تقارب هذه الدراسة نظرية ما بعد العلمانية في إطار التجربة التاريخية الأميركية. ومن أجل هذه الغاية يتأسَّس البحث على فَرَضية تقول إن النظرية مابعد العلمانية من قبل أن تجد سبيلها إلى المداولة مع بدايات القرن الحادي والعشرين، كانت حاضرة بالفعل في الولادة العسيرة والمعقدة لأميركا في القرن السابع عشر. ومثل هذه الفرضية تجد أحد مرتكزاتها في التساؤل الذي أثاره عالم اللاهوت الأميركي رينهولد نيبوهر قبل نحو نصف قرن، ويدور حول السبب الذي يجعل الأميركيين أكثر الشعوب تديناً وأكثرهم علمانية في الوقت عينه.
تنقسم الدراسة الى أربع حلقات تتوخى تحصيل الجواب عن هذا التساؤل، وكذلك عن فَرَضية موازية تنظر إلى حكاية أميركا كدولة ومجتمع وحضارة بوصفها حكاية ما بعد علمانية. ذلك أنها جمعت بطريقة غير مسبوقة العلمنةَ والإيمان الديني ضمن بوتقة واحدة.
(م ـ ح)
* * * * *
تتراءى التجربة التاريخية الاميركية بوصفها أول إجراء عَمَلاني غير معلن لما يجري التنظير له اليوم حول ما سمي «المجتمع ما بعد العلماني». هذه الفَرَضية تبدو مستغربة بعد انصرام نحو ثلاثة قرون على ولادة أميركا. على صعيد نظري ربما تشير هذه المفارقة إلى أن من طبائع المفاهيم كمونها واستتارها في جوف التاريخ من قبل أن تطفو على السطح لتدخل مدارات التنظير. من يعاين حكاية «الولادة الرسمية» لأميركا سوف يتبين له أن تلك الولادة ما كانت لتتخذ مسارها المفارق لولا تميزها من ولادات الدول الحديثة في أوروبا. ولمَّا لاحظ عالم الاجتماع الاميركي بيتر بيرغر P. Berger ولو متأخراً، أن العالم لم يعد علمانياً، فهو لم يكن بمنأى عن استقراء البيئة الثقافية الأميركية التي ينتمي اليها. نومئ إلى أهمية هذه اللاَّفتة لدى بيرغر على الرغم من المسحة الإيديولوجية التي طبعت نظريته حين استثنى أوروبا والولايات المتحدة من دائرة "العالم غير المعلمن" وحَصَرَها في اطار المجتمعات الإسلامية. ولعلنا نهتدي إلى هذا العيب في رؤية بيتر بيرغر حين نعرف أن الغرب بجناحيه الأوروبي والأميركي دخلا على حين غرة في العالم غير المعلمن. فالاتحاد الأوروبي علماني على المستوى الرسمي (الدستوري) بينما مجتمعاته تحيا في محيط عام للدين فيه أثر كبير ووازن في أنظمتها الإيمانية والأخلاقية. وغالباً ما يظهر ذلك بطرق مختلفة من خلال دين الدولة الرسمي أو الدين المدني أو القومية الدينية أو الدين العام. وهذا يفضي إلى حقيقة أن الأسس التي تقوم عليها مباني الدول الحديثة ترتبط بشكل وثيق ببعض الأديان التي تتمتع بوضع قانوني وسياسي واجتماعي متميز، كما تترافق مع الدعم المادي لهذه الأديان.
في المختبر التاريخي الأميركي لا تبدو الصورة على ما هي عليه في التعقيد الأوروبي. بل يمكن القول إن حاصل هذا المختبر هو ضربٌ من التكامل بين وجهين يبدوان في الظاهر على تناقض عنينا بهما الوجه الديني والوجه العلماني.
هل هو الاستثناء الأميركي الذي اعتاد العمل خارج السرديات الكبرى للحداثة، ثم يعود ليدخل على الحداثة نفسها بمباغتات لا تلبث أن تتحول إلى مفاهيم لا مهرب لأحدٍ من سطوتها؟
إذا كانت «الاستثنائية» هي الركن الذي يُنظر من خلاله لتمييز أميركا عن المسار الأوروبي، فإن هذه الاستثنائية لا تنحصر فقط بالبعد الميتافيزيقي للأطروحة الأميركية، بل كذلك وبصورة أكثر عمقاً ودلالة في التآلف العجيب بين الديني والعلماني على مستوى السلطة والمجتمع.
كان الكاتب والفيلسوف الأميركي «إمرسون» (1882-1802)، يحصر تعريف مصطلح الاستثنائية بالقول: «إن أميركا هي «أكبر هبة من الله إلى هذا العالم»، تفكير إمرسون يُظهر الذاكرة العميقة لعقدة التفوق التي تشعر بها الولايات المتحدة تجاه الأمم الأخرى. إلا أنه على الرغم من ذلك، لم يكن ليغيب عن تفكير إمرسون أن الشأن التدبيري في السياسة والاقتصاد ونظام المؤسسات هو شأن متضمِّن في الفضاء الميتافيزيقي الأميركي ومكوِّن أساسي فيه.
ولكي نتعرَّف اليوم جذور هذا الموقف تجاه الأمم الأخرى نقرأ ما ورد عن عالم الاجتماع الأميركي «نوربير بيلا» ما يسميه يسميه «الديانة المدنية» في الولايات المتحدة، وهو التعبير إياه الذي استخدمه جان جاك روسّو في كتاب «العقد الاجتماعي» وان كان وظَّفه هذا الأخير لمقصد آخر. بحسب بيلا، فإن الديانة المدنية تقوم على الإيمان بوجود الله ووجود حياة أخرى، ومن وجه دنيوي تقوم على الفضائل الأخلاقية ودرء المفاسد والتسامح الديني. ولذا فلا شك في أن عصر الأنوار كان له تأثيره في الفكر الأمريكي. ففكرة «الديانة المدنية» سوف يتبناها الرؤساء الأميركيون الأوائل، ثم لتنغرس عميقاً في الضمير الأميركي1 .
من أهم الآثار المترتبة على مفهوم الدين المدني هو جمعه الشأن الدنيوي إلى الديني بصورة غير مسبوقة في الحضارة الغربية الحديثة.
هذا الجمع هو ـ على وجه التعيين ـ أحد أكثر مقومات الاستثناء الأميركي مدعاة للغرابة. ذلك إلى حد أن أياً من فلاسفة التاريخ أو علماء الاجتماع لم يكن يتوقع أن تولد أول جمهورية ما بعد علمانية في التاريخ على يد نخبة دينية كانت العلمنة ركناً كامناً في لاهوتها السياسي. حتى هيغل الذي كان شغوفاً باستشعار البعد الميتافيزيقي لنشوء الدولة الحديثة في أوروبا، سيغيب عن باله ذلك المكوّن الجيني للمولود الأميركي. والذين مضوا في تأويل الجواب الهيغلي وجدوا أنّ أميركا قامت على حكم قيميّ حضاري وميتافيزيقي يقضي بتفوق الإنسان الأوروبي على الإنسان الهندي والأفريقي2 ... غير أن ما هو مفارق في منطق النشأة الأميركية، أنها قامت أيضاً وأساساً على الانسلاخ عن أصلها، والبدء بأصل جديد. كما لو كانت ميتافيزيقا التأسيس محمولة على محو تاريخ غير جدير بالذكر، وإثبات تاريخ ممتلئ بالجدوى.
ذلك ما سوف يُمنح من جانب الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر عناية فلسفية خاصة. لقد رأى أن العالم الأنكلوساكسوني للأمركة قرر تدمير أوروبا. ما يعني برأيه، تدمير الوطن. أي تدمير البدء الخاص بالعنصر الغربي. وهذا ما يفسره كلام ارنست رينان (1823-1892) حول ضرورة نسيان ما يمكن تسميته بالأخطاء التاريخية، باعتبار أن هذا النسيان هو أمر جوهري لولادة الأمم الحديثة.
هل يعني هذا أن الجذرية التي حكمت لاهوت التأسيس هي العصب الذي يرفد ويغذي الشعور العميق بالفرادة والاستثناء؟
لم تشهد القيامة الأميركية، لا في أزمنتها الابتدائية، ولا في تطوراتها اللاَّحقة، أي انفصال بين الديني والدنيوي. كان ثمة تركيب وتداخل وتناسج في غاية التعقيد بين النزعات المتنوعة التي تؤلف الشعور الإجمالي لساكني الأرض الجديدة. فالإيمان الديني الذي أخرجه الطهرانيون الانكليز على صورة منظومة لاهوتية تستجيب لحاجات السكان الروحية والمعنوية، لم ينفصل في حركته عن الشعور القومي الذي أخذ يتشكّل مع تقادم الوقت. وأما الكلام على الميتافيزيقا السياسية التي تسِمُ النشأة الأميركية فهو كلام ينتسب إلى الرؤية الماهوية لأميركا. ذلك هو الشيء الذي حدا بالعلاَّمة "الكسيس دو توكفيل" لكي يستنتج من وحدة الدين والسياسة ظهور إحدى أكثر ركائز الديموقراطية غرابة في التاريخ السياسي الحديث.
1ـ خاصّية العلمانية المتساهلة
إذا كان من مزايا الحداثة أنها أطلقت فضاءات النقد، إلا أن نزعتها الانتقادية لم تتوقف عند حد. حتى اليقينيات ـ التي كان لا بد منها لضبط أزمنتها الحضارية ـ لم تنجُ من المراجعة والتفكيك وإعادة تشكيل مقاصدها وغايتها. ولئن كانت علمنة المجتمعات الحديثة قد ارتقت إلى رتبة المقدس في التجربة التاريخية لأوروبا، فقد جاءت السيرة الأميركية لتعيد مَوْضَعة هذا المقدس في غرف العناية الفائقة. عند هذه النقطة بالذات سيلاحظ البروفسور الأميركي في علم الاجتماع باري كوزمان كيف أن النخبة الأميركية المؤسِّسة أدركت هذه الحقيقة وسعت إلى تكييف مشروعها على نحو يجعله مفارقاً للأبوة الأوروبية. ولذلك اتبع الدستور الأميركي عقلانية سياسية شقت السبيل إلى هذا التوجه في المسار الجديد. وهذه السياسة تقدم مثالاً على الكيفية التي يمكن للمبادرات السياسية أن تنشئ علمانية متساهلة على المستوى الاجتماعي من المؤسسات من جهة، وتترك مسائل الضمير لخيارات الفرد الشخصية من جهة ثانية. فللسياسة في مفهومها العلماني الحديث الآن مبادؤها وقيمها الملازمة لها. وصار على المبادئ والقيم الدينية أن تتميز بشكل أو بآخر عن تلك السياسية. هذا لا يعني البتة أن المبادئ والقيم الدينية لا دور لها في السياسة والحياة العامة في الديموقراطية الأميركية، وإنما ثمة تمايز بين المؤسسات الدينية ومؤسسات الدولة من زاوية الدستور والقانون. وأما المصطلح الفلسفي الذي يشير إلى هذه الحالة فهو «التعددية» وأما نقيضه فـ «الأحادية» أو (الحكم الديني والشمولي)3 .
الأميركيون الذين يصفون أنفسهم بأنهم لا ينتمون إلى أي ديانة هم في غالبيتهم ينتمون إلى معايير «العلمانية المتساهلة». هذا النوع من العلمانية يظهر من خلال إعراضهم عن أي أن يكونوا ملحدين متشددين أو حتى لا أدريِّين. إذ لا يشكل أتباع هذين المذهبين أكثر من 1 % من مجموع السكان ـ ولكن وبالمقابل فإنّ نسبة 67 % من غير المنتمين إلى أي ديانة يؤمنون بوجود إله للكون؛ وV منهم يؤمنون أن هذا الإله يتدخل شخصيّاً في حياتهم لمساعدتهم؛ و5 7% يعتقدون أن الإله يخلق المعجزات. أما حاصل هذه الواقع فهو ما تشير إليه الاستنتاجات من أن غالبية العلمانيين في الولايات المتحدة هم في حقيقتهم متدينون بطريقة أو بأخرى؛ وحتى هؤلاء الذين لا ينتمون إلى مؤسسات دينية، أو لا يعتبرون أنفسهم جزءاً من مجتمعات دينية فهم يحملون معتقدات واهتمامات تقليدية في الألوهية؛ ولذلك فعلى الرغم من تزايد عدد الناس الذين يصفون أنفسهم بأنهم علمانيون في الولايات المتحدة منذ سنة 1990 إلا أن هذا لا يعني أبداً أن المجتمع الأميركي قد أصبح أكثر لا دينية أو معادياً للدين، بل فقط يعني أن هناك انتماء أقل للجماعات الدينية المنظمة في حد ذاتها4 .
في ما يتصل بالشأن الديني، تتخذ العلمانية أشكالاً كثيرة في الولايات المتحدة؛ ومثلما هي الحال في الدين تختلف العلمانية في شدتها مع مسارات الانتماء والاعتقاد والسلوك. كثيرون من علماء الاجتماع سجَّلوا مشاعر مشتركة حول طبائع المجتمع الأميركي، وتوصلوا إلى نتيجة تقول إن الجمهور الأميركي لا يتبع نظاماً ثنائياً. أي الاختيار الحادّ بين أمرين مع بالمطلق أو ضد بالمطلق، وهو الأمر الذي كان حاصلاً مع حكاية العلمنة في فرنسا بوجه خاص لما أخذ بها بوصفها بديلاً من الدين. فالعلمانية في الولايات المتحدة هي خيار من ضمن الكثير من الخيارات في مجتمع قائم على فكرة السوق الحرّة كما ينبّه عدد من علماء الاجتماع. ثم إنّ الحدود الفاصلة بين الدين والعلمانية، وحتى بين الأديان المختلفة، ليست مرسومة بدقة وثبات. لذا يمكننا توقع هذا الارتباك بسبب أن العلمانية تطورت بأشكال مختلفة وعلى مستويات مختلفة وفي مجالات متنوعة. في هذا الصدد يتحدث رينهولد نيبوهر ـ وهو أحد أكبر علماء اللاهوت الأميركيين في القرن العشرين عما يعتبره تناقضاً عجيباً في الشخصية الأميركية. إذ كيف للأميركيين أن يكونوا أكثر الشعوب تديناً وأكثرها علمانية في الوقت نفسه؛ ثم يسأل: «هل يمكن أن يكون أحد أسباب كون الأميركيين هم الأكثر تديناً أنهم أكثر الثقافات الكونية علمانية؟»5 .
بالطبع لم يأتِ الجواب عن مثل هذا التساؤل المحيِّر بيِّناً وصريحاً، بل غالباً ما نجده منطوياً في البحوث العلمية على نحو المقاربة والاتمال. وهذا ما فعله عالم الاجتماع الاميركي ويل هيربرغ لمَّا بحث في هذا التناقض العجيب بين «العلمانية السائدة والتديُّن المتزايد في بلاده». فقد رأى أن ذلك يحتاج إلى عقلية تتطلب التفكير والعيش ضمن إطار واسع من الواقع الذي يتجاوز بكثير عقيدة الشخص التي يؤمن بها في نفسه. وهذا التناقض لا يزال موجوداً حتى يومنا هذا لأنه جزء من التراث الثقافي الأميركي6 .
يرغب الأميركيون ـ كما يشير باحثوهم ـ بمؤسسات حكم تستوعب السلوكيات الدينية حتى ضمن الحكومة العلمانية نفسها؛ وهذا مظهر من المظاهر المتعددة لبراغماتية المجتمع الأميركي الذي صنَّع علمانيته المخصوصة من غير تنظير مسبق. فمثلاً تجد أن الأميركيين يتقبلون أن يحضر شخص ينتمي إلى مؤسسة دينية أو عسكرية طقوساً دينية، أو أن يتلقى إرشاداً وقيادة دينية، وأن تدفع النذور لهذا الأمر ـ كما هي الحال في الجيش أو في كنائس السجن. كذلك لم يكن من اعتراض حين سمح القانون لمتدينين معادين للحرب مثل طوائف الكويكرز أو المينوناتية باعتبارهم معارضين وأصحاب ضمائر حية. وفي التقليد الأمريكي «الما بعد علماني» يصير من المهم في المجتمع الحر أن يحترم عقائد جميع مواطنيه، ومن المهم لنظام سياسيٍّ تعددي ومتمايز وعلماني أن يتيح مساحة من الحرية الدينية، وأن يُبقي هذا المجال مستقلاًّ عن الضغوط الحكومية إلى أقصى درجة ممكنة 7.
2ـ الاصلاح البروتستانتي كمنتج لزمن ما بعد علماني
دأبت البروتستانتية وهي تفتتح مسار الاصلاح الديني في المسيحية على القيام بدور مركب جاءت حصيلته العامة أقرب إلى التأسيس لزمن ما بعد علماني ذي بواعث دينية.
ولقد بدا هذا الدور المركب ضمن المعادلة التالية: من وجهٍ استمرت الكتلة البروتستانتية ذات الغالبية في أميركا على موقفها الحاد المناهض للبابوية الكاثوليكية. ومن وجهٍ آخر كان على البروتستانتية أن تنشئ نظاماً سياسياً اجتماعياً وأخلاقياً غير مبنيٍّ على الانفصال بين الدنيوي والديني.
تلازماً والمهمة التاريخية المركبة هذه أخذت تتشكل نواة العقيدة الأمريكية أو ما يسمى "الاستثناء الأمريكي". الوجه التطبيقي لهذا التشكل سَلَكَ مساراً دراماتيكياً تمثّل بحملات صليبية بروتستانتية لتنصير أمريكا كما يبين عالم الأنثروبولوجيا خوسيه كازانوفا8 . في سنة 1830 – وهي السنة التي ظهرت فيها أول صحيفة معادية للكاثوليكية في نيويورك – افتتح ليمان بيتشر، أبو «المدرسة الجديدة» لكالفينية نيو انجلند، سلسلة عظات معادية للكاثوليكية، رابطاً ما بين الكاثوليكية والاستبداد بوصفهما عدوين للمبادئ الجمهورية الأميركية. ومع تسارع وتيرة الهجرة الإيرلندية، اكتست البروتستانتية أشكالاً اجتماعية وسياسية تجسدت في الحزب الأميركي الجمهوري في أربعينيات القرن التاسع عشر، وحركة «اللاَّأدرية» في خمسينيات القرن التاسع عشر. وكان القس هوراس بوشنيل وهو أبو اللاهوت الأميركي الليبرالي، حذَّر البروتستانت في أميركا قائلا: «إن الخطر الاول على مستقبلنا هو البربرية وبعدها تأتي الكاثوليكية» 9.
لم يكن التناظر المحموم مع الكاثوليكية مجرد خصومة لاهوتية تبتدئ وتنتهي داخل فضاء الخلاف على منظومة القوانين الإيمانية. لقد كان هذا التناظر أكثر شمولاً حيث تعددت آفاقه وتوسعت ميادينه تبعاً للغاية العليا التي رمى إليها رواد الإصلاح البروتستانتي وعلى رأسها مارتن لوثر وجون كالفن. لقد كان ضرورياً للمشروع البروتستانتي المتكيِّف إلى أقصى حدوده مع مقتضيات الحداثة، أن يزعزع أركان اليوتوبيا الكاثوليكية لكي يشق السبيل نحو إنجاز مهمته الإصلاحية المنشودة. فقد أفلحت البروتستانتية في حمل الكاثوليكية على مجاراة ثورتها إلى الدرجة التي باتت معها الأخيرة راضية بما سمي بـ«الدين المدني» الأميركي. لكن عدة عوامل سوف تسهم في رسم ملامح الكاثوليكية الأميركية وهي تمضي قدماً طريق التكيف مع النمط المابعد علماني. أما هذه العوامل فهي:
1 ـ على الصعيد الداخلي، تشكلت الكاثوليكية الأميركية عبر موجات الهجرة المتعاقبة من مختلف الأمم الأوروبية. وقد حافظت أغلب الجماعات الكاثوليكية المهاجرة، التي تنتظم وفق التجمعات الأبرشية، على ولاء كاثوليكي، وكذلك على التشكّل ضمن جماعة إثنية كاثوليكية أميركية موحدة.
2 ـ طالما كان على الكاثوليكية في الولايات المتحدة أن تتعايش مع التوتر الديناميكي الناتج من كونها أميركية ورومانية في الوقت نفسه. يعني ذلك ـ ، في ما يخص بنيتها العقائدية الطقسية والتنظيمية ـ أن الكنيسة الكاثوليكية الأمريكية، كانت دوماً عضواً في الكنيسة الكاثوليكية الكونية المتجاوزة للحدود الوطنية. ونتيجة لذلك، كان على الكاثوليكيين دائماً أن يبرهنوا على ولائهم المطلق للدين المدني الأميركي لكي يتم قبولهم في الميثاق الوطني، ولكن من دون أن يكون ولاؤهم المطلق نفسه لروما موضع تساؤل. فلا عجب إذاً في أن تصبح الكنيسة الكاثوليكية أكثر طوائف أميركا أميركية؛ أي وطنية، وأكثر الكنائس الكاثوليكية القومية رومانية.
هذا التركيب في الهوية الكاثوليكية هو من أظهر المفارقات التي وسمت الاختبارات الدينية في أميركا. فلا شيء يبقى خارج "البراكسيس" (فلسفة العمل) البروتستانتية. حتى السؤال الذي كان مشتعلاً لدى الأقلية الكاثوليكية وحول هويتها الملتبسة راح يتبدد شيئاً فشيئاً بعدما حُتِمَ الجدل حول ثنائية أن تكون كاثوليكيا وأميركياً في الآن عينه؟
من البيِّن تاريخياً أنه في اللحظة التي أصبحت فيها الكاثوليكية ظاهرة أميركية، أعاد الفاتيكان فتح النقاش حول مشكلة العلاقة بين الهويتين الأميركية والكاثوليكية. إلا أن الأمر لم يعد ذا جدوى حيث أُجبرت الكاثوليكية الأميركية لأول مرة على مواجهة الحداثة. ولم تعد المسألة أن يكون المرء كاثوليكياً تقليدياً وأمريكياً حداثياً في آن. لقد أصبحت المسألة الآن هي كيفية تحديث الكاثوليكية القديمة وتجديدها بعدما زال التناقض بين الإيمان والأمركة إلى غير رجعة.
لكن حقيقة أن الكاثوليكية استطاعت أن تتأقلم بشكل لافت مع الشروط الأمريكية من غير أن تواجه الحداثة أبدا لهو أمر لافت حقاً. وهو ما أفرد له ألكسيس دو توكفيل تفسيراً معقولاً بالقول: لقد «قسم الكهنة الكاثوليك في أميركا العالم الفكري إلى قسمين: في القسم الاول، وضعوا عقائد الدين المنزَّل التي سلموا بها من غير جدال؛ ووضعوا في القسم الثاني الحقائق السياسية التي اعتقدوا أن الألوهية قد تركتها مفتوحة للمساءلة الحرة. هكذا يكون الكاثوليك في الولايات المتحدة أكثر المؤمنين طاعة أكثرهم استقلالاً في الآن نفسه»10 .
قد يكون هذا التحوّل الذي أحدثه التكيف الكاثوليكي مع الأمركة الأنكلوساكسونية من أهم المحطات التي تأسس عليها الاستثناء الأميركي ما بعد العلماني. كان الرواد الأوائل يتباهون في الإعلان عن تفوقهم الخلقي على الانجليز، في الوقت الذي كانوا يعترفون فيه بدونيتهم تجاههم من حيث الملبس والثقافة. وفي هذا الخصوص يرى الأنثروبولوجي شارل سانفورد أن البحث في نشاطات مبشِّري التخوم هو الذي يساعد على فهم أصول عقدة التفوق الأميركي، سواء ظهرت هذه العقيدة في مجال السياسة الخارجية، أم في ذلك الجهد المحموم لنشر طريقة العيش الأميركية على امتداد الكرة الارضية». لقد ازدهرت حول «التخوم» طائفة كاملة من الرموز الدينية، ما جعل عقائد الرواد الأوائل الغارقة بطوباوياتها تمتد حتى القرن التاسع عشر. لكن هذا كله لا يُظهر إلا جانباً واحداً من التجربة الإيمانية المنفردة التي عاشها الرواد الأوائل. ثمة مهاجرون آخرون كثيرون، لم يروا إلى العالم الجديد إلا كصحراء مأهولة بالكائنات الشيطانية. لكن ذلك لم يقلل من حماستهم الأخروية، إذ إن المواعظ الدينية التي كانوا يسمعونها يومياً كانت تقول لهم إن آلام الإبحار وعذاباته ليست سوى امتحان أخلاقي وروحي لابد منه قبل الوصول إلى الفردوس الأرضي الذي وعدوا به. كان الرواد الأوائل يعتبرون أنفسهم في وضع مماثل لوضع "الإسرائيليين" بعد عبورهم البحر الأحمر، تماماً مثلما كانوا ينظرون إلى حياتهم السابقة في إنجلترا وأوروبا، على أنها ضرب من العبودية المصرية. فكان لابد بعد الابتلاء الرهيب في الصحراء أن يدخلوا أرض كنعان. هكذا عبَّر كوتون ماذر بالقول: «إن البرية التي نجتازها من أجل الوصول إلى أرض الميعاد مليئة بالأفاعي النارية الطائرة».
وما من ريب، فإن اهتمام العلماء الغربيين بالطوباويات يكتسي دلالات عميقة في التجربة المشار إليها. يبدو ذلك مهماً إلى الحد الذي يمكننا معه القول إن هذا الاهتمام يشكل إحدى السمات المائزة للثقافة الأميركية المعاصرة. بالطبع ثمة أسباب عديدة لهذا الاهتمام. فهناك الفضول الذي تثيره المذاهب المسيحانية التي عصفت بالمجتمعات «البدائية» في العقود الأخيرة من العصر الاستعماري. ثم هناك الأبحاث الجديدة التي تناولت الحركات النبوئية في أوروبا القرون الوسطى. وهنالك بنحو خاص، التحليل الصارم للمضامين الدينية التي تكشفت عند استعمار أميركا. ذلك أن اكتشاف العالم الجديد واستعماره حصلا – كما سنرى لاحقاً – تحت ظلال العقائد الدينية الأخروية. والحال، أن متابعة مثل هذه الأبحاث وإثارة مثل هذه المسائل ينم على توجه فكري يقول لنا الشيء الكثير في ما يخص الوضع الروحي للإنسان الغربي المعاصر. ولنا أن نلاحظ منذ البداية أنه خلافاً للمنظومات التي تفسر الأحداث بحتمية تاريخية مادية ثمة شغف بيِّن في الغرب اليوم بأهمية العامل الديني كما قدمته النظريات الأميركية حول الدين المدني. لكن ما هو أعمق من ذلك من حيث المغزى ـ كما يرى عالم الأنتروبولوجيا المعاصر ميرسيا إلياد ـ هو الاهتمام «بأصول» العالم الغربي الراهن؛ أي بأصول الولايات المتحدة وشعوب أميركا اللاتينية – الأمر الذي يكشف عن غربة جامحة لدى مثقفي هذه القارة في العودة إلى الوراء بغية اكتشاف «تاريخهم الأوَّلاني»، و«بداياتهم المطلقة». والحال، أن هذه الرغبة في العودة إلى الاصول وفي استعادة وضع أوَّلاني، ينم أيضاً على الرغبة في استئناف البدء من جديد، وعلى الحنين إلى استعادة الجنة الأرضية التي كان أجداد الشعوب الأميركية قد قطعوا أهوال المحيط الأطلسي بحثاً عنها 11.
3 ـ الديني ـ العلماني في رحلة كولومبوس
حين كان يتهيَّأ لبلوغ ما يعتقد انه أرض المسيح المخلص لم يكن ينتاب كريستوف كولومبس أي شك في أنه قارب الوصول إلى الفردوس الأرضي. كان يعتقد أن التيارات المائية العذبة التي لقيها في خليج باريا إنما تنبع من الأنهار الأربعة التي تروي جنة عدن. لم يكن البحث عن الفردوس الأرضي، عند كولومبس، وهماً أو خيالاً، بينما كان هذا البحار الكبير يسبغ معانيَ ودلالات أخروية على اكتشافاته الجغرافية. كان العالم الجديد بالنسبة إليه أكثر من قارة جديدة تنفتح أمام نشر البشارة المسيحية. فاكتشاف القارة الأميركية الجديدة عنده هو في حد ذاته يحمل بعداً أخروياً.
آمن كولومبس أن النبوءة المتعلقة بنشر الإنجيل في كل بقاع الأرض، لا بد أن تتحقق قبل نهاية العالم الذي لم يكن يومه ببعيد. وها هو يؤكد في كتاب النبوءات (Book of Propheciès) أن هذا الحدث – أي نهاية العالم – سيكون مسبوقاً بافتتاح القارة الجديدة، وباعتناق الوثنيين المسيحية، وبالقضاء على المسيح المزيَّف. وكان الرجل قد ألزم نفسه القيام بدور رئيس في هذه الدراما الكبرى ذات الطابع التاريخي والكوني في آن12 .
في هذا الجو المفعم بالمسيحانية جرت البعثات العابرة للمحيطات، والاكتشافات الجغرافية التي خضَّت أوروبا الغربية وغيّرتها تغييراً جذرياً. ففي كل مكان من أوروبا اعتقد الناس بولادة جديدة وشيكة للعالم على الرغم من أن أسباب هذه الولادة الجديدة كانت متعددة وأحياناً متضاربة.
وللدلالة على التواصل الوطيد بين دنيوية التجربة الأميركية وبعدها اللاهوتي والميتافيزيقي تجدر الإحالة إلى حقبة التأسيس الأولى. فقد بدأ استعمار الأميركيتين تحت شعارات حملت رموزاً أخروية: كان الناس يرون أنه قد آن الأوان لتجديد العالم المسيحي، وأن التجديد الحقيقي إنما يكون في العودة إلى الفردوس الأرضي، أو على على الاقل، في استئناف بدايات التاريخ المقدس واستعادة الأحداث المذهلة التي يتحدث عنها الكتاب المقدس. لذا كانت أدبيات ذلك العصر، فضلاً عن المواعظ التي تلقى، والمراسلات التي تكتب، تزخر بالاشارات الفردوسية والآخروية. فالانكليز، مثلاً، كانوا ينظرون إلى استعمار أمريكا على أنه استعمار يستكمل ـ بحسب مدَّعاهم ـ ويتمِّمُ تاريخاً مقدساً كان قد بدأ مع عهد الاصلاح الديني. كما أن اندفاع الرواد الاوائل نحو الغرب كان يستكمل مسيرة الحكمة والدين الحقيقي التي كانت قد اندفعت من الشرق إلى الغرب.
من هذا النحو يكتب اللاهوتي الأنغليكاني، وليم كراشاو يقول «إن إله إسرائيل هو.. إله إنكلترا». الشيء نفسه عبر عنه أيضاً الشاعر الأنغليكاني جورج هبرت في ديوانه «الكنيسة المكافحة» بالقول: إن «الدين عندنا يقف على رؤوس أصابعه مستعداً للقفز نحو الشاطئ الأمريكي»13 .
كانت الولايات المتحدة، أكثر من أي أمة أخرى، نتاجاً من نواتج الإصلاح البروتستانتي الذي كان يبحث عن فردوس أرضي ويستكمل فيه إصلاح الكنيسة. وكانت الصلات القائمة بين الإصلاح واستعادة الفردوس الأرضي أمراً صدم عدداً كبيراً من الكتاب، ابتداء من هاينريخ بولينجر، وانتهاء بشارل ديمولان. فهؤلاء اللاهوتيون كانوا يرون أن الاصلاح من شأنه أن يعجل بحلول العصر الكبير: عصر الغبطة الفردوسية. لذلك لم يكن مستغرباً ملاحظة أن المعتقد الديني الشعبي الذي ساد في المستعمرات، كان يذهب في زعمه حد القول أن أميركا اختيرت من دون سائر أمم الأرض لتكون موئل المجيء الثاني للمسيح، وأن الألفية، على الرغم من طابعها الروحي في الأساس، ستكون مصحوبة بتحول الأرض تحولاً فردوسياً، باعتبارها علامة خارجية على اتمام الكمال الداخلي. هكذا كان للطهراني الأميركي المعروف «انكريز ماذر» الذي ظل رئيسا لجامعة هارفرد من 1685 إلى 1701، أن يقول: «حين يتسنى لمملكة المسيح أن تملأ الأرض قاطبة، سيكون لهذه الأرض أن تعود إلى حالتها الفردوسية»14 .
كما سبق أن أشرنا، فقد خضع المذهب الألفي الأخروي ومسألة انتظار الفردوس الأرضي إلى علمنة دهرية جذرية. وكانت أسطورة التقدم وعبادة كل ما هو جديد أهم ما أسفر عن ذلك من نتائج. وعلى الرغم من الصورة العلمانية الدهرية القاسية التي ظهرت بها هذه النتائج، فإننا نستشف من خلالها تلك الحمية الدينية وذلك الانتصار الأخروي اللذين كانا يلهمان الأجداد. وباختصار، فإن ما جمع بين الرواد الأوائل، والمهاجرين الذين أتوا في ما بعد من أوروبا، هو مسيرهم صوب أمريكا على أنها البلاد التي سيتسنى لهم أن يولدوا فيها من جديد، ثم يستأنفوا فيها بدء حياة جديدة. لهذا فإن «الجدة» التي ما زالت تبهر الأمريكيين حتى اليوم، إنما هي رغبة ذات أساسات ودعائم دينية. ففي الجدة يتطلع المرء إلى ولادة ثانية، ويبحث عن حياة جديدة. ولو نظرنا إلى مسمّيات الأماكن والمدن لتوضّح لنا مدى شغف الأميركيين بكل ما هو جديد ومفارق للمألوف. لنستعرض اللوحة التالية:
نيو إنجلاند (إنكلترا الجديدة) نيويورك (يورك الجديدة) نيوهافن (هافن الجديدة، أي السماء أو الجنة)، هذه الأسماء كلها لا تعبر فقط عن حنين المرء إلى مسقط رأسه الذي خلفه وراءه، بل تعبر أيضاً وبشكل خاص عن الرجاء في أن تكون الحياة على هذه الأراضي الجديدة وفي هذه المدن الجديدة ذات آفاق جديدة. وليست الحياة هي المعنية هنا وحسب: بل كل شيء، في هذه القارة التي اعتبرت بمنزلة الفردوس الأرضي، يجب أن يكون أعظم وأجمل وأشد بأساً. في إنكلترا –الجديدة التي وصفت بأنها «شبيهة بحدائق عدن»، كان يقال أن طيور الحجل هي من السمنة بحيث إنها لم تكن تستطيع الطيران، وإن الديكة الرومية تصل في عظمها إلى حجم النعاج14 . وهذا المنزع الأميركي نحو الأبهة والتفخيم، الديني أيضاً من حيث جذوره، نجده أيضاً حتى عند أصحاب العقول النيرة.
إن الرجاء بولادة ثانية في حياة جديدة، والتطلع نحو مستقبل ملؤه الغبطة والحبور، يتضحان أيضاً في عبادة الأميركيين لكل ما هو شباب. وبحسب شارل ل. سانفورد فإن الأمريكيين أخذوا منذ بداية التصنيع، يبحثون أكثر فأكثر، عن براءتهم المفقودة عبر أبنائهم. كما يرى المؤلف نفسه أن تمجيد كل ما هو جديد، والذي رافق الرواد الأوائل حتى «الغرب الأقصى»، قد عزز النزعة الفردية ورسخها في وجه السلطان، لكنه أسهم كذلك في بلورة قلة احترام الأميركيين للتراث والتاريخ16 .
لقد رأينا كيف كان الإيمان الديني حاضراً بقوة لدى المستكشفين الأوائل وهم يبحثون عن الفردوس الأرضي عبر المحيط. كانوا يعتقدون بأنهم يقومون بدور خطير في تاريخ الخلاص، وأن أمريكا صارت بعد تماهيها مع الفردوس الارضي، أفضل مكان لاستكمال الإصلاح الذي يُفترض أن ينجزوه بعد فشله المزعوم في أوروبا. وقد رأينا كذلك إلى أي حد كانت ولادة أميركا الحديثة نتيجة هذه الرجاءات المسيحانية وهذه الثقة بإمكانية تحقيق جنة الفردوس على الأرض.
3 ـ التأويل البروتستانتي للزمن "الما بعد علماني".
بقدر ما شكل الإصلاح البروتستانتي عبر لوثر وكالفن، حالة تماهٍ مع الحداثة، أطلق في الوقت عينه أزمنة من النزاعات المتمادية مع الكنيسة الكاثوليكية. كانت الإجراءات التأويلية على الكتاب المقدس محور هذه النزاعات، وإحدى أبرز تجلياتها. ولأن العملية التأويلية للنصوص الإنجيلية لم تكن لتأخذ مداها إلا في إطار التفاعل مع الواقع التاريخي لغرب الحداثة، فقد جاءت حصائِدُها متأثرة على نحو بيّنٍ بالعوامل السياسية، والثقافية، والإيديولوجية، والاقتصادية، الناجمة عن الصراعات التي شهدتها المجتمعات الغربية الداخلة للتو في فضاء التحديث 17. فلقد بدا بوضوح أن التحولات في الهرمينوطيقا الدينية ترافقت مع التطورات في التكنولوجيا بما لها من أثر بيِّن في حداث التحولات في أنماط العيش والكيفية التي ينظر فيها إلى العالم. أما النتيجة من كل ذلك، فهي انتشار التعليم، حتى بين الناس ذوي الوسائل المتواضعة والمعرفة المحدودة، وهكذا بدأ تعلّم الإنجيل باللغات الأم كالإنكليزية، والألمانية، والفرنسية، وغيرها. وحسب التأويلية اللوثرية فقد أصبح الإنجيل بعد الثورة التكنولوجية ملك كل إنسان، حتى في وظيفته العامة. لقد صار بإمكانه الابتعاد عن تعقيدات الدراسة، وتقييدات الكهنوت.ومع ذلك يبقى الاستعجال في إصدار حكم ما أمراً غير جائز. فلوثر كان عالماً قروسطياً بذات القدر الذي كان فيه مصلحاً. بل أكثر من ذلك فثمة من وجد لوثر لاهوتياً قروسطياً بامتياز، حين رفض تدريجياً القراءات الرمزية، والتشبيهية، معلناً أنها «ليست سوى قُمامة». علماً أنه لم تكن أي من أغراض لوثر تشبه أغراض توما الأكويني، ذلك أن اهتمامات رائد الإصلاح الحديث في المسيحية كانت منصبّة على إطلاق الحرية للإنجيل في التفاعل مع تجربة القارىء الذاتية، لا على تثبيت لاهوت الكنيسة وترسيخه كما فعل توما 18.
وبحسب فلسفة التأويل عند لوثر، يواجه القارىء النص وحده من دون تدخّل الكنيسة أو لاهوتها. كما يسعى لتجنب تعدد المعاني في النص. وفي محاضراته في جامعة وتنبرغ (1513-1514) أصرّ لوثر على أن يكون لكلّ تلميذ نسخة عن الإنجيل كمرجع خاص به. وكانت نصيحته لتلاميذه هي التالية: «التجربة ضرورية لفهم الكلمة، التي لا تتحصل بمجرد تكرارها أو معرفتها، بل بأن تعاش أو تُحسّ. وإذاً، فالكلمة المفتاح -عند لوثر كما يبيّن مؤِّولوه- هي التجربة، لا معرفة اللّاهوت أو تعاليم الكنيسة. ولذا فهو لم يقرأ الإنجيل كوقائع تاريخية، وإنما كانت قراءته كريستولوجية وذاتية. أي تلك القراءة التي تنتمي إلى ذلك النوع من اللّاهوت الذي يختص بيسوع المسيح من حيث هو إله وإنسان.ولذا فقد نحا لوثر نحواً استقرائياً يتغيّا من ورائه فهم ماهية الله بالنسبة للإنسان.
بعد لوثر سوف تبدأ مرحلة تالية من حركة الإصلاح البروتستانتي مع جون كالفن. سوى أن ما يتبدى من القراءة التاريخية لهذا الأخير، أنه لم يفارق لوثر في جوهر التعامل مع النص المقدس. بل عمد إلى استئناف الهرمينوطيقا الدينية تبعاً لمعطيات وشروط تطورات الحداثة..
يُعتبر كالفن شخصية الإصلاح الثانية بعد لوثر. ولكونه متمرساً بوصفه محامياً، فقد كان ذهنه أكثر تنظيماً من لوثر كما يزعم بعضهم. ومع قطع النظر عن مزايا تيَّاره الأصولي الذي عُرف فيما بعد بالكالفينية، فقد كان كالفن أكثر تكيُّفاً مع التعاليم الإنسانوية كالتي وجدناها عند إيراسموس. كانت قراءة كالفن للإنجيل تقوم على أرضية الانعكاس العقلاني والفهم الذاتي، والحس المشترك، وقد أكد ذلك بقوله: «بدون معرفة أنفسنا، فإن معرفة الله لن يكون لها مكان».
لم تبقَ أفكار جون كالفن محصورة في قلاع مغلقة. بل هي ستجد لها من علماء الاجتماع من يتولى تسييلها في مجال التفاعل السياسي والاقتصادي. ولعل أبرز من سيتولى هذه المهمة هو عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (1864- 1920). الذي يُنظر إليه كأحد أبرز وارثي الهرمينوطيقا الكالفينية. لكن أهمية الأفكار التي وضعها فيبر تعود إلى أنه مضى بعيداً في تأويل مذهب كالفن، ليبيّن أن الأخلاق البروتستانتية المرتكزة على لاهوت القضاء والقدر، سيكون لها الأثر الكبير في ولادة الرأسمالية. لا سيما لجهة ما ينطوي عليه مخزونها العَقَدي والإيماني من قدرة على تربية كائن بشري من نوعية خاصة، صفاته الزهد، والتوفير، والاستثمار. وعند هذه النقطة المفصلية بالذات يشير الفيلسوف الفرنسي ريمون آرون، فيما كان يدرس أفكار ثلاثة من علماء الاجتماع الذين ظهروا في نهاية القرن التاسع دوركهايم وباريتو وماكس فيبر) إلى أن الأفكار التي قدّمها هؤلاء، تنطوي على آراء حول العلاقات بين العلم والدين، وبين الفكر العقلاني والشعور، وفي الوقت نفسه، تبعاً لما يقتضيه الفكر العلمي العلماني، ولما تقتضيه الناحية الاجتماعية من ثبات ووفاق.
والحقيقة أن جميع كتابات فيبر العديدة والعميقة والواسعة حول الدين، بوجه عام، والمسيحية بوجه خاص، إنما كانت محاولات لتقعيد الرأسمالية على أسس علمية وكاملة إلى أقصى حد ممكن. ففي كتابه « الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية» يسعى فيبر لإثبات أخلاق خاصة بالبروتستانتية الزهدية. فقد كان ذلك، عنده، ضرورياً لأجل تأمين قدرة الرأسمالية الغربية على النمو. أما في كتابه «الخلق الاقتصادي في الأديان العالمية»، فإنه يبحث عن الكيفيات التي شكلت من خلالها أديان عالمية، كالكونفوشيوسية، والطاوية، والهندوسية، والبوذية حواجز أمام ظهور رأسمالية عقلانية شبيهة برأسمالية الغرب، وكيف أن اليهودية القديمة كانت، على العكس من ذلك، نقطة انطلاق عملية العقلنة التي ستبلغ ذروتها في الرأسمالية الحديثة.
ومهما يكن من أمر فإذا كان فيبر معروفاً على الأخصّ في دراسته المشهورة حول «الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية» (1905). فإن هذا العمل يقع في إطار مجموعة تحليلات مطوّرة حول الروابط بين الاقتصاد والدين. وهي تحليلات يُظهر فيبر من خلالها، أهمية ما للمعتقدات الدينية من تأثيرات اقتصادية، سواء كانت تلك المعتقدات متأتِّية من الكونفوشيوسية، أو الطاوية، أو الهندوسية، أو البوذية، أو اليهودية القديمة.
لم تبقَ العقيدة والإيمان الدينيان في التجربة التاريخية الأميركية ضمن علياء التجريد. كان على المؤسسين الأوائل ومن خَلَفَهُم فيما بعد، أن يبذلوا جهوداً استثنائية من أجل تسييل الاعتقاد في ثنايا الزمن السياسي والاجتماعي والاقتصادي. ولعل هذا الجانب هو أحد أبرز المزايا التي أسست للاختلاف بين الأطروحتين الأميركية والأوروبية. إن هذا الربط الوثيق بين العقيدة والسياسة سوف يُنتج ما يمكن وصفه بالميتافيزيقا السياسية للولايات المتحدة، حيث تظهر الإيديولوجيا هنا تجلياً فريداً للتجربة التاريخية في ما وراء المحيطات.
4 ـ العلمانية المتديِّنة
قد تكون المفارقة في المشهد التاريخي لحضورية الدين في القيامة الأميركية هو ـ على وجه التعيين ـ الزواج العجيب بين الدين والعلمانية. لقد لفت دانييل بيل الانتباه إلى ضرورة وجود علاقة متعالية تربط بين الأفراد بما فيه الكفاية، ليصبحوا قادرين، في حال الضرورة على تقديم التضحيات الضرورية بأنانيتهم. تلك «العلاقة المتعالية» أي الدينية يجب أن تحتل الموقع المخصّص للعقلانية، وهي ستعطي الشعوب معنى التضحيات التي ستطلبها منهم الليبرالية الجديدة. في حين يُظهر كثيرون حماسة، ليس فوقها حماسة لدى الحديث عن موقع الدين في النضال خلال المرحلة الليبرالية الجديدة. وفي حين يرى بعضهم في الدين «اليهودي المسيحي» مصدر «الرأسمالية الليبرالية» بالذات، ويبدون أسفهم لأن الكنائس تحولت اليوم إلى ما يشبه المؤسسات الخاصة والطوعية مما أفقدها الدعم العام، وجعلها عاجزة عن مواجهة خصومها. يذهب آخرون إلى أبعد من ذلك مثل مايكل نوفال ليصوغوا لاهوتاً حقيقياً للرأسمالية الديمقراطية هو، كالثالوث المقدَّس: ثلاثة نظم في نظام واحد: اقتصاد تسيطر عليه السوق، وتنظيم سياسي يحترم الحقوق الفردية في الحياة، ومجموعة من المؤسسات الثقافية التي تحركها مُثُل الحرية والعدالة للجميع. وإذ تنطلق « الرأسمالية الديمقراطية « من أعالي الثالوث على ما يبيِّن ايديولوجيو اللقاء الحميم بين الدين والليبرالية العلمانية - فإنها تعود وتنزل نحو التواضع والتجسد، وتصبح واقعية لأنها تعلم أنه «إذا كان الله قد أحبّ إلى أبعد الحدود أن يتعذَب ابنه الحبيب، فلماذا يجنبنا نحن العذاب؟ وإذا كان الله لم يرسل فيالق الملائكة لتغيير العالم من أجل ابنه، فلماذا نحلم بتغيير مفاجئ. لذا فالرجاء المسيحي - بحسب هؤلاء ـ هو رجاء واقعي، ومستعد لمواجهة القسوة والظلام، ومتيقِّظ تجاه قوى الضلال والخطيئة، وبشكل مشابه فإن دياسبورا الشعب اليهودي، معسكرات الإبادة في القرن العشرين مَنَحَا هذا الشعب غريزة واقعية عميقة، وجعلاه مستعداً لما هو أسوأ، لأن غياب الأوهام هو شكل راق من أشكال الوعي اليهودي والمسيحي19 .
يجد هذا التصدير الفلسفي - اللّاهوتي حجته في التأويل المسيحاني لجدلية الألم والتجسد. ويندرج ذلك في ما يقوله مفكرو البروتستانتية الكالفينية، من أن الحجة المتمثّلة في التجسد تكمن في احترام العالم كما هو، والاعتراف بحدوده ونواحي ضعفه، وكذلك جوانبه اللاعقلانية، وقواه الشريرة، ورفض الاعتقاد بالوعد القائل إن العالم سيتحول الآن، أو في المستقبل إلى جنة الله على الأرض. حتى الصراع الشرس الذي يخوضه الجميع في السوق الرأسمالية التي تودي بشكل مستمر بحياة ما لا يحصى من البشر، يجد تسويغه اللّاهوتي الكامل في الأمثال الإنجيلية الذكية. أفلم يسبق القديس بولس «الرأسمالية الديمقراطية» بقرون طويلة، حينما دعا المؤمنين إلى التنافس، وإلى أن يكونوا متنافسين»؟
وهكذا يخلص هذا النوع من التفكير الذي يشكل أحد الأسس الك