الأرجنتين والشعبويّة.. وأمراض الديمقراطيّة المزمنة
علي نور الدين
الجمعة 1 كانون لأول 2023
لم يأتِ فوز المرشّح الليبرتاري اليميني المتطرّف، أو الرأسمالي الفوضوي، خافيير ميلي، برئاسة الأرجنتين، بعيدًا عن سياق تنامي الظواهر الشعبويّة في الديمقراطيّات الغربيّة. ميلي، الذي يريد معالجة أزمة الأرجنتين الاقتصاديّة بالصدمة، يحمل في جيناته السياسيّة كل معالم الشعبويّة، بنسختها اليمينيّة الفوضويّة، بل وفي أقصى وأكثر أشكال هذه النسخة تطرّفًا. ربما لهذا السبب بالتحديد، لم يكن غريبًا أن يحتفي بفوزه على وسائل التواصل الاجتماعي الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، وأن تعتبر وسائل الإعلام الغربيّة تجربة ميلي نفسه نسخة أرجنتينيّة عن تجربة ترامب. "أنا فخور جدًا بك" يقول ترامب لميلي، ملخّصًا بأربع كلمات مشاعر قادة التيّارات الشعبويّة في سائر دول الغرب.
لم تأتِ الأزمنة الحديثة بالظواهر الشعبويّة، بل يمكن القول أنّ الشعبويّة ولدت مع ولادة الديمقراطيّة، وكانت منذ البداية مرضها المزمن، الذي يعبّر عن اختلالاتها في كلّ مرحلة. إذ يُعثر على أولى طلائع الشعبويّة، أو ربما بذورها الأصليّة، في صفوف الديماغوجيين الذين أسهموا في انتكاسة ديمقراطيّة أثينا، ما دفع أفلاطون في القرن الخامس قبل الميلاد -ولاحقًا تلميذه أرسطو- إلى احتقار حكم "الرعاع" أو "الدهماء". على هذا النحو، ومنذ ذلك الزمن، مرورًا بفاشيّات النصف الأوّل من القرن الماضي، وصولًا إلى الترامبيّة واليمين الشعبوي الأوروبي الحديث، لم تكن الشعبويّة يومًا إيديولوجيا تعبّر عن عقيدة الخاصّة، بقدر ما كانت نسقًا أو أسلوبًا في الممارسة السياسيّة، تعبّر في كل مرحلة عن تحوّلات اجتماعيّة واقتصاديّة محدّدة.
شعبويّة ميلي والعلاج بالصدمة
لا يحتاج الأمر لكثير من التحليل لربط ظاهرة ميلي في الأرجنتين، بنسق الحالات الشعبويّة التي تتقدّم في العديد من الديموقراطيّات الغربيّة. هو تصويت الجمهور للحالة الضديّة، الرفضيّة، المناهضة للنخب و"الإستبلاشمنت"، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من أحزاب تقليديّة ومراكز نفوذ رسميّة، وطبقة التكنوقراط غير المنتخبين، وخصوصًا في المصرف المركزي. هو رفع شعار "الشعب"، كمفهوم واسع وفضفاض، ضد الآخرين، كل الآخرين، في أجهزة الدولة وأذرعها، وصولًا إلى الحلم بتدمير "كل شيء والانطلاق من البداية"، كما يطلب ميلي.
تمامًا كحال ترامب، لم يأت ميلي من مكان بعيد عن النخب الاقتصاديّة، التي تملك بدورها مصالح راسخة وعميقة داخل النظام المالي. دخل ميلي الشأن العام بوصفه استشاريًا لدى كبرى المصارف وغرفة التجارة الدوليّة والمنتدى الاقتصادي الدولي، كما قدّم الخدمات الاستشاريّة للعديد من الشركات الأرجنتينيّة الكبرى ورجال الأعمال، المعروفين بعلاقاتهم الوثيقة مع النظّام، إبّان الحكم الديكتاتوري السابق. يُذكّر ذلك حتمًا بحالة ترامب، الآتي بدوره من نادي رجال الأعمال، المتبجّحين بممارسات التفادي الضريبي، من دون أن يتعارض ذلك مع التصدّي لسوء إدارة "السياسيين التقليديين" في واشنطن، أصل البلاء الأوّل.
من هذه الخلفيّة بالذات، ينطلق ميلي أيضًا ليقدّم نفسه بديلًا ناطقًا بإسم "الشعب" في وجه النخب، موظّفًا الخطاب موجّه ضد "فساد" الدولة العميقة، المتوغّلة في المؤسسات العامّة. هنا، وتمامًا كما جرى في غالبيّة الحالات الشعبويّة، يتخذ شعار مكافحة "الفساد" وظيفة مميّزة، تسمح لصاحبها بالتهرّب من مناقشة بنية النظام الاقتصادي الراهن، ونوعيّة التحوّلات التي يقترحها الشعبويون، بل وحتّى واقعيّة بعض الشعارات المطروحة. فطالما أنّ فساد النخب هو جوهر الأزمة، كل ما يلي ذلك تفصيل. هنا، تصبح الحالة الضديّة هي الجواب البديهي عند الجمهور، بمعزل عن الطرح الذي تحمله هذه الحالة.
معاينة ما هو أبعد من "الضديّة" في خطاب ميلي، لا يبشّر بكثير من الخير، على ما يقول العارفون بطبيعة أزمة الأرجنتين. ثمّة كتلة كبيرة من المزايدات الغارقة في الخفّة والتبسيط، والتي تنطلق أصلًا من طبيعة الخطاب الموجّه ضد فكرة الدولة الاجتماعيّة، أو حتّى ضد الأدوار الحيويّة للدولة نفسها. الحل للتضخّم والأزمة النقديّة مثلاً، هو تصفية السياسة النقديّة نفسها، والذهاب نحو الدولرة الشاملة، أي التعامل بالدولار كعملة وطنيّة.
الدولرة.. ولا حماية اجتماعية
يسأل الاقتصاديون: من أين ستأتي الأرجنتين بالدولارات، التي تحتاجها هذه العمليّة، طالما أنّ أصل المشكلة النقديّة هو استنزاف الاحتياطات؟ لم تحمل حملة ميلي فعلًا الكثير من الأجوبة المقنعة، باستثناء التهييج ضد دور المصرف المركزي وسياساته في سياق الأزمة. في واقع الأمر، لم ينطلق شعار الدولرة من فائدته على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي العام، بل من كونه الحل "الضدّي" للسياسة النقديّة. "أنت أساسًا تقوم بالدولرة للتخلّص من المصرف المركزي"، كما يقول ميلي نفسه، لا أكثر ولا أقل.
وعلى النحو نفسه، يحمل ميلي كتلة من المطالب التي تذهب باتجاه تصفية مكتسبات اجتماعيّة راكمتها الأرجنتين في ما مضى، وخصوصًا على مستوى شبكات الحماية. ومنها على سبيل المثال: إلغاء وزارات الصحّة والتربية والعلوم والعمل، والمبالغة في مطلب خفض الإنفاق العام، إلى مستويات تقل عن تلك التي يطلبها صندوق النقد الدولي. وبشكل بديهي، لا يمكن لبرنامج من هذا النوع أن يُطبّق إلا مع برنامج واسع للخصخصة، إذ أنّ "كلّ ما يمكن أن يكون في أيدي القطاع الخاص، سيصبح كذلك"، يقول ميلي. والخصخصة، يمكن أن تشمل حتّى إنشاء سوق لبيع الأعضاء البشريّة مثلًا، كما بشّرنا ميلي نفسه.
بطبيعة الحال، حذّرت الغالبيّة الساحقة من الأكاديميين الاقتصاديين من برنامج كهذا، في بلدٍ يعيش 40% من سكّانه تحت خط الفقر، بينما يعتمد 51% من السكّان على برامج المعونة أو الدعم الحكومي، الذي يطالب ميلي بالتخلّص منه. ومع ذلك، لم تنفع كل تلك التحذيرات في تقليص شعبيّة ميلي أو الحد منها. فمحاربة الإعلام التقليدي للشعبويين، هي جزء من قوّتهم وأسباب شعبيّتهم، طالما أنّ الحالة تعرّف عن نفسها بالرفضيّة، ومواجهة "الجميع"، بمن فيهم الإعلام والخطاب الاقتصادي المهيمن على الساحة.
التماس المستمرّ بين قيم الديمقراطيّة والليبراليّة
خطاب ميلي، وتمامًا كخطاب اليمين المتطرّف في أماكن أخرى من العالم، يقودنا إلى البحث في المسألة التي تقض مضاجع الليبراليين التقليديين في معظم أنحاء العالم. فبعيدًا عن بعض التوصيفات الإعلاميّة التي تنسب ميلي إلى "الليبراليّة المتطرّفة"، نحن أمام يميني تقليدي محافظ في المسائل الاجتماعيّة: هو مؤيّد لمكافحة المثليّة، ويسعى لمناهضة الإجهاض، ويؤيّد انتشار السلاح في أيدي الجمهور. وبشكل عام، يقف ميلي على مسافة بعيدة عن أولويّات حقوق الإنسان، التي يسعى في العادة لأجلها الليبراليّون في الدول الديمقراطيّة.
هذه الميول، التي تتطابق مع تلك التي يحملها اليمين الشعبوي المتطرّف الصاعد في أوروبا والولايات المتحدة، تفتح باب الحديث عن الشعبويّة بوصفها نقطة تماس دائمة بين الديمقراطيّة والليبراليّة. فالديمقراطيّة، بما تعنيه من مبادئ حكم الشعب لنفسه بنفسه، يمكن أن تفضي إلى حكم غير متصالح مع الأولويّات الليبراليّة، بأبعادها القائمة على الحقوق والحريّات المدنيّة. بل وأكثر من ذلك، يمكن للديمقراطيّة أن تفضي إلى حكم غير متصالح مع المؤسسات والسلطات البيروقراطيّة غير المنتخبة، مثل القضاء، الذي غالبًا ما يُنظر إليه كحامٍ للحد الأدنى من الحقوق والحريّات المدنيّة.
وتمامًا كما أشرنا منذ البداية، لا يُعد هذا التماس، بين الديمقراطيّة والليبراليّة، والذي عبّرت عنه الشعبويّات على مرّ التاريخ، مسألة مستجدة في سياق تطوّر الدول الليبراليّة الديمقراطيّة. بل في واقع الأمر، وبخلاف ما يعتقد كثيرون اليوم، في حقبات نشوء الدول الغربيّة الحديثة، لم تكن الليبراليّة الكلاسيكيّة تشدّد على، أو حتّى تعتقد، بقيم المشاركة الشعبيّة في الحكم، طالما أنّ حكم الأغلبيّة لن يحرص دائمًا على الحقوق المدنيّة الأساسيّة أو الحق في الملكيّة الفرديّة. ورغم تصالح أبعاد ومبادئ الليبراليّة والديمقراطيّة لاحقًا، في إطار الدول الديمقراطيّة الليبراليّة الحديثة، ما زالت نقطة التماس هذه قائمة حتّى الآن، وما زالت طفرات الشعبويّة المعاصرة تعكس نقطة التماس هذه، كما نرى في حالات اليمين المتطرّف الأوروبي أو الأميركي، أو حتّى في أميركا اللاتينيّة اليوم.
بالنسبة للمتابع العربي، اكتسب الحديث عن نقطة التماس هذه أهميّة استثنائيّة في حقبات ما بعد الربيع العربي. فالحديث قيم الديمقراطيّة، وأولويّات بناء الدول الحديثة بكل عناصرها، غالبًا ما واجهه الخطاب المناهض للمشاركة الشعبيّة في الحكم، انطلاقًا من الخشية من مآلات "حكم الشعب لنفسه". وفي أغلب الأحيان، كان هذا الحديث يلمّح صراحة أو مواربة لشعبيّة القوى الإسلاميّة، وكان يصل إلى حد تبرير الانقلابات التي تلت حقبة الربيع العربي، أو تبرير القمع ومواجهة التظاهرات بالقوّة المسلّحة.
فساد النخب وأزمات الاقتصاد ووسائل التواصل الاجتماعي
كما أشرنا سابقًا، تلازمت الشعبويّة مع الديمقراطيّة منذ نشأتها. واليوم، تتنوّع الإشكاليّات المعاصرة، التي تمثّل وقودًا لطفرة الشعبويّات الغربيّة، بمختلف أشكالها. وإذا كان بعض هذه الإشكاليّات يختلف باختلاف الدولة، ثمّة قواسم مشتركة على امتداد الدول الغربيّة.
فوسائل التواصل الاجتماعي مثلًا، سهّلت على الشعبويين استخدامها كأدوات للتعبئة الجماهيريّة، بلغة بسيطة وخطابات قصيرة، بعيدًا عن أي تعقيدات في وصف الإشكاليّات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وبعيدًا عن أدوات الهيمنة التي تملكها الأحزاب ووسائل الإعلام التقليديّة المرتبطة بالنخب. والمحتوى السهل الهضم، والسريع التفشّي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يمثّل وسيلة مميّزة لبناء الخطاب الهجومي، وإن ابتعد عن تشخيص أصل المشاكل الراهنة (وهو ما يحتاج إلى خطاب أعمق وأكثر تعقيدًا).
على المقلب الآخر، يزداد يومًا بعد يومًا تعرّض الجمهور للحقائق والتحليلات التي تغوص في فساد النخب السياسيّة والماليّة، وخصوصًا مع تطوّر أدوات الصحافة الاستقصائيّة. وضعف الثقة بالمؤسسات البيروقراطيّة والنخب، يمثّل حاليًا شرارة مستمرّة قابلة للاشتعال، بمجرّد ظهور الخطاب "الضدّي" الذي تمثّله الشعبويّات على أنواعها. وعلى هذا النحو أيضًا، يصبح الحديث عن "الفساد"، الغارق في العموميّة والتبسيط، المحتوى الأسهل لمواجهة النخب، بدل الغوص في طبيعة النظم الاقتصاديّة التي تحكم الدول.
أخيرًا، تمثّل الأزمات الاقتصاديّة المتكرّرة، التي تعبّر عن ثغرات واضحة في النظام الاقتصادي العالمي الراهن، حافزًا لنشوء الخطاب المعادي للاجئين والعمّال الأجانب بشكل عام، انطلاقًا من التشديد على المصالح المحليّة والمزايدة في التمسّك بها. وهذا تحديدًا ما تحمله الشعبويّات اليمينيّة الحديثة عنواناً أساسياً، في جميع الدول الغربيّة. بهذا الشكل، يصبح الغرق في السياسات المناهضة للعولمة، وتلك المعادية للغرباء، أحد الملاجئ البديلة عن النقاش الأعمق والأهم، المرتبط بطبيعة السياسات الاقتصاديّة الحاكمة ونوعيّة المستفيدين منها.
مجددًا: إنه الخطاب الضدّي، البسيط، وسهل الهضم. إنّه مرض الديمقراطيّة المزمن.
المصدر: المدن