العلمانية
جنديّ الكنيسة والدَّولة

هادي نعمة

الأربعاء 26 نيسان 2023

مقاربة الكاتبة إيلين هارمون وايت، في مؤلَّفِها "جنديُّ الكنيسة والدولة" المنشور في مطلع العام 2023، هي مقاربة رديفة لمفهوم "الإسلام السياسي" -- كما تنعته التحاليل الأكاديمية "المعتدلة" -- ولمدارِكِه المبدئية ونقاشات أساليب تطبيقه، في حيز تدبير الحياة الإنسانية، لا سيما من بابها الإداري السياسي، والانتظامي الطقسي الاجتماعي.  لكن مقاربة وايت موسومة بجزيل فيوض تنظيراتها في مجال الفهم الكوني (الديني) للوجود، من باب المعتقَد المسيحي.
 
إيلين وايت، المفكِّرة الباهرة لكثير من راصدي "النتاج الفكري الإصلاحي" في الولايات المتحدة الأميركية، هي الشخصية التي وسمتها إحدى المنشورات العلمية/الطبيعية (رغم ما تم التعارف على ترسيخه أكاديميًّا من التضاد والتنافر بين توجه الفكر الإيماني/الديني، والفكر التجريبي/العِلمي) بإحدى أكثر شخصيات الولايات المتحدة تأثيرًا في تاريخ "بلاد العم سام"! 
 
وايت التي اشترهت بمبادرات تُعتـبَر عظيمة على الصعيد الإنساني، في إنشاء الكثير من مراكز الرعاية والإرشاد والتطبيب، وإقامتها لكثير من حلقات النقاش والتثقيف الحياتي المبدئي، ونشرها للعديد من المؤلفات التوجيهية العقيدية، والتدبيرية الإدارية؛ تعود -- بعد وفاتها بسنوات -- بكتاب قد نشِر بداية العام 2023 عن مخطوطات سالفة قدمتها هي -- قبل وفاتها -- في مجال إرشاد مسار الاجتماع الإنساني وفق المنظومة القيمية التي ترى هي فيها تقويماً حقيقياً ناجعاً لخللِ تدبيراتِ كثيرٍ من الحكام في كثير من الدوَل، على مدى تاريخ الحضارات الإنسانية. 
 
يلاحظ القارئ أسلوباً صِدامياً تعتمده الكاتبة وايت، في توجهها لحشد الالتزام المبدئي بخط فكرها الإداري المعطوف على توجهها الإيماني. فهي تثير أَمارات التضاد والتعادي الصارمَين، لكونها "بروتستانتية" الهوى، في وجه مسارات الحُكم في الدوَل الكاثوليكية التي ترعاها معنويّاً وسلوكيّاً السلطة البابوية في الفاتيكان. 
 
في كتاب "جندي الكنيسة والدولة"؛ نرى الكاتبة إيلين وايت، المتجذرة "بروتستانتياً"، تسوق الكثير من ملامح "ما ينبغي مسيحياً" بإزاء "ما هو انحراف مسيحياً"، وتنيط الأول بالتوجه البروتستانتي السالف، البارز على مدى قرون، فيما تنيط الثاني بـ"سلطة الأمر الواقع" البابوية في عموم الدوَل الأوروبية الكاثوليكية، حيث سادت -- وفق ما ترى وايت -- أساليب الانحراف السياسي والضعضعة في إمضاء الانتظام الاجتماعي. 
 
وتُمجِّد وايت مختلَف أشكال ما تعتبره "مقاوَمة" أدّاها رموز البروتستانتية في القرن السادس عشر والسابع عشر وأجزاء من القرن الثامن عشر، في أكثر من دولة أوروبية، وكانت "مقاوَمة" في إطار ما يُعرَف بـ"حركة الإصلاح الديني" بغية التخلّصِ من طغوة المسلك البابوي وإرساءِ قواعد إدارة وحُكم على عموم سكان بلدان الإيمان المسيحي، تحكي حقيقة ما تراه وايت من صفاء تعاليم السيد المسيح المقوِّمة لمسارات الحُكم في الماضي وفي الحاضر، والمرجع الصلب والخيّر الذي إليه يعود كل مَن يعتلي سدة منصب تدبيري يخدم به شعب بلده. 
 
وتحتّم وايت أنّ الحروب الضارية التي خاضها "مُصلِحو" القرون السالفة، ضد مفاعيل الولاية البابوية التي لا تتناسب ولا تتفق مع التعاليم الخالصة للسيد المسيح، كان لها أثر بارز في ضعضعة السياق السياسي والاجتماعي والطقسي العقيدي العام، الذي فرضته السلطة الكَنَسية الكاثوليكية وقتها، وعلى مدى عصور. كما ترى الكاتبة أن الثورة الفرنسية، في القرن السادس عشر، كانت نتيجة طبيعية للتعتيم القمعي المستمر الذي مارسته روما ضد النصوص الإنجيلية، والذي ولّد زخماً تراكميّاً حاضراً في نفوس متنوّري المسيحية، قادهم تدريجياً إلى إحلال وقائع الثورة الفرنسية. 
 
وتَعتبِر وايت، الثورة الفرنسية نموذجاً هو الأكثر حضوراً وإبـهاراً للحراك العقيدي المسيحي (البروتستانتي) المنقلب على السلطة البابوية الكاثوليكية التي تعتبرها وايت في انحدار مستمر منذ نشأة سيادتها على المشهد الاجتماعي العام (في الغرب)، سياسياً وعقيدياً. 
 
إلى ذلك، اختصت الكاتبة وايت شخص البروتستانتي الألماني مارتن لوثر الذي رأت فيه نموذجاً فذّاً للمؤمن الذي، بخلاف الكثيرين ممن ادَّعَوا الإيمان، أظهر قيداً سامياً من الشجاعة والثبات والإخلاص، والانقطاع إلى تعاليم الحق، ولم يخشَ إلّا اللّه. وأكبرَت صبرَه إذ عاش فقراً شديداً في طفولته، وظروفاً قاسية وحرماناً، واضطراراً شديداً إلى الانضباط في إطار المسعى الأمضى لضمان العيش الكريم، بفِعلِها راكمَ لنفسه قسطاً عظيماً من الأهلية والاقتدار للقيام بواجب الذود عن مفاهيم السيد المسيح كما أرادها المسيح أن تُـتبنى بين الناس، حتى وقف لوثر في وجه السلطة البابوية، كما تؤكد وايت، في قناعاته الإيمانية التي بها أراد للمجتمع أن يرتقي إلى ما هو خير له حين يقوم أفراده بتأسيس نُظُم تدبير لمعايشهم تكون بمنأى عن طغيانٍ أو سلبٍ لحق، أو إلحاق أذى بالعامّة لنيل مكسب شخصيّ يقود إليه هوى جامح يرتدي إيماناً زائفاً. 
 
وانطلاقا من هذا، رسخت وايت وجوب فهم التعاليم الإلهية على النحو المروم إلهياً، حتى تستقيم الحياة بمبدأ يحتويه العاقل في وجدانه، فيحملَه على أن يصير قائداً بذاته يوجه بقناعاته الإدارية مَن حوله بما يدرأ عنهم الشر ويجلب لهم الخير. فهذه إذَن هي القيم ومناهج السلوك التي تدار بها المجتمعات على النحو الذي يعتق رقاب أفرادها من مهاوي مساوئ تدبيرات حُكامهم. وهذه هي سمات القائد الذي يربط مضيَّه في حياته على الأرض بمبادئِه المنزَلة من السماء. 
 
إذن، فإنَّ إيلين وايت تقدم نموذجاً في كتابها "جندي الكنيسة والدولة" أقرب إلى توبيخ "الآخر" تحت المظلة العقيدية نفسها، وتتمسك، بما قد يُحمَل على عصبية متوتّرة -- وإن صيغَ ببيان هادئ --، بمنحاها العقيدي المعارِض (البروتستانتي) للـ"أمر الواقع" (البابوي) الذي في زمانها كان قد مضى عليه دهر من الترنّح -- بِنَظرها – والخيبة، فيما يتجلّى نموذج مغاير، كذلك قد برز في القرن العشرين، يمثّل الهدوء في المقاربة، واللّاتَصَارُع مع "الآخر" تحت المظلة العقيدية (الإسلامية) نفسها، في إظهار الوجهة والهدف-- هو نموذج التنظير "لما هو الأصوَب"، وممارسة مقتضى مفاهيم هذا الأصوَب، بنجوع، في ما بدا من حراك الثورة الدينية (الإسلامية) لدى منظّريها في إيران في أواخر القرن العشرين. 
 
واتّسمت لجّة مساحة بيان الكاتبة، وايت، في "جندي الكنيسة والدولة"، بالاستشهادات التاريخية والاقتباسات النَّصّيّة (الإنجيلية) التي تدعّم وجهتها في تحقيق وترسيخ مرادِها إظهار السبيل الأنسب، والمسار الأصوَب لإدارة مجمل شؤون البشر في يوميات حياتهم في الدنيا، من باب العمل الجدّيّ في السياسة والإدارة والتدبير، وفق المنظومة الإلهية التي كَرَزَ بها السيد المسيح (لكن ضلّ عنها كثر ممن ادعَوا الولاء لطريقه وطريقته). فذكرت أمجاد أرض الله المباركة (في فلسطين)، وحنّت إلى صفاء منطق السيد المسيح في القدس إذ مشى بين تلامذته (حواريـيـه) وآهلي مساحة أرض المشرق، وتأففت وايت ممن دأبُهم الدائم محادة الله العظيم في أوامره، على مدى مسار البشرية، وحذّرت من أنّ الله يغضب على الناس الذين أرادوا إنهاء لطفه في الأرض (ومن أولئك مَن تعتبرهم قد أساؤوا إلى سمعة ناموس الله وهم يدّعون اتّباع هذا الناموس!). وأعادت وايت التذكير، والزجر عن مِثل ذنب اليهود الكبير، إذ نبذوا ورفضوا رسالة المسيح، وخرّبوا أرض الله وسيعودون، إلى مثل ذلك في المستقبل. واستوحشت وايت من حكام اليهود الذين كانوا يعتقدون بأن تركهم للمسيح ينطلق برسالته، سيجعل كل الناس تنقاد له، وهذا سيجعل الروم يجيئون إلى القدس فيسيطروا عليها ويحكموها دونهم. وتألمت وايت لكون ذلك قد جعل كهّان اليهود مقتنعين بأن هاجسهم تجاه المسيح يُحِلّ لهم قتلَ شخص واحد، هو المسيح، فيكون هيّـنًا عليهم، دون أن يتم قتل كل أهل القدس المعرّضين للخطر على يد الروم!... هذه التقييمات الخاطئة أرادت وايت في كتابها أن تَحُول دون وقوع أصحاب القرار بمثلها، في زمانها، وآثرت بذل كلمات مخطوطتها لتوعية العامّة حيال مَن يسيء تدبير مصالح ومكامن أمن أفراد المجتمع. 
 
هذا النموذج التنظيري من "المسيحية السياسية"، بمعناها الصاخب عقيدياً، الهادئ بياناً، يحمل ملامح قد يجدها كُثر مزيداً من إمعان في ندوب الاحتداد والتعادي تحت مظلة العقيدة الدينية الواحدة. 
 
نعم، هو نموذج جدَليّ، إلى حدّ بعيد، كتاب "جندي الكنيسة والدولة"، للمفكِّرة والمنظِّرة العقيدية الاجتماعية السياسية، إيلين وايت، التي يسلَّم لها وقع تأثيرها العميق في وجدان متتـبّـعي الحركة الفكرية وتجلّياتها العملانية في الولايات المتحدة الأميركية. إنّ وايت، الإيمانية الفلسفية التي شهد لها "الطبيعيون التجريبيون" كونها متألقة المقدرة على اللَّفت والتوجيه، وأدرجوا اسمها ضمن لائحة أكثر مئة شخصية مؤثرة في تاريخ الولايات المتحدة؛ تفرض انقسام أولـي الفحص والوزن إلى فئة تزكّي وايت، وتوجب تسمية الأمور بأسمائها، حتى يُعرَف تمام الخير مِن سواه، ليُعمَل على أساس تحصيل المنفعة من دون مسايرة ألوان المفسَدة، وفئة -- في المقابل -- تلوم وايت، وترى لزام إيجاد صيغة أليَن، وأسلوب أهدأ، في مقاربة رسمِ معالم الحق الذي يحرر كل البشر من مساوئ أفعالهم، وتذليلِ ما ينحو بهم منحى المزيد من إشعال جمرات التباغض والاحتداد اللذَينِ قد يأتيان -- افتراضًا -- بغير ما يرمي إليه (بحُسن نية) كل مَن يسعى مسعى خير بأداة "يجرح" بها سحنة خصمه، ويكسر بها شوكة حضوره، من نفورٍ ملؤُه الامتعاض من استفزازٍ نوى خيرًا ثم أدّى بما قد لا يخدم ذلك الخير!
 
 
المصدر: العرب اللندنية