الرئاسة الفرنسية:سيرة لوبان المتخيلة كمحجبة ونصيرة للمهاجرين
روجيه عوطة
الثلاثاء 12 نيسان 2022
بحركة بسيطة، قدم الفنان الشارعي جايرايمي عدداً من المرشحين إلى الرئاسة الفرنسية بطريقة أخرى.جعلهم على صورة من ينفرون منهم، فها هو ماكرون صار "جيليه جون"(السترات الصفراء)، وزيمور تحوّل شيخاً مسلماً، كما أن لوبان أصبحتْ محجبة، مثلما أن بيكريس غدت من مجتمع الميم. أما الباقي من المرشحين، فلا علم بمرد تغييبهم عن هذا الألبوم الذي صنعه الفنان، ربما، لأنه لم يقع في خطاباتهم على ما يثير دهشته، وربما، لأنه على تأييد لبعضهم. إلا أنه، وبعيدا من هذا، فهو حقق، وبحركته تلك، ما سماه تحريفاً. هذا التحريف طاول صورة المرشحين هؤلاء، ولكن، من دون أن يقتصر عليها، إنما تعداها إلى حكاياتهم أيضاً. فهو تحريف لكل سيرهم، تدوير لها حول ما رفضوه، وعرفوا ذواتهم بالانطلاق من كونهم على الضد منه. على هذا النحو، حركة جايرايمي تساوي أنه مضى بهم إلى ما يفرون منه على أساس أنه نقيضهم، لكي يتحولوا إليه.
لقد احتوت سير المرشحين المحرّفة على عناصر حقيقية تتعلق بعيشهم، بالإضافة الى عناصر متخيلة. مثلا مارين لوبان، بحسب سيرتها، هي ابنة جان ماري لوبان، التي ولدت في العام 1968، تعرّضت مع أهلها إلى محاولة اغتيال بعد عام على ولادتها في اثر تفجير اطاح بالمبنى الذي يسكنون فيه، وهو قد جاء كرد على أطروحات لوبان الابن التي ينفي فيها حصول المحرقة النازية.
كبرت في محيط اجتماعي، صفته الرئيسة أنه يمين متطرف، وحين انتهت دراستها الثانوية، قررتْ، وعلى العكس من إرادة أبيها، الذي بغى لها أن تكون ناشطة في حزبه، أن تغدو محامية. صارت لوبان محامية، وقد استلمت عدداً من القضايا، في مقدمتها قضايا تتعلّق بالأجانب المقيمين باشكال غير قانونية، إذ إنها أقدمتْ على الدفاع عنهم من اجل شرعنة وجودهم على الاراضي الفرنسية.
كل هذا حتى الآن يتألف من عناصر حقيقية في سيرة لوبان، وقد استند إليها جايرايمي من أجل خلق سيرة مختلفة لها. تنبه إلى كونها في شبابها، لم تكن على مشكلة مع الأجانب، ومن هنا، انطلق إلى بناء حكايتها المحرّفة. في هذه الحكاية، لوبان تواظب على عملها كمحامية، وفي اثناء ذلك، تهمل النشاط في "الجبهة الوطنية"، ما يؤدي إلى غضب والدها منها، ولاحقاً، إلى تركها حزبه. في العام 1997، تلتقي بسوسيولوجي يدعى علي، وقد جاء للمشاركة في مظاهرة تناصر أحد الأجانب الذي تدافع هي عنه. تتشكل صداقة بينهما، ثم يقعان في حب بعضهما البعض، ونتيجة ذلك، تقطع عائلتها كل صلة بها. تنتقل من غرب باريس إلى مونروي. تتزوج من علي وتنجب ثلاثة اطفال، وخلال ذلك، تلمع كمدافعة عن حقوق الانسان. في العام 2002، يصل والدها إلى الدورة الثانية في الانتخابات الرئاسية، الأمر الذي يجعلها ترفضه وفي الوقت نفسه تعجب بنجاح لوبان الأب، الذي ستمتنع عندها عن أي لقاء به. بعد أن تقفل الحكومة مركز الصليب الاحمر الخاص باللاجئين في كاليه، تذهب إلى هناك بغاية ان تنشط من أجلهم لا سيما عبر إحدى الجمعيات. بعد عام، تعتنق الاسلام، وتقرّر ارتداء الحجاب.
هذه لوبان في سيرتها المحرّفة، وهي، في الواقع، تبدو قريبة من سيرتها الحقيقية، وتحديداً، من ناحية التفصيل المتعلق بدفاعها كمحامية عن الأجانب، ولكنها، وبالفعل نفسه، بعيدة للغاية عنها، او متعارضة بالكامل معها على وجه الدقّة. غير أن هذا لا يجعلها مجرد سيرة مزيفة إنما يحوّلها إلى سيرة متخيلة لا سيما بسبب متانتها، وبالتالي، تناولها لا يتعلّق بالتحقق من كونها وهمية أو فعلية. فقراءة هذه السيرة تبعث على التساؤل عن مصير لوبان بما هي حالياً تعتبر رمزاً للتطرف في حال أخذت سبيلاً مختلفاً عن ذاك الذي رسمته لها عائلتها وحزبها، تماماً، كما هي حال بعض الشخوص الذين كانوا في أقصى اليمين، وبسبب قصة حبّ أو صداقة، تنبهوا إلى كل ما تحوي ايديولوجيتهم من كراهية وإقصاء. التساؤل ذاك هو في صميم ما قدمه جايرايمي، مثلما أنه في صميم أي عمل تخييلي.
المصدر: المدن