البرلمان اللبناني: الذاكرة، السلطة، وصراع الديكة
فوزي ذبيان
الجمعة 11 آب 2023
"في صراع الديكة ينصهر الإنسان والديك، الخير والشر، الأنا والهو، القوة الخلّاقة للرجولة المثارة والقوة المدمرة للصراع. تنصهر كلها في مسرحية دموية من الحقد والقسوة والعنف والموت".
ما أن قرأتُ هذا المقطع من كتاب "تأويل الثقافات"، للأنثروبولوجي الأميركي كليفورد غيرتز، حتى انبثق في خاطري مجلس الملل اللبناني المعروف بـ"مجلس النواب" (تناولناه أيضاً في مقال سابق بعنوان "البرلمان اللبناني: القبائل بمواجهة المؤسسات").
يخبرنا هذا الأنثروبولوجي الشهير أن الرجل حين يتماهى مع ديكه الذي في حلبة الصراع فهو لا يتماهى مع ذاته العليا أو مع عناصر القوة التي يختزنها إنما يتماهى أيضاً مع أقصى مخاوفه وذعره وأحقاده الدفينة، وما ينطبق على الفرد في هذا السياق ينطبق بالمثل على القبيلة التي ينتمي إليها الديك.
يحاول المرء جاهداً أن ينأى بمجلس الملل اللبناني عن هذا التوصيف، بيد أن عمل هذا المجلس منذ عقود وعقود لم يخرج بالعمق ولا مرة عن هذا المشهد، مشهد صراع الديكة. إنه المشهد الذي يتأجّج مع كل استحقاق، مع كل تعارض في الرؤى بين ناس الديكة وأكثر ما يتأجّج مع كل تزاحم على القبض على مفاصل البلد ورسم سياساته المستقبلية... والمستقبل دوماً في هذا السياق هو في خبر كان.
فصراع الديكة لا يحفل بالمستقبل من قريب أو من بعيد. ذلك أن جلّ همّه هو تلك اللحظة التي يبدأ فيها الهجوم بخفق الأجنحة ونقر الرؤوس ورفس السيقان في ما يشبه انفجاراً للغضب للحقد ولاسترجاع الذكريات التي تتآلف مع هذا الصراع بغية شد عضد الناظرة من الأتباع والجماهير.
نعم، إن الخبرة المكتسبة بتعاقب السنين علّمتْ ديكة البرلمان اللبناني كيفية استحضار ذاكرة الجماهير عبر السرد الإدائي الهائل للأجنحة والمناقير ونشب الأظافر في بعضها البعض. إن الذاكرة الحافلة في هذا المحل بكل ضروب الصراع، تشكّل في حدّها الأدنى أداة رئيسية لبث الحماسة في أفئدة الجماهير، وهي في حدّها الأقصى بمثابة المستودع الذي يمور برغبة هائلة في امتشاق السلاح. إنها لعبة يجيد ديكة البرلمان اللبناني من زعماء الملل، لعبها بحرفية عالية واتّقان. فمن ثقوب الذاكرة الجماعية، يستمدّ هذا الديك البرلماني أو ذاك قدرته على المناورة والإلتفاف وصولاً لمباغتة خصومه من الديكة الأخرى بالنقر والخربشة والإنقضاض.
إن ماضي الجماعات اللبنانية قد صيّر إلى سجنه من قِبل هؤلاء الديكة المتمرسون، وهو ماض لا يُستحضر إلا عبر كلمات منتقاة بعناية تلبّي حاجة ساحة الصراع... صراع الديكة في البرلمان. فشهوة السلطة تحايث أقصى أعماق زعماء الطوائف، ديكتها. بالتالي، ليس على نصّ الذاكرة إلا أن يتطابق مع هذه الشهوة، مع هذا الصياح الجهنمي لهؤلاء الديكة مع بداية كل نهار.
لسنا إزاء رجال دولة، لسنا إزاء رجال سلطة تشريع، بل نحن في مزرعة الديكة، هذه لا نتجاوز أن نكون رهن صراع هؤلاء الديكة على الدوام.
بالعودة إلى نصّ كليفورد غيرتز عن الديكة، ثمّة من القبائل من يتمثّل الجنة الأرضية عبر انتصار ديك الجماعة أما جهنّم، فهي حالة من خسر ديكه المباراة!!
إنها جنة السلطة، جنة الإستحواذ على كل شيء فإذا بديك القبيلة يقف منتشياً فوق حافة ما من حفاف البرلمان ويطلق عقيرته بالصياح... لقد انتصرت، لقد انتصرت، لقد انتصرت.
غالباً ما تحفل ساحة صراع الديكة بمعارك مضبوطة، معارك سرية، معارك صامتة إلا أن الجو العام هو شيوع صراع الديكة على الدوم.
كفّتْ السلطة، مع هذا الصراع اللانهائي للديكة، عن أن تكون واقعة معنوية يصار عبرها إلى رصد مستقبل البلاد، إنما هي في هذا الأفق الملبّد بالريش المتطاير، لا تتعدى أن تكون ساحة عينية تتكثّف عبرها سحب الماضي كأننا إزاء غبار مفتعل يغلّ النظر إلى المقبل من الأيام.
لا مستقبل مع صراع الديكة، إنما حاضر مرهون لماض يخدم مآرب هذا الصراع.
تنهي الباحثة في الفكر السياسي، ميريام ريفولت دالون، كتابها الرائع "سلطان البدايات/ بحث في السلطة"، بالعبارة التالية: "ما هي السلطة إن لم تكن سلطان البدايات، سلطان أن يعطى من يأتون بعدنا القدرة على أن يبدأوا بدورهم؟ ... أن نبدأ يعني أن نبدأ لنكمل وأن نكمل يعني أيضاً مواصلة البدء".
ربما في الأمر جسارة في غير محلها أن نستعين بنصوص حديثة إبان مقاربتنا مفهوم السلطة لدى التطرّق إلى عالم ديكة الملل في لبنان. فأي مواصلة مع هؤلاء وأي استئناف وأي مستقبل أو أمان!! فنحن هنا إزاء ديك موغل في الأستذة وآخر يترصد المتغيرات بغية التمترس هنا أو هناك... إننا إزاء كاريكاتور ديك ورث "التدييك" عن ديك عجوز فضلاً عن ديك آخر قد لاذ بالفرار وقد نُتف منه الريش بعد تعرضه للنقر في كل مكان، ثم ديكة أخرى تصيح عن عبث وبلا طائل وفوق كل هؤلاء ديك مسلّح لا يكفّ عن النقر ورفع عقيرته بالصياح كلما عنّ له الأمر.
هي جسارة في غير موضعها، أن نرهف السمع إلى صوت المستقبل بحضرة سرب الديكة هذا حيث، وبالعودة إلى "تأويل الثقافات"، "إن حمّام دم الوجاهة" لا يكفّ عن الإستئناف مع كل جلسة برلمان.
يعجب المرء حيال البلادة التي قد استولت على هؤلاء الديكة حتى إزاء ناسهم بالذات، بل ويعجب حيال تلك الرتابة التي قد جعلوها تستوطن ليس فقط يوميات الناس إنما أيضاً دواخل القلوب والأذهان، وأكثر ما يَعْجب المرء لانعدام مخيلة جماهير الديكة التي أضحت لا تميّز بين الخير والشر حيث النظرات تنمّ عن محض الغياب.
بعيداً من سوسيولوجيا صراع الديكة، وبالدنو من عالم الأدب، تحت عنوان "الطغيان" كتب شاعر ممن عانوا صراع الديكة إلى حد كبير يقول: "إن غياب المخيلة أكثر أصالة من حضورها، فالرتابة الطنانة لبرنامج الحزب والظهور الرتيب لقادته، يردف الجماهير بانعكاس هذه الرتابة في شخوصهم... – ويكمل جوزف برودسكي القول - لكي يصبح طاغية من الأفضل للمرء أن يكون بليداً...".
تحت عنوان "ريش ودماء وجماهير وأموال"، يخبرنا غيرتز أن كل شعب من الشعوب يحبّ شكل العنف الخاص به.
ربما صراع الديكة في لبنان، يكتنف رغبة لدى اللبنانيين بهذا النمط من العنف حيث يداخل الدماء المال ويتطاير ريش البلادة فوق رؤوس الجماهير.
المصدر: المدن