماليّة التي شهدها التاريخ الحديث، ولم يروا في المقابل حكمًا قضائيًا واحدًا بهذا الشأن، وفق مبدأ المحاسبة والمساءلة. وبعد انفجار دمّر قلب العاصمة اللبنانيّة، لا تحتوي الزنازين اليوم على موقوفٍ واحد في هذه القضيّة. ثقافة الإفلات من العقاب، هي نقيض فكرة دولة القانون، هي نقيض فكرة الدولة والإرادة العامّة، التي تستهدف قبل أي شيء: أن تضمن حقوق الأفراد في المجتمع.
 
على هذا النحو، ماذا يتبقى من هذا العقد الاجتماعي، بعد أن تترك الدولة قرارها الدفاعي للغير، وبعد أن تستقيل من دورها كتجسيد لإرادة المجتمع العامّة؟ ماذا يتبقى من العقد الاجتماعي، حين ننزع كلمة القانون، من فكرة دولة القانون؟ وعن أي عهد نتحدّث هنا؟ لا شيء. أو كما قال روسّو مثلًا، عند حديثه عن الحالة الطبيعيّة السابقة للدولة: لا أدين بشيء لأحدٍ لم أعده بشيء.
 
حين يُهشّم العقد الاجتماعي المؤسّس للدولة، لا يبقى على الساحة ما نخذله أو نوفيه العهد له. يعود اللبنانيون إلى أشكال الاجتماع السياسي السابقة للدولة: طوائف وقبائل، تملك كلّ منها رؤيتها للصراع، ولدورها، ولمحاور الإقليم ونزاعاته. أما لمن يبقى خارج عباءة الطوائف-القبائل، فلا يتبقى سوى الاستنجاد بالميول الإيديولوجيّة أو الهويّات الثقافيّة، لتحديد الموقف من هذا الحدث أو ذاك.
 
لكن في كل هذا، لا يمكن الحديث عن عهد قانوني أو عقد اجتماعي، أو عن خذلان يُشتق من النكث بهذا العهد. خارج عباءة الدولة، لا يملك أحد أي وصاية أو موجب قانوني أو أخلاقي على أحد... طالما أن أحدًا لم يعد الآخر بإلتزام خارج هذه العباءة.
 
الطوائف "الوطنيّة"
 
 
كل ما سبق ذكره، لا يعني الذهاب في دوّامة من العدميّة في السياسة. ثمّة عمالة واضحة، بالمفهوم العسكري للكلمة، حين يقدّم فرد خدمات أو معلومات أمنيّة لقوّة معادية، وهذا يُشتق من ما تبقى من قوانين معمول بها اليوم. وثمّة مخاطر خارجيّة، وعدو واضح الهويّة. غير أن المواجهة وشكلها وقرارها لا تخضع اليوم لأي إرادة عامّة جماعيّة، ولا يملك أحد سلطة ادعاء تمثيل ذلك. ما يفترض أن نعرفه قبل التخوين أو الاتهام بالخذلان، هو أننا لا نواجه كمجتمع أو دولة، بل ثمّة أهواء تحكم قرار كل جماعة أهليّة داخل هذه البلاد. العودة إلى الدولة وقرارها، خطوة لازمة قبل الحديث عن عهد أو إرادة عامّة أو عقد اجتماعي، يُفرض على الجميع.
 
غير أن كل هذا الحديث يدفع البعض إلى الرد بابتداع مفهوم آخر مستورد من زمن الحرب الأهليّة، عبر ادعاء وجود طوائف "وطنيّة" تحمل همّ المواجهة، وطوائف "غير وطنيّة" خذلت المجتمع تاريخيًا. هذا الكلام، الذي يبدو إشكاليًا عند ذكره، يتحدّث عنه اليوم أساتذة جامعيون على وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا أخطر ما في الموضوع.
 
مشكلة هذا الطرح هو التناقض الذي يحمله في العنوان. الطائفة كشكل من أشكال الاجتماع السياسي، كشكل من أشكال القرار والسطوة، هي نقيض وتفتيت لمفهوم الاجتماع السياسي الوطني، الذي تجسّده الدولة. لا يمكن أن يدخل مفهوم الوطنيّة قرب مفهوم الطائفة، ولا يمكن لطائفة أن تجسّد مفهوم الإرادة العامّة، لتزعم أن غيرها من الطوائف خارج الإرادة "الوطنيّة". نحن إمّا طوائف، يقرّر كلٌّ منها خياراته وفقًا للمفاهيم والانتماءات الموروثة، أو شعب يحتكم لدولة وإرادة عامّة وخيارات مبنيّة على أساس التمثيل السياسي. بين هذا وذاك، لا يوجد طوائف وطنيّة وطوائف غير وطنيّة.
 
لقد عرف اللبنانيون حربًا امتدت لخمسة عشر سنة، بدأت بالشعارات والعناوين الكبرى، وانتهت بتقاتل الميليشيات على الزواريب وحق تحصيل الخوّة. وكانت تلك التجربة كفيلة بإثبات أن كل تلك المفاهيم لم تحمل قيمًا سامية، بقدر ما أنتجت مجتمعًا مشتتًا لحسابات إقليميّة ومحليّة لا علاقة بالشعارات المرفوعة. أمّا الأهم، فهو أن مجتمعات المشرق العربي تحتاج لمبدأ تضامن الشعوب بالفعل، لكنّ هذا المبدأ يفترض ضمان حق الشعوب بتقرير مصيرها أولًا، أي أن تعبّر عن نفسها بكيانات ونُظم سياسيّة تمثيليّة. وهذا ما لا تؤمّنه حالة هذه الشعوب اليوم.
 
المصدر: المدن