الوهم الكبير للعقلانية
فادي سعد
الجمعة 28 كانون الثاني 2022
أرستْ الفلسفة المشرقية اليونانية القديمة، مملكة العقل، كأفضل وسيلة للوصول إلى السعادة والعدل. يعلن سقراط أن أفضل حال هو أن يخضع الجميع لأحكام العقل. "الإنسان الأسعد هو من يحكمه العقل"، نقرأ في جمهورية أفلاطون. أفلاطون يعتقد أن العقل هو أسمى وسائل المعرفة. عصر العقل الديكارتي وعصر التنوير العقلاني كانا استرجاعاً وامتداداً لتسيّد العقل إلى درجة عبادته. في عصر العقلانية، الفرضية كانت، وما تزال إلى حدّ كبير الفرضية السائدة حتى الآن، بأن أقصر الطرق لمعرفة الحقيقة هو طريق العقل. ذلك الإرث الفلسفي العقلاني بات أحد أساسات الحضارة الحديثة. أصبحت هوية الإنسان البشري، كأرفع ما أنتجتْه نظرية التطور منذ بدء الحياة على الأرض، مرتبطة بشكل وثيق بعقلانيته. الإنسان الحديث هو عقله، والعقل هو الذي منح الإنسان صولجان المـُلك على الأرض دوناً عن جميع الكائنات الحية الأخرى. حتى الفلسفة التجريبية التي تموقعتْ في موقف ندّي مُضاد للفلسفة العقلانية، لم تنقض العقلانية كوسيط لفهم العالم وتفسيره.
واجه تتويج العقلانية الغربية معارضة فلسفية. كان دافيد هيوم، الفيلسوف والمؤرخ الاسكتلندي (1711-1776) من أهم المعارضين. أعلن هيوم في نظريته عن الطبيعة الإنسانية والسلوك الأخلاقي بأن "العقل لا يمكن أن يكون سوى عبدٍ للعواطف والأهواء". رغم ذلك، ظلّت العقلانية متبوّئة صدارة إنجازات الحداثة من دون منازع، كأنها الطريق الذي لا بدّ أن يسير فيه التطوّر الإنساني الطبيعي. لكن على خطى هيوم، بدأت العقلانية في العقود الأخيرة تتلقّى ضربات لا يمكن تجاهل دقّتها وصوابيتها. أقسى الضربات كانت تلك التي وجّهها علماء البيولوجيا العصبية منذ بداية التسعينات. مستعيناً بتقنيات متطوّرة كأجهزة الرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، أصبح علم البيولوجيا العصبية قادراً على رصد وقياس نشاط الدماغ البشري أثناء عملية التفكير والقرار. نتائج دراسات هذا العلم الصاعد أثبتت أن التخلّص أو التقليل من مساهمة المراكز العاطفية للدماغ لا تؤدي بالضرورة إلى زيادة منسوب التفكير المنطقي. بالعكس، يمكن أن تؤدي العقلانية المفرطة المجرّدة من العاطفة إلى تحويل الإنسان إلى كائن عاجز عن التفكير السليم، وفي أقصى الأحوال، إلى كائن سيكوباثي مضطرب عقلياً.
من تلك الدراسات البيولوجية العصبية، ينطلق عالم النفس الاجتماعي الأميركي، جوناثان هايدت، الأستاذ في كلية "ستيرن" في جامعة "نيويورك" (والذي صُنِّف ضمن علماء النفس المعاصرين الأكثر تأثيراً عالمياً)، في دراسات سريرية وبحوث علمية أكاديمية، أوصلتْه نتائجها إلى استنتاج هيومي (نسبة إلى دافيد هيوم)، بأن الإيمان بالعقلانية وهمٌ كبير يعيشه مَن يعتقدون بأن العقل هو الذي يقود السلوك الإنساني. يطرح هايدت في كتابه "العقل الصائب"، وفي مقالاته الأكاديمية ومحاضراته فرضيّته (المـدّعمة بتجارب سريرية بشرية وإحصاءات علمية) بأن العقلانية في الحقيقة تابعة (وليست سائدة) للعاطفة والحدس. هايدت يرفض حتى الفرضية التي تضع العقل والعاطفة ندّين متساويين في درجة التأثير (كما يفعل مواطنه عالم النفس والأعصاب جوشوا د. غرين). لا، هايدت واثق من خلاصات دراساته النفسية والعصبية في ما يخصّ العلاقة بين العواطف والعقل، بين الحدس والتفكير المنطقي، بأن أحكامنا الأخلاقية والدوافع التي تقف خلف قراراتنا وسلوكنا لا تعتمد على التفكير المنطقي في أغلب الأحيان، بل على دوافع عاطفية عميقة، وعلى ما تمليه علينا حدوسنا (جمع حدْس). نشر هايدت نتائج بحوثه في مجلات علمية عديدة في التسعينات وما بعدها. خلاصات هايدت أكّدتها دراسات نفسية كثيرة لاحقة (ميرسييه وسبيربر -2011)؛ التفكير المنطقي لدينا مُوظَّف لتثبيت وتبرير ميولنا العاطفية والحدسية. حدسنا، مشاعرنا، تجذبنا أولاً باتجاه معيّن، ثم نفكّر (نمنطق) لتبرير قراراتنا (العاطفية)، ونوظّف عقلنا لإيجاد الأدلة المنطقية التي تدعّم اختياراتنا العاطفية الحدسية. التفكير المنطقي لا يُوظَّف هنا لاتخاذ القرار الأصح؛ إنّما هو مجرّد أداة جدلية لإقناع الذات والآخر بعقلانية مُصطَنعة. أكثر ما يمثّل فرضية هايدت مجازياً مقالته الشهيرة "الكلب العاطفي وذيله العقلاني".
ربّما من المفيد هنا المرور سريعاً على محاولة فهم طريقة عمل وتشكّل الدماغ البشري من الناحية التطورية الدارونية. أشهر النماذج التطورية لعمل الدماغ هو نموذج "الدماغ الثلاثي" للطبيب وعالم الأعصاب الأميركي بول ماكلين. أقدم أقسام الدماغ تطوريّاً هو ما يُسمّى بـ"دماغ الزواحف" أو "الدماغ القاعدي". ذلك الجزء من الدماغ الذي يُسيطر على الوظائف الحيوية والحركات الانعكاسية: التنفس، ضربات القلب، حرارة الجسم. هذا القسم غير إرادي، لا نتحكّم به. عندما نسحب يدنا بعيداً من النار، لا نفكّر في الموضوع. الدماغ القاعدي يقوم بذلك بلا استشارتنا. الدماغ القاعدي كان أول التشكّلات العصبية في الكائنات العضوية الحية، ولعب دوراً (وما زال) في حماية الحياة واستمراريتها. مع استمرار تطوّر الحياة العضوية، ظهر لدى الثدييات الأولى (أو تطوّرَ) قسم دماغي ثانٍ فوق "الدماغ القاعدي"، ما يُسمّى الآن بـ"الدماغ الحافي- Limbic Brain"). هذا هو القسم الانفعالي من الدماغ، فيه بنى عصبية كالجسم اللوزي والحصين والهيبوثالاموس، مسؤولة عن توليد العواطف من حبّ وكراهية وقلق وعدوانية وقرف وخوف. أخيراً، ظهر أعقد قسم من الدماغ وأكثره تطوّراً، حين نشأت القشرة المخية الحديثة (Neocortex)، التي تسارع تطوّرها بعد انقراض الديناصورات منذ 65 مليون سنة، حتى وصلنا إلى الإنسان العاقل بقدرته غير المسبوقة في تاريخ الحياة على التفكير والاستنتاج والتخيّل. أصبح بإمكاننا الاختراع والكلام والكتابة وغزو الفضاء بفضل قشرتنا المخيّة المتطوّرة.
القشرة المُخيّة هي مركز العقلانية التي نتحدّث عنها. فيها تتم المحاكمة المنطقية التي تُصدر الإشارات العصبية إلى الأقسام الأخرى كي تُعدّل وتشذّب الأهواء والعواطف. وقد يبدو من المسار التطوّري السابق بأن القشرة العقلانية هي السيّد الأخير الذي يسوس الحياة البشرية. لكن الأمر ليس بهذه البساطة. هناك ارتباطات عصبية قوية جداً بين الدماغ العقلاني والدماغ العاطفي. ومن الناحية البيولوجية، للدماغ الحافي العاطفي قدرة كبيرة على التأثير على الدماغ العقلاني وتعديل نشاطه. التأثير متبادل طبعاً، لكن دراسات الرنين المغناطيس الوظيفي تُرينا أن اتجاه التأثير من الدماغ العقلاني صوب الدماغ العاطفي أضعف من الاتجاه المعاكس. لا بل (كما أثبت هايدت نفسه) إن المسارات العصبية التي تأخذها محاكماتنا الأخلاقية مثلاً، تستعين بمسارات عصبية عاطفية أقدم منها تطورياً كما يحدث في شعور القرف. القرف الأخلاقي الذي نشعر به تجاه قضية ما، يستخدم المسار العصبي نفسه الذي يولدّه شعورنا بالقرف من رائحة فاسدة أو مشهد مقزّر. هذا التداخل في المسارات يفسّر لماذا لا نستطيع أن نحكم إيجابياً على شخص يثير فينا القرف لسبب ما، مهما كان المنطق يشير إلى أن هذا الشخص جيد أخلاقياً.
السؤال الذي لا بد أن يطرح نفسه هنا، هل يعني هذا التأثير الكبير الذي ما زال للمراكز العصبية العاطفية في مسار حياتنا، أننا يجب أن نزيد من جهدنا كي تتسيّد العقلانية وتصبح فعلاً هي السيد المطلق؟ لا يدّعي هذا المقال أنه يمتلك الجواب. لكن هناك نقاط لا بد من ذكرها. دماغنا العاطفي كان له دور كبير في مسار تطوّرنا الدارويني في إيصال الحياة إلى ما هي عليه اليوم. من دونه، لانقرض أسلاف الإنسان العاقل منذ ملايين السنين. كّنا نحتاج إلى الخوف كي نتجنّب المخاطر، العدوانية كي نستطيع الدفاع عن النفس، القلق كي نبقى على استعداد دائم لمواجهة من يتربّص بنا، العاطفة الجنسية كي نستطيع التكاثر. عقلنة كل هذه العواطف وتدجينها قد يكون في النهاية قطع لطريق الحياة الذي أوصلنا إلى هنا. الأمر الآخر أن عقلانيتنا مجرّدة من الحامل العاطفي لها تصبح عقلانية مريضة مخيفة ويمكن أن تكون مؤذية أو مجرمة. جذور سلوك الكثير من المجرمين والسايكوباثيين، هو تبلّد في استجاباتهم العاطفية. ماذا لو وجد أحدّهم في يوم من الأيام، أنه من العقلانية الشديدة القضاء على نصف الجنس البشري كي يستطيع النصف الآخر الاستمرار في الحياة فوق أرض مكتظّة بالبشر؟
كل ما سبق قوله ليس بياناً ضد العقلانية، بل محاولة للنظر إليها من زاوية أخرى، ووضعها في سياق بيولوجي تطوري اجتماعي مختلف. وغنيّ عن القول، أن ما لم يُقال هنا، لأنه يبدو لنا بديهياً جداً، أن العواطف من دون عقلانية تجرّد الكائن البشري من إنسانيّته التي تضعه في مصاف عبقري وحيد متفرّد عن بقية جميع الكائنات الحية.
في النهاية، فرضية هايدت عن أسبقية العاطفة والحدس، قد تساعدنا على فهم أعمق وأوسع لبعضنا الآخر. فالبنى العاطفية العميقة التي تحرّكنا وتتغلّب في كثير من الأحيان على عقلانيتنا الحديثة هي بنى قديمة جداً، عمرها مئات الملايين من السنين. هي بنى أنقذتنا في حقبات كثيرة من حياتنا على هذه الأرض ولا يمكن مجابهتها دائماً بحجج "منطقية". هكذا نفهم كيف أن مخاوف البعض أو معتقداتهم أو قناعاتهم، مهما بدت غير منطقية أو حتى غير أخلاقية، لا يمكن في أغلب الأحيان مجابهتها أو تغييرها بنقاشات "عقلانية". أحياناً، لا يمكن تغيير حدس الآخرين سوى بحدس مضاد، وهذا ما يفهمه العديد من السياسيين.
النفسيّة البشرية أعقد وأعمق بكثير من مجرّد قشرة دماغية.
المصدر: المدن