حديثٌ في السياسة والانتخابات والدين
مازن نور الدين
السبت 11 حزيران 2022
انتهت الانتخابات النيابية اللبنانية وبدأت القوى السياسية إحصاء أصوات الناخبين الذين كانوا مسرحاً لكل أنواع الإقناع والإغراء والكذب والتضليل. لقد تداعت القوى السياسية لاستثمار جهودها في أي طريق يخدم سرديتها المزعومة في رسم الحقائق المقولبة والمؤطّرة غالباً بحدود ترسيخ الزعامات التقليدية وصون مصالحها وتنفيذ أجندات لا تخلو من لوثة التدخل الخارجي الذي أعاد ترتيب الأولويات بحرف نظر الناخب عن همومه المعيشية الصعبة التي يرزح الجميع في عرض الطوائف تحت وطأتها، إلى سلاح المقاومة الأفعل في شدّ عصب المتخاصمين بين مؤيد ومعارض.
هذا الانقسام – على حقيقته – أرخى بظلاله على الناخبين الذين غفلوا عن واقع إعادة تجديدهم لحزب المصرف العابر للطوائف وللانقسامات السياسية بأبعادها الإقليمية والدولية.
لا يختلف اثنان من خصم أو صديق على أن بيئة المقاومة الشعبية لم يشبها ما شاب البيئات الأخرى بعد أحداث 17 تشرين 2019 من تراجع في التأييد وتذبذب في المواقف، إنما كان التمسك بخيار المقاومة لا لبس فيه في وجدان من كان رأس حربة محاربة العدو الإسرائيلي، مع إضافة هذه المرة، أن أبعاداً أخرى بدأت تأخذ حيّزاً في المدى الأوسع لعلاقة المقاومة مع بيئتها تتجلى في نقاط ثلاث:
1- دور المقاومة الإنمائي داخل القرى والبلدات عبر مؤسساتها التعليمية والصحية والإنمائية.
2- عدم انغماس المقاومة في لعبة تقاسم المصالح داخل إدارات الدولة اللبنانية.
3- دور المقاومة في ممارسة دور إصلاحي من خلال وجودها في السلطة والعمل على تطبيقه فعلاً لا قولاً عبر كسرها قواعد اللعبة التي كانت تركن إليها في السنوات الماضية.
الكلام كل الكلام يدور حول النقطة الثالثة باعتبار أن النقطتين الأوليين لصالح لمقاومة لا عليها.
على هضبة هذه المعركة يقف مؤيدو المقاومة في حيرة من أمرهم، تتزاحم في أذهانهم الأولويات – بل قل الواجبات – بين صَون المقاومة وبين الخروج من براثن الفقر والذل. المفاضلة هذه قسمت جمهور المقاومة فسطاطين (غير متساويين حجماً بالضرورة) بين من يقدّم حماية المقاومة بوجه المؤامرات على محاربة الفساد وبين من يعكس هذه الأولوية في قراءة له تقول إنَّ نتيجة الانتخابات النيابية أياً كانت نتيجتها لن تغيّر ميزان القوى.
فما هو ميزان قياس الأولويات؟ وهل للدين مدخلية في الإجابة؟
غنيٌّ عن القول إن أي خطاب سياسي يتطلب تضمينه مفردات تحاكي الواقع الثقافي والاجتماعي للمخاطَبين، وتَمايُز الخطاب السياسي من حيث المنهج بين المجموعات السياسية المختلفة إنما يكون بهذا اللحاظ. ولمّا كانت بيئة المقاومة في أغلبيتها للدين حضور في وعيها وتاريخها، كان ترياق الحيرة في ترتيب الأولويات يستلزم دخول عدة الدين في تشكيل ميزان اتخاذ القرار، فدخل على هذا الخط نخب يمثلون هذا الخط السياسي، عبر تشبيه المترددين بالانتخاب بالخوارج (بشكل غير مباشر) مرةً على قاعدة أنهم يخذلون سيد المقاومة كما خذل أولئك عليّاً في معركة صفين، وثانية عبر التذكير أنَّ علياً دافع عن الخليفة الثالث عثمان بن عفان محاولاً دفع الموت عنه بعد سخط الناس عليه، وثالثة عبر تحريم الانتخاب بورقة بيضاء (إذا كان التصويت بورقة بيضاء حراماً، فما حكم من امتنع عن التصويت!). وفاتهم في خضم الإسقاطات التاريخية التي أجروها أنَّ التاريخ مليء بمحطات تحمل مضموناً معاكساً حيث سيرة أهل البيت فيها ثورة وصلح وولاية عهد وتقية، لا تصح جميعها في ظرفٍ واحد.
على أن الإشكال الانتخابي بما هو استحقاق حياتي مرتبط بتنصيب حاكم، هو شأن دنيوي تتعامل فيه مع بيئتك الحاضنة المتنوعة أيديولوجياً حتى في الإطار الشيعي الضيق، فلا كل محبي المقاومة من المسلمين ولا كل المسلمين من الشيعة ولا كل الشيعة يؤمنون بولاية الفقيه. إن على من يتصدّى لتمثيل المقاومة في حوارها مع الناس أن يتسع صدره من دون دغمائية، فالأخطار المحدقة لا آخر لها والتذرع بها يحيله عاجزاً عن المبادرة وقابلاً للمنكَر.
ثم إن استخدام الدين يضفي على من تدافع عن موقفه ستاراً من القداسة وضرباً من الغيب، يحيل أفهام المخالفين إلى دائرة القصور، فلا نقد بعدها ينفع ولا نقاش يثمر. لقد أحالوا مقاربة الخيار الانتخابي من منهج الاستقراء الجزئي من أسفل إلى أعلى حيث تدلك الوقائع على خيارك، إلى منهج الإسقاط العقلي حيث القواعد أُرسيت والقراءة أُنجزت بدليل خارجي وما علينا سوى استخدام الوقائع (لا تفسيرها، المنهج هذا يعدم التفسير) على ضوء القواعد القبلية.
لقد خالفوا بموقفهم هذا فلسفة خاتمية النبوة. يقول الفيلسوف الإسلامي الهندي محمد إقبال اللاهوري إنَّ «البشرية بعد الإسلام انتقلت من مرحلة غلبة الغرائز على الإنسان وهي المرحلة التي اقتضت بعثة الأنبياء في العصور السالفة إلى مرحلة سيادة العقل الاستقرائي وقيادة البشرية في خط الرشد، لقد وصلت البشرية إلى مرحلة لا تحتاج فيها إلى نبي ولا هي قادرة على خلق نبي». وها نحن نخلق أنبياءنا من جديد!
أقول قولي هذا ولا أدّعي فيه إصابة الحق والحقيقة. إنما هو إعلان رفض لتعليب العقول وتوجيه الأفكار وقولبة الأذهان.
المصدر: الأخبار