المُؤَسّسة الكنسيّة الروسيّة في مهبّ السياسة
أسعد قطان
الإثنين 14 آذار 2022
اسمه فلاديمير ميخائيلوفيتش غوندياييف، واسمه الكهنوتيّ كيريل. هو بطريرك موسكو وكلّ الروسيا منذ العام 2009. حتّى اليوم، لم يجد الحبر الروسيّ الكلمات المناسبة لتوصيف غزو أوكرانيا. فتحدّثت مصادره، عبر خطاب غاية في الالتباس، عن «الأحداث» و«الاعتداءات» هناك. والبطريرك من مؤيّدي نظريّة «العالم الروسيّ» (روسكي مير) التي يتقاطع فيها مع فلاديمير بوتين، والتي تشكّل قاعدةً إيديولوجيّةً لهذا الغزو. فالعالم الروسيّ، في رأي سيّد الكرملين وحليفه البطريرك، يتألّف من روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا، وربّما مولدافيا وكازاخستان، ويجب أعادة «توحيده» تحت مظلّة سياسيّة وكنسيّة واحدة. كما يشترك البطريرك مع ضابط المخابرات السوفياتيّ السابق في معاداة الغرب واتًهامه بالفساد الأخلاقيّ، وذلك على الرغم من أنّ روسيا هي أحد أبرز شركاء الغرب في الاقتصاد. وقد اعتبر البطريرك في عظة له، في السادس من الشهر الجاري، أنّ واحداً من أبرز رهانات الحرب الدائرة في إقليم الدومباس الأوكرانيّ هو الصراع «الميتافيزيائيّ» على قبول المثليّة الجنسيّة أو عدم قبولها. والأخطر من ذلك كلّه أنّ نظريّة «العالم الروسيّ» تصبح، بالنسبة إلى البطريرك، القاعدة الجديدة التي تبنى عليها ميتافيزياء الكنيسة. فتسقط التحديدات اللاهوتيّة التي تعتبرها «جسد المسيح» وكياناً لا يستمدّ مسوّغاته من المقولات القوميّة والعرقيّة والجنسيّة، وذلك في مصلحة إيديولوجيا تتأرجح بين الاحتمالات الإثنيّة والثقافيّة، وتستند إلى فهم مجتزأ للتاريخ وتعام مجلجل عن الديناميّات المجتمعيّة في الراهن.
اسمه غريغوري فاليرييفيتش ألفاييف، واسمه الكهنوتيّ هيلاريون. هو مطران فولوكولامسك ويشغل منصب رئيس دائرة العلاقات الخارجيّة في بطريركيّة موسكو وكلّ الروسيا، ويُعتبر الرجل الثاني في قيادة الكنيسة الروسيّة بعد البطريرك كيريل.
في الثاني من الشهر الجاري، اتّخذت كلّيّة اللاهوت في جامعة فريبورغ (سويسرا) قراراً بتعليق «أستاذيّته» في الجامعة، التي كان يؤمّها بوصفه أستاذاً زائراً منذ العام 2011. جاء هذا القرار بناءً على طلب المطران هيلاريون نفسه، وذلك بعد اعترافه، في رسالة خطيّة، بعدم قدرته على تنفيذ ما تنتظره منه الجامعة: اللجوء إلى نفوذه الكنسيّ والسياسيّ لإدانة الغزو الروسيّ لأوكرانيا بلا مواربة أو التباس بوصفه منافياً للقانون الدوليّ؛ الطلب من الرئيس فلاديمير بوتين سحب جيوشه فوراً من أوكرانيا؛ والالتزام العلنيّ من دون أيّ التباس بالعمل على حلّ للخلاف بين أوكرانيا وروسيا يستند إلى الحوار والقانون الدوليّ وحقوق الإنسان. والمعروف عن المطران ألفاييف أنّه كان، في العقدين الأوّل والثاني من هذا القرن، يروّج لنظريّة تحالف الكنيستين الأرثوذكسيّة والكاثوليكيّة ضدّ القيم الأخلاقيّة «الفاسدة» في المجتمعات الغربيّة. وعنده أنّ هذه القيم تبنّتها كنائس حركة الإصلاح الإنجيليّة، ولا سيّما عبر إقرار حقّ النساء في دخول رتبتي الكهنوت والأسقفيّة والتساهل مع فكرة «زواج» المثليّين.
تأتي الحرب الأوكرانيّة، إذاً، لتفضح اليوم الخلل البنيويّ في العقليّة التي تهيمن منذ سنوات على القيادة الكنسيّة في بطريركيّة موسكو وكلّ الروسيا: استهانة بالإعلان العالميّ لحقوق الإنسان كانت قد بدأت طلائعها تظهر في الوثيقة التي أصدرتها الكنيسة الروسيّة العام 2000 وتتناول فيها عقيدتها الاجتماعيّة؛ تلازم وثيق العرى بين مساري السلطة السياسيّة والسلطة الكنسيّة، وعجز مطبق للقيادة الكنسيّة عن اتّخاذ مسافة نقديّة من القرارات السياسيّة تحفظ للكنيسة حرّيّتها وصوتها النبويّ وقدرتها على تصويب البوصلة الأخلاقيّة كلّما اقتضى الأمر؛ وتأصيل لفكرة الكنيسة الروسيّة في إيديولوجيا «العالم الروسيّ» على أساس إثنو-ثقافيّ، وذلك في مقاربة جوهرانيّة لا تراعي الانزياحات التاريخيّة والأحوال الحاضرة للمجتمعات، ولا تقيم وزناً لمفهوم الكنيسة كما عبّر عنه اللاهوت منذ نشأة كتب العهد الجديد.
ليس الجميع في الكنيسة الروسيّة المباركة يفكّر هكذا. ثمّة كهنة وشمامسة ولاهوتيّون ولاهوتيّات ومفكّرون ومفكّرات وعلمانيّون وعلمانيّات يقاومون، ويتصدّون باللحم الحيّ لهذا الفكر الغريب كلّ الغرابة عن إنجيل نجّار الناصرة وعن تراث الكنيسة الأرثوذكسيّة الأصيل. وفي نهاية المطاف، لا يصحّ إلّا الصحيح.
المصدر: المدن