العلمانية
8 آب: ذكرى للعنف السّلطوي واللاقانوني

بتول يزبك

الأربعاء 9 آب 2023

في يوم 8 آب 2020، أي بعد تفجير مرفأ بيروت بأربعة أيام، وفي حين كانت السّلطات اللبنانيّة المتواطئة بغالبيتها تستعجل البتّ بأحكام عن التّفجير واصفةً إياه بـ "الحادث"، كان الشعب اللبناني الغاضب والمكلوم في الشارع العموميّ يتظاهر ويُطالب بمحاسبة الجناة والمتواطئين في تفجير العاصمة وتشويهها والشروع بنكبة أبنائها. وخلال التّظاهرات الحاشدة، والتّي اتسمت بدايةً بطابعٍ سلميّ، قرّرت بعض الجهات الأمنيّة استعمال العنف المفرط والفتاك، لقمع هؤلاء المحتجين، عوضًا عن تفهم غضبهم وصدمتهم.وقد سقط نتيجة العنف في هذا اليوم وحده، ما لا يقل عن الـ 700 جريح، تراوحت إصاباتهم بين البسيطة والخطرة حدّ الإعاقة.
االقى يومها الناشطون والجمعيات الحقوقيّة اللّوم على الأجهزة الأمنيّة ومن جملتها قوى الأمن الداخلي، التّي تبرأت من المشهديّة العنيفة، مُلقيةً اللوم والمسؤوليّة في بيانٍ مُشترك مع وزير الداخليّة نُشر لها بُعيد الحادث، على ما يُسمى "شرطة مجلس النواب" وسريّة من الجيش اللبناني. ليعود ويقوم عدد من المحامين والحقوقيين بتقديم شكاوى ضدّ هؤلاء، لصالح الجرحى الذين فُقئت عيونهم بسبب الرصاص الخُلبيّ والمطاطي.  
 
عنف سلطويّ
 
 
لإصابات الـ 700 التّي ذكرناها كانت بمعظمها ناجمة عن إطلاق قوى الأمن لكريات معدنيّة على الحشد الموجود. وقد أطلقت القوات الأمنية أنواعًا مختلفة من الذخيرة، بما في ذلك الذخيرة الحيّة والكريات المعدنية المعروفة بـ "الخردق"، واستخدمت مقذوفات تسبب تأثيرًا حركيًا مثل الرصاص المطاطي، ضد الأفراد الذين كان بينهم موظفون طبيون. كما قامت بإطلاق كميات كبيرة من الغاز المسيل للدموع، بما في ذلك على محطات الإسعاف الأولية. تم توجيه عدة قنابل غاز مسيل للدموع مباشرة نحو المتظاهرين، مما أسفر عن إصابة بعضهم في مناطق مثل الرأس والعنق والعين. فيما لم تقتصر أفعال القوات الأمنية على ذلك، بل امتدت إلى رشق المتظاهرين بالحجارة وضربهم. وشملت هذه الأحداث عناصر من "شرطة مجلس النواب" و"قوى الأمن الداخلي" و"الجيش اللبناني"، بالإضافة إلى أشخاص آخرين غير معرّفين بزي مدنيّ.
 
وقد وثقت منظمة هيومن رايتس واتش "Human Rights Watch" حينها هذه المجزرة الحقوقيّة مطالبةً أن تضع قوى الأمن فورًا حدًا لاستعمال الخردق المُطلق من بنادق وغيره من الذخيرة ذات النطاق الواسع والعشوائية، مشددةً أنّه على النيابة العامة فتح تحقيق مستقلّ في الانتهاكات والإعلان عن النتائج. كذلك، على الجهات الدولية المانحة لقوى الأمن اللبنانية التحقيق فيما إذا كان دعمها يصل إلى وحدات تمارس انتهاكات، وفي هذه الحال، إيقافه فورًا. فيما قال حينها مايكل بيج، نائب مدير قسم الشرق الأوسط للمنظمة "بدلا من مدّ يَد العون إلى أهل بيروت الذين ما زالوا يُخرجون أنفسهم من تحت ركام الانفجار، انقضّت الأجهزة الأمنية اللبنانية على المتظاهرين وسلّطت عليهم كمية من العنف تثير الصدمة. يظهر هذا الاستعمال غير القانوني والمفرط للقوة ضدّ متظاهرين سلميين بأغلبيتهم تجاهل السلطات القاسي لشعبها".
 
يُذكر أن التظاهرة التي نُظمت في 8 أغسطس 2020 كردّة فعل على انفجار 4 آب شهدت تصاعدًا في مستوى العنف تجاه المتظاهرين، إذ لم يسبق أن شهد الشارع اللبناني مثل هذا النوع من العنف منذ الاحتجاجات في 17 تشرين، سيما فيما يتعلق بعدد الإصابات التي وصلت إلى مستويات قياسيّة ذلك اليوم. والتي أكدّت عضوة لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين، المحامية غيدة فرنجيّه، أن عدد المصابين في تلك التظاهرة تجاوز أعداد مصابي التظاهرة الأخرى التي جرت في 18 كانون الثاني (يناير) والتي تُعَتَبَر واحدة من أكثر التظاهرات عنفًا.
 
المسار القضائي
 
 
التظاهرة التّي شابها إفراط في استخدام العنف من قبل القوى الأمنية أدت إلى إصابة أكثر من 700 متظاهر بالرصاص الحيّ والمطاطي والخردق، ونقل حوالي 200 منهم إلى المستشفيات. تلقف حينها وزير الصحّة العامة في حكومة تصريف الأعمال هذا الواقع ليقوم بتوجيه حمل الرقم 119 مستندًا للمادة 400 من قانون العقوبات، التي تعاقب "من قام حال مزاولته إحدى المهن الصحية بإسعاف شخص يبدو أنه وقعت عليه جناية أو جنحة تجوز ملاحقتها دون شكوى ولم ينبئ السّلطة بها"، بغرامة تصل إلى مئتي ألف ليرة. والذي كان يتعلق بالموجبات البلاغية الإضافية بخصوص فئتين من المصابين. الأولى تشمل المصابين أثناء تنفيذ أعمال الشغب، حيث يتم استخدام مصطلح "مثيري الشغب" وفقاً لتعريف القانون الجنائي لتصفية المسؤولين عن أعمال الشغب في بعض الحالات. أما الثانية، فتشمل المصابين من جنسيات أخرى بغض النظر عن سبب إصابتهم. متواطئًا مع القوى الأمنيّة الــتّي جرحت المتظاهرين وعنفتهم.
 
على صعيد آخر، وبعد التظاهرة وما أفرزت من حالة غضب حقوقي، قام عدد من المحامين ومن جملتهم غيدة فرنجية، محامية من المفكرة القانونية ولجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين، والمحامية والخبيرة في القانون الدوليّ ديالا شحادة والمحامي فاروق المغربي وآخرون، برفع شكاوى عن مصابين في هذه التظاهرة فيما لم يتم استدعاء أي من العناصر أو المسؤولين في الشرطة لغاية الآن في أيّ منها، علماً أن المحامين طالبوا باستدعاء قائد الشرطة عدنان الشيخ علي حينها. فيما تُشير فرنجية إلى "المدن" أنه "وبعد تقدم مجموعة من المصابين خلال تظاهرة ٨ آب بشكاوى أمام النيابة العامة التمييزية التي احالتها جميعها الى مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية (القاضي فادي عقيقي)، استمع القاضي عقيقي الى افادة المدعيين بواسطة فصيلة وسط بيروت، ولكن لم يتخذ اي اجراء منذ ذلك الحين ولم يدع على أحد لغاية اليوم. وهو ما يظهر منه انحيازاً لصالح شرطة مجلس النوّاب بهدف حمايتها من أي محاسبة رغم أنها المشتبه فيه الأساسي في استخدام قنابل الخردق خلال هذه التظاهرة".
 
فيما يبدو أن مصير الشكاوى هذه، كما باقي الشكاوى المُتعلقة بالعنف السّلطوي، سيبقى بين أدراج النيابات العامة المُرتهنة بغالبيتها للمصالح السّياسيّة، كما أيضًا هو ملف التفجير الذي لا يزال مُعرقلاً قضائيًا، وبالتّالي ستظل العدالة لضحايا التفجير وما بعده، مؤجلة.
 
شرطة المجلس
 
تجدر الإشارة إلى أن جهاز حرس المجلس قد تأسس أثناء فترة رئاسة الرئيس صبري حماده لمجلس النواب. لكن عندما تولى الرئيس نبيه بري المنصب، قام بإدخال تعديلات متعددة على مهام هذا الجهاز. ومع تبني البرلمان للنظام الداخلي في أكتوبر 1994، تم تحديد مسؤولية حفظ الأمن والنظام داخل المجلس بشكل حصريّ لرئيسه وفقًا للمادة 5. كما تمّ منع تدخل أي جهاز آخر غير حرس المجلس داخل مبنى البرلمان وفقًا للمادة 50، باستثناء عندما يتم طلب ذلك من قِبَل رئيس المجلس. هذه المواد تمنح حرس المجلس سلطات غير متاحة لقوى الأمن الداخلي، وتخول لبري فقط الحق في إصدار توجيهات لهم، إذ أن المحكمة العسكرية لا تملك أي اختصاص فيما يتعلق بهذا الجهاز الذي يُجمع المشرّعون وأصحاب القانون على لا شرعيته كجهاز أمنيّ قائم بحدّ ذاته،ويتلقى أوامره من شخصية واحدة.
 
 
المصدر: المدن