هل أوروبّا الديمقراطيّة قارّة عنصريّة؟
أسعد قطان
الإثنين 7 آذار 2022
«مخطئة إذا كنت لا تهتمّين بالسياسة. يجب أن تعرفي أنّ السياسة تهتمّ على كلّ حال بك. وهي الماء والهواء والخبز الذي نأكل» (توفيق يوسف عوّاد)
إلى الصديق نهاد مليحة
منذ اندلاع الحرب الروسيّة-الأوكرانيّة قبل أيّام ليست بكثيرة، تتعالى الأصوات المنتقدة لأوروبّا الموحّدة لكونها فتحت، على نحو شبه تلقائيّ، حدودها لآلاف اللاجئين الأوكرانيّين فيما أبقتها مقفلةً، إبّان السنين الماضية، أمام لاجئين من إفريقيا والشرق الأوسط وبعض دول جنوب شرق أوروبّا مثل ألبانيا ومقدونيا. ولا يوفّر المنتقدون اليوم فرصةً لاتّهام أوروبّا الموحّدة بالانتقائيّة والعنصريّة، وحتّى بإيمانها بتفوّق «الرجل» الأبيض.
طبعاً، سلوك النعامة، أي دفن الرأس في التراب، لا يفيد في شيء. ثمّة في أوروبّا اليوم، لدى بعض الأحزاب وعدد لا يستهان به من غير المنتمين إلى أحزاب، استعادة قويّة للخطاب القوميّ المفرط، الذي يصل أحياناً إلى حدّ شيطنة المسلمين واليهود والدعوة إلى الانكفاء وراء حدود مقفلة لا يُسمح للغرباء بعبورها. واللافت أنّ عدداً من العمّال واللاجئين الذين أمّوا القارّة القديمة في الخمسينات والستّينات يتبنّون مثل هذا الخطاب بلا حرج. ظاهرة التقوقع وكراهية الغرباء ليست بجديدة، ولا هي مقتصرة على أوروبّا. لكنّها اليوم تعود بقوّة من حيث هي ردّ فعل على العولمة المستفحلة. والأخطر من ذلك أنّها تقلق بعض السياسيّين، وتودي بهم إلى اتّخاذ مواقف ملتبسة تفتقر إلى الصلابة، وأحياناً مسايرة لليمين المتطرّف. حتّى ألمانيا، التي فتحت أبوابها للاجئين من سوريا ودول أخرى قبل بضع من السنوات في خطوة نادرة أعادت الاعتبار للأخلاق بوصفها نبراس العمل السياسيّ، سمعنا فيها أصواتاً كثيرةً تحطّ من قدر هذا السلوك، فيما ندرت الأصوات التي دافعت عنه بوصفه ضرورةً إنسانيّةً وأخلاقيّة. وحتّى استقبال بعض الدول الأوروبيّة، ولا سيّما تلك المحاذية للأبيض المتوسط، للاجئين المتكوّمين في قوارب الموت، كثيراً ما كان يفتقر إلى أدنى مقوّمات السلوك الأخلاقيّ وما يستوجبه من احترام للمواثيق الدوليّة، ولشرعة حقوق الإنسان تحديداً. لا يفيد سلوك النعامة في شيء إذاً.
لكنّ هذه الخبرات جميعها، وهي تندرج في خانة الانحراف في الممارسة، لا تُسقط النموذج العبقريّ الذي تمثّله اليوم أوروبّا الموحّدة. وهذا النموذج ليس مجرّد مثال نظريّ، بل هو حاضر في المنظومة الديمقراطيّة من حيث هي تشريع قانونيّ وسلوك سياسيّ وذهنيّة مجتمعيّة يمكن رصدها لدى ملايين البشر. حسبنا أن نسأل اليوم، كما قال أحد السياسيّين الألمان، لماذا يتقاطر «اللاجئون» من أصقاع الأرض إلى أوروبّا الموحّدة ويطرقون بابها؟ لماذا لا يذهبون إلى دول أخرى؟ هم يفعلون ذلك طبعاً لأنّها نموذج اقتصاديّ نجح في المواءمة بين التنمية وفرص العمل وضمان حقوق الأفراد والخلايا المجتمعيّة الصغيرة كالعائلة والجمعيّات. لكنّهم يفعلون ذلك أيضاً لأنّها نموذج سياسيّ وثقافيّ يصون الحرّيّة الشخصيّة والمجتمعيّة ويتيح مشاركةً سياسيّةً قادرةً بالفعل على التأثير في المجتمع وتطويره. وكلّ هذا بالاستناد إلى ثقافة نقد تقيم وزناً للعقل وقدرته على المراجعة والتصحيح والتحسين. يضاف إلى ذلك ثقافة ضيافة لا نعثر عليها في الصين وروسيا ودول الخليج العربيّ على سبيل المثال.
هل يشتغل هذا النموذج من ذاته وعلى نحو أوتوماتيكيّ؟ طبعاً لا. وهنا بالذات يكمن خطأ المنتقدين، ذلك بأنّ خطابهم عن «عنصريّة» أوروبّا يشي بمقاربة عمياء وكأنّ المجتمعات جواهر سرمديّة ذات خصائص ثابتة لا يعتريها انزياح أو تبدّل. لقد حصّنت أوروبّا الموحّدة ذاتها بمنظومة ديمقراطيّة قابلة للعمل (functional). هذا النموذج الديمقراطيّ هو، حتّى اليوم، أفضل ما توصّل إليه العقل الإنسانيً في سياسة المجتمعات. طبعاً له هناته، وذلك لكونه نظاماً إنسانيّاً، والإنسان كائن يرتكب أخطاء. لكنّ هذا النموذج المرتكز على مرجعيّة العقل يسمح بتصحيح الأخطاء وتفاديها في المستقبل، وهذا هو مصدر قوّته. هذا النموذج له رافعات كثيرة غايتها التقليل من إمكان السقوط في الخطأ. ويخيّل لي أنّ أهمّها ثلاث: الرافعة الأخلاقيّة التي تقوم على حماية الضعيف والمريض والمستضعف، وهي أهمّ وأمضى حدّاً من لعبة الأكثريّة والأقلّيّة في البرلمانات. فإذا «أجمع» البرلمانيّون، مثلاً، على إبادة المعوّقين، يسقط البرلمان أخلاقيّاً ولا يتحوّل الإجماع إلى ممارسة. الرافعة الثانية هي القضاء الذي يضطلع بوظيفة محاسبة الساسة، بعيداً من حسابات المصالح، على ما قد يرتكبونه من جرائم، ومن هنا ضرورة تمتّع القضاء بالاستقلال الكامل. والرافعة الثالثة هي التربية، التي ينبغي أن تنشّئ على قيم الحرّيّة الفرديّة وثقافة النقد والحسّ السياسيّ الجمعيّ، ما يتيح تعزيز النموذج الديمقراطيّ وترسيخه.
هل تشكّل هذه الرافعات كلّها «ضمانةً» للنموذج الديمقراطيّ؟ طبعاً لا. فالنفس «أمّارة بالسوء» كما يقول القرآن الكريم. والمجتمعات لا تساس بعظة يسوع الناصريّ على الجبل (القول منسوب للمستشار الألمانيّ هلموت شميدت). لو لم يكن الأمر كذلك، لما شهدت أوروبّا الموحّدة اليوم موجات كراهية ضدّ الغرباء واسترجاعاً لخطابيّات قوميّة مغرقة في الغلوّ تستحضر ما ذهب إليه اليمين المتطرّف على عتبة الحرب العالميّة الثانية. بكلّ بساطة، النموذج الديمقراطيّ ليس أمراً مفروغاً منه، واستمراره ليس مسألةً بديهيّةً، بل هو يحتاج إلى التدعيم المتواصل وإعادة الخلق على نحو يوميّ. في سبيل ذلك، المواطنون والمواطنات مدعوّون للاهتمام بالسياسة والمساهمة في صنعها، لأنّها «الماء والهواء والخبز الذي نأكل». ومن ثمّ، فإنّ خطاب العنصريّة الذي تشهده أوروبّا هنا وهناك لا يستتبع أنّ النموذج الديمقراطيّ قد سقط، وأنّ القارّة عنصريّة في جوهرها، بل يحيلنا إلى ضرورة تحصين هذا النموذج وتدعيمه وتحسينه على نحو مستمرّ. القارّة العجوز ليست عجوزاً. من لم يرصد ملامح التجدّد فيها، لعلّه مصاب بعمى الألوان.
المصدر: المدن