محمد خضير... ريشي سوناك والغرباء والأقلية النقية
محمد خضير
الإثنين 31 تشرين الأول 2022
انتخبَ المحافِظون البريطانيّون الشخصَ ذا الأصل الهندي ريشي سوناك رئيساً لحزبهم، ومرشّحاً لرئاسة وزراء بريطانيا العظمى، بدلاً من المستقيلة عن المنصب تراس.
ليس المحافظون كلّهم مع الترشيح، فما زالت ديومقراطية الغرب مَشوبة بحساسية عنصرية إزاء الغرباء. إلا أنّ العِرق الذي ستجري فيه دماءُ الأنكليز الأقحاح، مدة من الزمن الآتي، ليس دسّاساً؛ فقد صهَرت التربيةُ الثقافية هذا الوافدَ، وخلّصته من عقدة "التابع" ونظرةِ الاستغراب الاستعمارية وثقافتها الأيديولوجية.
لكن ما يهمّنا_ نحن الغرباء في وطننا_ من ظاهرة تنقية الضمير السياسي من تراث الاستعباد العِرقية، هو قابلية الهنود الانكليز للتجاوب الحقيقي مع هذا الحدث الفريد. لا أعتقد أن رأي سلمان رشدي سيتأخر بشأن هذا الانعطاف المهم في سياسة المحافظين؛ كيف سيتعامل الكاتب الإشكالي بحسّاسيته الأدبية (التي كتبت: العار) مع الواقع الغريب/ المستغرَِب هذا؟ ما حجم المطابقة بين كائنين ثقافيين متحوّلين عِرقياً وأبستمولوجياً ريشي ورشدي، بل لدى مثقفين كثيرين من أصحاب الهوية الهجينة، في مجتمع نقيّ؟
ليس رشدي وحده من سيهتمّ بهذه الظاهرة التغريبية؛ إنّ كتّاباً وفلاسفة آسيويين وأفارقة، في مجتمعات أوربية وأميركية، سيحلّلون سياسة التحوّل هذه، كما حلّلوا_ على نحو نظري_ ظواهر التحوّل في كتابة الرواية الكولنيالية وأنثربولوجيا الهوية (ليت إدوارد سعيد حيّ فيراجع تمثيلاتِه للديمقراطية الغربية ودراساتِه حول الاستغراب الحديث في حكم الامبراطوريات_ ثقافاتها_ الكبرى_ ذات التاريخ الاستشراقي الكبير، على مثالٍ ملموس كانتخاب ريشي لحكم إنكلترا). أعتقد أنّ صدمة ثقافية عميقة ستنتاب التفكيرَ الاستلحاقي لدى منظّري الثقافات الثانوية التابعة. فقد أصبح ممكناً أن تتزعزع تراتبيات أساسية في تعيين المواقف والآراء حول الهيمنة العِرقية للجنس الأفضل، في عقر دار السادة المستعمرين أنفسهم.
ثم_ وقد حان الدور علينا هنا في العراق_ بأيّ مقياس سيدخل هذا التحوّل الديموقراطي أسوارَ السياسة ودهاليزها المغلَقة على عددٍ فئويّ قليل، وشديد الحسّاسية لحالة النقاء/ الاستغلاق الفكري والعِرقي التجنيسيّ (من الجنسية التابعة لعِرق أو مذهب أو جغرافيا). أقصد ما موقف المثقفّين "الاتباعيين"_ أو بقاياهم، ممن استقاموا على سياسة اللا تحول_ الديموقراطي في نظام الحكم منذ 2003؟
ومن ناحية مقابلة، كبيرة الأهمية، هل سيفتح موضوع ريشي سوناك نافذةً في جدار الاستصغار والإلحاق الأيديولوجي لفئة قليلة من العراقيين (الحقيقة هم أصحاب النسبة الأكبر المهمَلة في الانتخابات) المصنَّفين قسراً في حكم الفئة القليلة، النقيّة من الشبهات (على سبيل التضادّ الاستعاري)؟
اسألُ في شأنٍ قد لا يخصّ "الأصلاءَ استعارياً" بقدر اختصاصه بالغرباء حقيقياً: بأيّ وجه/ وجهةٍ سيؤثر المثقفون "الغرباء" في تغيير رأي الأقلّية النقيّة/ الكثيرة إستعارياً، وإعادة تصنيف أسهمهم_ هم الغرباء_ وإعادة الاعتبار لنسبتهم الانتخابية على أقل المستويات، ومنها المستوى الأيديولوجي والتجنيسي؟
الأمر مقلوب طبعاً، في بلاد التابعين الأقدمين. فالفئة القليلة المستعبَدة أقوى اهتماماً بواقعة الأسياد الذين تحرّروا من طبيعتهم العِرقية والثقافية؛ بينما الفئة الكبرى، الممسِكة بالحقّ التاريخي والاجتماعي والديني، تتفرّج على شأن يتعلّق بصيرورة الحكم في مجتمعات غريبة. إنّها_ أي الجهة الإستعارية_ تحوّل "الغرابةَ" إلى غير موقعها الحقيقي، كما لو تطرد وباءً حلّ بأرضها.
إن ما يُعدّ حادثاً فردياً عابراً، كالتحوّل العِرقي، في مجتمع ديموقراطي، سيثير إمكانيةَ إنشاء قاعدةٍ لتحليل الموقع الحاكم/المهيمِن في مجتمع أوتوقراطيّ. وبقدر ما يخصّ موضوعُ التحوّل العِرقي فئاتٍ غريبةً تعيش على هامش التحوّلات العالمية، ليس في العراق فقط، بل في مجتمعات المُلحقية الإستعمارية القديمة، فإنّ انخراط كتّابٍ ومثقفين أدمنوا الاستعباد، في تحليل التحوّلات العِرقية الجديدة، هو ما نتوقّعه في حاضرنا العربي_ الآسيوي المتدهور.
(*) مدونة نشرها القاص العراقي محمد خضير في صفحته الفايسبوكية.
المصدر: المدن