البشريّة في 2024: الشعبويّة والسلطويّة والخوف على الديمقراطيّة
علي نور الدين
الثلاثاء 2 كانون الثاني 2024
تزدحم اليوم التحديات في وجه العولمة الاقتصاديّة، كمنظومة تحكم آليّات عمل التجارة الدوليّة، على نحوٍ لم يشهده العالم منذ انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفياتي. الردّة عن عقيدة السوق المفتوحة لم تعد تقتصر على استعانة كبرى الديمقراطيّات الليبراليّة بأدوات الحمائيّة التجاريّة، والتدخّل لإعادة هندسة سلاسل التوريد وفقًا لحسابات أمنها القومي. ففي أحشاء هذه الديمقراطيّات الليبرالية، تتقدّم طلائع الشعبويّات اليمينيّة على أنواعها وبمختلف ألوانها.
هناك، تتوازى المعركة ضد العولمة، وضد الكيانات الفوق قوميّة مثل الاتحاد الأوروبي، مع معارك أخرى بإسم الحفاظ على الخصوصيّة المحليّة: ضد التعدّد الثقافي واللجوء والبنى المؤسسيّة داخل النظام الديمقراطي، وضد الآليّات الدستوريّة التي تضمن الحريّات المدنيّة.
ضحايا العولمة وأنصار الشعبويّة
هي أزمات العولمة الاقتصاديّة، التي خلّفت وراءها في الغرب جيوش من الناقمين على هذا العالم الجديد. هم سكّان ولايات "حزام الصدأ" في الولايات المتحدة، الذين هجرتهم المعامل بعدما كانت ولاياتهم رمزًا للصناعات الثقيلة. رأى هؤلاء بأمّ العين معنى أن تنزح سلاسل التوريد ورؤوس الأموال والمصانع نحو الصين، بحثًا عن اليد العاملة الرخيصة، قبل أن تعود هذه المعامل نفسها لتصدّر منتجاتها من الصين إلى الولايات المتحدة وسائر الدول الغربيّة، من دون أي قيود. هذه الفئة الناقمة، هي التي دغدغ ترامب مشاعرها بشعار "أميركا أولًا"، وبوعود الرسوم الجمركيّة والسياسات الحمائيّة، فقادته هذه الولايات بالذات إلى الرئاسة عام 2016.
وفي جميع أنحاء أوروبا، يتردّد صدى أحزاب اليمين الشعبوي المحذّر من تدفّق الأيدي العاملة الأجنبيّة عبر الحدود، فتحاكي هذه الأحزاب هواجس الطبقات الوسطى والأرياف المحليّة. والرغبة بضبط سوق العمل، يترجمها الكلام عن "استعادة البلاد" من أيدي الآخرين، وبعض التشديد على الخصوصيّة الثقافيّة والقوميّة، وكثير من الامتعاض والتشكيك بالاتحاد الأوروبي ومؤسساته "المفروضة" على جماهير الدول الوطنيّة. هنا، تصبح القوميّة خطابًا ينطلق من توتّرات اقتصاديّة، ليحاكي الغرائز بإيديولوجيا هويّاتيّة تصوّر الشعب كوحدة معلّبة ومتماسكة منسجمة المصالح، ضد الآخرين، كل الآخرين، الذين يملكون جميعًا مصالح مضادّة للشعب "الجيّد" بطبيعته.
على أن الشعبويّات اليمينيّة، بنسخها الغربيّة، تذهب إلى ما هو أبعد. فحين ينطلق الشعبوي ليخطب بإسم الشعب ويخوض معارك هذا الشعب، فهو لا يخوض معركته ضد الآخر "الغريب" فقط، بل أيضًا ضد النخب، بكل ألوانها، وضد المؤسسات الدستوريّة الضامنة للحقوق والحريّات المدنيّة، مثل القضاء، بوصفها عائقًا أمام التمثيل الشعبي الصحيح، أو بوصفها عقبة تحول دون تنفيذ إرادة الشعب. من يمثّل الإرادة الشعبيّة، هو هذا الشعبوي الذي ينطلق من تفويض متخايل مباشر، في وجه سائر أشكال التمثيل الديمقراطي المؤسسي التي لا تمثّل سوى تزويرًا لإرادة الشعب. بهذا الشكل، تصبح معركة هؤلاء ضد الضمانات التي يكرّسها النظام الديمقراطي، لتكريس التعدّديّة. لهذا السبب: الشعبويّة هي أيضًا معركة ضد التعدديّة والتنوّع.
في نهاية العام 2023، أصبح الشعبويّون وأحزابهم يحلّون في المراتب الأولى أو الثانية، من حيث الشعبيّة كما تُظهر استطلاعات الرأي، في كبرى الديمقراطيّات الأوروبيّة، مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وأسبانيا. قد لا يتمكّن هؤلاء من الوصول إلى السلطة حتّى إذا نالوا أكبر نسبة من الأصوات، بسبب طبيعة النظم الانتخابيّة، كما في حالة فرنسا التي تفرض التنافس على جولتين، وهو يسمح لكل أحزاب الطيف السياسي بالاتحاد ضد مرشّحة اليمين المتطرّف عند وصولها إلى الجولة الثانية. لكنّ مجرّد حضور هؤلاء –مع مزايداتهم- في قلب الحياة السياسيّة، على هذا النحو، سيكون كفيلًا بالتأثير على السياسات العامّة التي ستنتهجها الحكومات الأوروبيّة، ناهيك عن سياسات الاتحاد الأوروبي نفسه.
السلطويّة والشماتة بأزمات الديمقراطيّة الغربيّة
أمام كل هذه الأزمات، ثمّة من يتربّص في المقلب الآخر، للاستثمار في التناقضات التي تواجهها الديمقراطيّات الليبراليّة في الغرب. لقد قامت البوتينيّة منذ البداية، بوصفها نزعة سلطويّة شعبويّة، ببناء خطاب يقوم على تصوير الديمقراطيّة، والحقوق المدنيّة والحريّات العامّة، كمنتج غربي، أو كجزء من منظومة الهيمنة الغربيّة. بهذا المعنى، باتت السلطويّة البوتينيّة تسوّق حربها ضد الديمقراطيّة كحرب ثقافيّة ضد الآخر، وباتت تسوّق مفاهم "الأمن القومي" و"السيادة الوطنيّة" من باب حق النظام المهيمن بالطغيان داخليًا، أو حتّى التوسّع خارجيًا إذا اقضت ضرورات المجال الحيوي ذلك. وما "العالم المتعدد الأقطاب" الذي تتغنّى به البوتينيّة، سوى العالم الذي يحفظ حق الأنظمة السلطويّة المماثلة بالوجود، وتحدّي فكرة تداول السلطة.
أنظمة من هذا النوع، وجدت في أزمات الديمقراطيّة الغربيّة ما يستحق الشماتة، والعمل على تكريسه بوصفه دلالة على تناقضات هذه الديمقراطيّة التي لا تستسيغها سلطويّة بوتين. هنا، يمكن فهم الإعجاب المتبادل بين الرئيس الروسي ورموز الحركات الشعبويّة اليمينيّة الغربيّة، وفي طليعتهم الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ترامب. هؤلاء، هم نقطة الاحتكاك التي لطالما بحث عنها بوتين، داخل النظام الديمقراطي، وهؤلاء هم راهنه لتأزيم هذا النظام، طالما أن وجود الديمقراطيّة الصحيّة بحد ذاته هو تهديد لفكرة الأنظمة التي لا تقيم وزنًا لحريّات وحقوق شعوبها. "القوّة السياديّة"، ستكون عنوان حملة بوتين الانتخابيّة عام 2024، مكرّسةً –مجددًا- الاستعانة بمفهوم "السيادة"، في وجه مفاهيم الديمقراطيّة والحريّات المدنيّة.
على المقلب الآخر، تنطلق البوتينيّة من أزمات الديمقراطيّة الغربيّة لتتملّق كل المعسكر الرافض لتجارب التحوّل الديمقراطي، ولتصنع من مناهضة "الديمقراطيّة الغربيّة" عقيدة عالميّة مضادّة لفكرة الحقوق المدنيّة والحريّات السياسيّة. يشمل هذا طبعًا الانظمة السلطويّة والمليشيات العربيّة، التي باتت شريكًا مع الأوليغارشيا الروسيّة في التسلّط على الثروات الطبيعيّة في سوريا والسودان وليبيا. ويشمل كذلك الحركات الانقلابيّة الأفريقيّة، التي وجدت في الدعم الروسي ملاذًا مؤيّدًا لحكم العسكريين الانقلابيين، المتملّصين من إعادة العمل بآليّات الحكم الدستوري المدني.
أمام هذا الواقع، ومن بين أنصار "حركة دول الجنوب العالمي"، ثمّة من امتلك ما يكفي من السذاجة للإيمان بالبوتينيّة كشريك لقيام "مخاض عالمي جديد"، يكسر "الأحاديّة القطبيّة والهيمنة الغربيّة"، ويمهّد لقيام عالم "متعدّد الأقطاب". بوتين نفسه، قدّم لهؤلاء مفهومه للعالم "المتعدد الأقطاب" في منتصف الشهر الحالي، حين ذكّر بأن قواته ستبقى في سوريا طالما أنّ وجودها هناك "مفيد لموسكو" ويضمن "مصالح روسيا في تلك المنطقة الحيويّة". ما يتحدّث عنه بوتين هنا ليس طلاسم صعبة الفهم، فهذه المصالح ليست حقول النفط والغاز التي باتت تحت أيدي الحلقة الماليّة المحيطة بالرجل، والتي نسجت مصالحها مع العصابات المحليّة في سوريا، كجزء من سوريا المفكّكة والمقسّمة. وفي هذا النموذج، لم تختلف فاغنر كثيرًا عن نموذج بلاك واتر الأميركيّة في العراق ولم تفاضلها في شيء.
هكذا، تبدو البشريّة في نهاية العام 2023 أمام مشهدٍ قاتم للغاية. بين انسداد أفق النظام المعولم، والأزمات المتنقلة التي ولّدها، والتحديات التي باتت تحيط بفكرة النظام الديمقراطي والحقوق المدنيّة والسياسيّة التي يكفلها. هذا النوع من الأزمات، وبدل أن تفتح باب الحديث عن الإصلاحات التقدميّة التي يمكن أن تطرأ على هذا النموذج، فتحت باب الشعبويات التي صارت تهدد مكاسب حقوقيّة راسخة في الغرب، كما صارت تغذّي سرديات الأنظمة والحركات السلطوية المناهضة للديمقراطيّة نفسها، في بقاع أخرى من العالم. أمّا في منطقتنا العربيّة، فباتت فكرة الدولة الوطنيّة نفسها محل امتحانٍ واختبار، في ظل تفكك بنى هذه الدولة في العديد من المجتمعات العربيّة، وهو ما يطرح أسئلة حول تحديات أخطر وأكبر.
المصدر: المدن