حين يغير الصقر على جيز الحصائد: غباء المُؤَسّسة الدينيّة؟
أسعد قطان
الإثنين 24 كانون الثاني 2022
كما قبل انتفاضة 17 تشرين، كذلك بعدها. ما زالت المُؤسّسة الدينيّة تتصرّف وكأنّ شيئاً لم يتغيّر في البلد، في عقول الناس، ولا سيّما في كيفيّة تعاملهم مع ظاهرة الدين الممأسس في مرجعيّات «روحيّة» ومكاتب إعلاميّة ومنصّات للوعظ ودور شرعيّة لإطلاق الفتاوى.
بالأمس، في زمن «مشروع ليلى»، جيّشت المكاتب الإعلاميّة التابعة للكنيسة علاقاتها مع السلطة السياسيّة كي تمنع حفنة «مغنّاوتيّة» من الظهور في مهرجان ثقافيّ، بحجّة أنّ الأغاني تسيء إلى السرديّة الدينيّة وتحرّض على التفلّت الأخلاقيّ. واليوم، تصبّ دار شرعيّة إسلاميّة جام غضبها على رجل يدّعي النبوّة اسمه نشأت منذر متقدّمةً بإخبار ضدّه لدى النيابة العامّة التمييزيّة، وذلك بحجّة إثارة النعرات المذهبيّة وتحقير الشعائر الدينيّة. قد يقول قائل مستنجداً بالمنطوق العاميّ اللبنانيّ: «الناس بالناس والقطّة بالنفاس». وقد يقرّر المرء أن يكون أكثر عمقاً، فيستدعي كلام يسوع الذي من الناصرة حين فضح الناطقين الرسميّين باسم الدين في عصره، واتّهمهم بأنّهم يعشّرون البعوضة ويبلعون الجمل. فقضى مصلوباً متحوّلاً إلى ضحيّة لصيغة الحكم «التوافقيّة» بين الوالي الرومانيّ والأوليغارشيّة اليهوديّة. والجَمَل في القضيّة، طبعاً، هو كلّ الجرائم والموبقات التي ما زالت تُرتكب على مرأًى من الشمس والقمر والكواكب السيّارة، والتي تتنافس معظم «المرجعيّات» الدينيّة في الإلقاء باللائمة على أصحابها من وراء المنابر، فيما هي تصافحهم وتفرش دروبهم بالورود وتقتسم معهم الغنائم ما إن تترجّل من على المنبر.
بربّكم، ماذا يجعل مؤسّسةً دينيّةً ذات امتدادات وثنيّات وتضاعيف تصل أحياناً إلى حدّ التورّم تجيّش كلّ طاقاتها كي تُخرس مغنّياً أو شاعراً أو «نبيّاً» من أنبياء ما بعد الحداثة، الذين غصّت العقود الأخيرة بترّهاتهم؟ لماذا قرّر الفيل أن يبارز النملة؟ ولماذا يغير الصقر على جيز الحصائد؟
الجواب له مفتاح واحد: متلازمة السلطة واحتمالات الحرّيّة. فالسلطة هي الوجه المظلم للدين. وهي الغواية القادرة على تسطيح الدين وتفريغه من كلّ مضامينه اللاهوتيّة وطاقاته الأخلاقيّة والتماعاته الفنّيّة وتجلّياته الصوفيّة، وذلك إذا وقع أهل الدين في حبائلها. لكنّ السلطة، ولكونها جوفاء ولا تقوم على سوى الضغط والقمع وتحويل الناس إلى عبيد، تحتاج إلى عمارة فكريّة تتولّى إقناع العبيد بأنّه من الضروريّ أن يكونوا عبيداً وأن يبقوا عبيداً. هذه العمارة الفكريّة هي الدين حين يتحوّل إلى إيديولوجيا في خدمة السلطة. عندئذ، يتسمّر الدين ويتحجّر ويتحوّل إلى مجرّد تراكم لتقاليد ماضويّة وخرافات غيبيّة وخزعبلات تليق بالعجائز. الدين الإيديولوجيّ ليس أفيوناً للشعوب. إنّه شيء أخرق مقيت لا يستحقّ حتّى أن يسمّى أفيوناً.
كيف يواجه هذا كلّه؟ يخطئ من يظنّ أنّ السلطة والتسلّط يواجهان بمزيد من السلطة ومزيد من التسلّط. وحدها الحرّيّة قادرة على تفجير الدين الإيديولوجيّ من الداخل، وعلى أن تعيد للدين الأصيل تألّقه بوصفه بعداً من أبعاد الإنسان لا يمكن اختزاله، ومكاناً فريداً تُطرح فيه الأسئلة الوجوديّة الكبرى. لذا، فإنّ الحرّيّة، ولا سيّما حرّيّة الرأي والتعبير والنقد والمساءلة والتفكيك، كانت عبر العصور لا نقيض الدين الإيديولوجيّ فحسب، بل عدوّه اللدود أيضاً و«السمّ» الذي إذا تجرّعه أنّى له أن يشفيه ترياق. وحده الاعتصام بالحرّيّة، والإمعان في الحرّيّة، قادر على تفجير الدين الإيديولوجيّ. لذا، نجد المؤسّسة الدينيّة تخاف من احتمالات الحرّيّة وتستشرس في التضييق عليها وقمعها. وفي بلد مثل لبنان تتمتّع فيه المُؤَسّسة الدينيّة بامتيازات شتّى بعدما تحوّلت، ما خلا استثناءات قليلة، إلى مجرّد جرم يدور في فلك المافيا السياسيّة ويروّج لها عبر الاستعانة بالخطابيّات ومقولات التكليف الشرعيّ، لا غرو أن تلجأ إلى القضاء كي تُسكت صوتاً هنا وتُخرس «نبيّاً» هناك، حتّى ولو كان معتوهاً، وذلك بحجّة الإساءة إلى الدين والأخلاق.
المسألة، إذاً، ليست مضمون ما يقال. فالردّ على المضمون يكون بالحجّة، لا باللجوء إلى القضاء. المسألة الفعليّة هي مسألة السلطة وعلاقتها بالحرّيّة، ولا سيّما أنّ المُؤَسّسة الدينيّة، شأنها شأن المافيا الماليّة المتحالفة مع المافيا السياسيّة، بدأت تشعر بأنّ الهيكل يهتزّ وربّما يسقط قريباً على رؤوس الجميع. ومن ثمّ، ما يحدث اليوم إن هو إلّا فصل جديد من فصول الحرب الاستباقيّة التي تخوضها المُؤَسّسة الدينيّة ضدّ المجتمع الآخذ في الانزياح، وذلك منذ أن قرّرت الوقوف في وجه إلغاء الطائفيّة من «النصوص» وحاربت إقرار الزواج المدنيّ وصولاً إلى كمّ أفواه المغنّين والشعراء و«الأنبياء» بحجّة المحافظة على أصول الدين. ومن يحافظ على سلطته وسطوته، ليس غبيّاً على الإطلاق، بل يعرف تماماً ما يفعل.
المصدر: المدن