مقالاته
لبنان ساحةُ إملاء.. لا دولة إنشاء

نصري الصايغ

الثلاثاء 7 كانون لأول 2021

لبنان، ليس وطناً لأحد. إسمه الحقيقي هو الساحة. إنه ملتقى الأضداد والخصوم والأعداء. كلهم ها هنا. من أقصى البلاد إلى أدناها. هو كذلك منذ ولادته، فلا بأس إذاً، من دعوتهم جميعاً، الأعداء والأصدقاء، الى "كلمة سواء". لبنان مشتبكٌ حالياً، كما كان في مسلسل حوادثه، بين أعداء حقيقيين جداً. إنهم أعداءُ ألدّاء. نيرانهم مشتعلة في بؤر عربية كثيرة، ولم يفرغوا بعد من المحاصصة، في إنتظار تسويات تبدأ في واشنطن، ولا تنتهي في الخليج ولا في أي بؤرة مشتعلة، علماً أن الحروب المستدامة، تنتهي دائماً، بـ”سلام المخدوعين”، أو “سلام الجبناء”، لا سلام الشجعان. لبنان ذو اختصاص. هو ممر ومكان إقامة، مختصرة أو دائمة، ويشارك “أصدقاءه” و”أعداءه” في المهمات القذرة، وفي “الأفكار النبيلة” و”العقائد الباسلة”، الصالحة للتجارة والتنازل. باختصار، هذا هو الفرض المركنتيلي، الذي لم تشذ عنه الطوائف، المستعدة أن تنام دائماً في الفراش، لإنجاب تسوية مؤقتة، لقضايا بلا حل، أو لقضايا مزمنة. حتى الآن، ما زال لبنان، ولبنانيوه “البواسل”، في فراش عاقر، لا يُنجب حلاً، ولو مؤقتاً. لذلك لا بد من إستعجال فحولة الطوائف، كي تنجب حلولاً، وطبعاً، بمساعدة الحلفاء الأعداء.. ثبت دائماً، أن لبنان أمينٌ لتراثه المنكود. كل معاركه، إنتهت بتسوية، يُوقّع عليها “لبنانيون”، من دون أن يكون لهم فضل الإنشاء. إنهم يُفضلون الإملاء دائماً، على أن يتم ذلك، إما في فرنسا، قبل الإستقلال، وإما في سوريا، وإما في مصر، وإما في الطائف، وإما في سويسرا.. أما لبنان، فهو خريج كل هذه المدن التي نصحت زبائنها اللبنانيين، بالتوقيع والقبول بالقسمة، التي كانت تُحسّن حظوظ الطوائف المغلوبة في السلطة، بناء على تبعية مبرمة، لـ”الحليف الإلزامي”.
 
ولا مرة أبداً، كان الحل لبنانياً. لبنان بلد مباع. تتكلف الطوائفية بهندسة الحصص، حتى يرضى “الحلفاء” الذين يزينون السياسة اللبنانية، بأزياء الديموقراطية، التي لا تكون أبداً على القياس.. لبنان هذا، مستحيل أن يكون ديموقراطياً. الطائفية والديموقراطية، هما عدوّان حميمان. طبعاً، لا أحد يتحدث عن الخيانات. خيانات للدستور والقوانين والحرية والصدق والإستقامة. السبب، أن الطوائفية، حازت على صكوك ملكية مبرمة. هذا اللبنان، ليس إلا للطوائف. فلا بأس إذاً، من السعي إلى الإتفاق بسرعة، على سلام الطوائف، و”على الشعب السلام”. وعليه، لم يُعط المتحاربون إلا ما يستحقون. بعد “ثورة الـ 58″، أعطي السنة ما يطمحون. وبعد “الحرب اللبنانية الكبرى”، ما بين الـ 1975 والـ 1990، اخذت سوريا حصة الجميع، ولم يُطبق اتفاق الطائف، وربما لن.. واستعادت الطوائف حصصها، بالقسطاط، بعد أفول الزمن السوري. حسناً، ليكن اليوم كالأمس. لدى الطوائف المتخمة والجشعة، فرصة إيجاد تسوية، ولو عرجاء، بانتظار التسويات الكبرى، التي بدأت تدب وبسرعة، بين الـ 5 زائداً واحد، وبين إيران النووية، وبين السعودية وإيران في اليمن، وبين عرب التطبيع المتكاثرين واسرائيل، وبين أطراف المعارضة السورية والنظام، وبين القوى العراقية التي تفاجأت بالنتائج الإنتخابية، فانقض الخاسرون على اتهام الصناديق بالتزوير، وهذه عادة الدول المتخلفة، ببناها وأحزابها وطوائفها..
 
 
وبانتظار ما بعد أوكرانيا، وما ستسفر عنه الأحلاف الغربية لمحاصرة الصين ومحاربة سياساتها السلعية.. وبانتظار ما ستسفر عنه التغيرات في الموازين، بإمكان اللبنانيين، قبل الإنتخابات، أو بعدها مباشرة، الدعوة إلى عقد حوار طائفي، بين الطوائف، وإعادة توزيع الحصص، بشرط مسبق أولاً، يتيح لكل طائفة أن تعقد مع حليفها الإقليمي أو الدولي، وبواجب عدم نقل الصراعات الجارية ميدانياً إلى لبنان، أي، تحاربوا أينما تشاؤون، تخندقوا حيث تريدون، بشرط ألا تشعل نيرانكم الداخل اللبناني. إذاً، فلتأخذ كل طائفة حصتها ولتختر “حلفاءها”، على ألا تطلق نيرانها في الداخل. ولقد حدث ذلك ذات مرة. فإبان إندلاع العنف في سوريا، بعد يقظة “الربيع العربي”، إندفعت “السنية السياسية” وحلفاؤها في الداخل، إلى المشاركة، بطرق الدعم والتمويل والإعلام، وأحياناً بالمقاتلين السنة، فيما أسرعت “الشيعية السياسية”، و”حزب الله” تحديداً، إلى القتال الفعّال جداً.. حدث ذلك، الإعلام إنقسم بين مؤيد للنظام وبين مؤيد للمعارضة المسلحة، من دون أن ينقل الطرفان حربيهما إلى “الربوع الطائفية” في لبنان. نال لبنان حصته الضئيلة ولكن الموجعة، من العنف في سوريا. إنفجرت سيارات مفخخة لا سيما في عقر دار حزب الله في الضاحية الجنوبية، وفي القرى التي كانت على تماس جغرافي مع متطرفي “النصرة” و”داعش”.
 
تجربةٌ، يمكن تكرارها: إشتباك دام في الخارج، ومصافحة في الداخل، ثم، الجلوس معاً في الحكومة والمجلس و.. في اللوائح الإنتخابية. لبنان هذا معتاد أن تكون إنتخاباته مسمومة وسامة، فلا برامج ولا سياسات.. فقط، شد عصب طائفي إلى حدود ما قبل الإنفجار.
 
تأخرت القوى اللبنانية الطائفية كثيراً. إنهار الإقتصاد. إختنقت الليرة، تطايرت الأسعار، إفتقر الناس، أفلس المصرف، واحتالت مصارف، الناس فقدوا التنفس. عبء الجوع والمرض والدواء. يستحيل التخلص منه.. لبنان أفلس، ولكن لم يحضُر الدائنون بعد. ينتظر صندوق النقد الدولي وصناديق “الاشقاء الخليجيين” المقفلة. ساسة لبنان، لن ينجبوا حلولاً أبداً لمعالجة الإنهيار الكبير والمبرم، ولكن، بإمكانهم أن يتفقوا على حلول جزئية: فليفصل بين هموم الداخل الداهمة والمؤلمة، وبين مشكلات التحالفات مع “الأصدقاء” هنا، ومع “الأعداء” هناك. هل تستطيعون ذلك؟ أُطلبوا إذناً من شركائكم في الخارج، كي تلتفوا على “كلمة عرجاء موحدة” لا على “كلمة سواء” مستحيلة. هل الحوار مجدٍ؟ إنه مجدٍ، بشرط ألا يكون المطلوب، إقناع كل طرف لخصمه، بما يستحيل قبوله. هل تعرفون بعضكم بعضاً؟ الإعلام المستنفر والمستفز لا يأخذ بالاعتبار الفروقات الحاسمة والأساسية بين الفرقاء. تاريخ الطوائف في لبنان، ليس عابراً. الطوائف راسخة وذات سلالة متصلة بالتاريخ وأحداثه. الموارنة، منذ نشأة الكيان، وفي كل حقب استقلاله، ظهرهم للعرب ووجههم للغرب. إنهم يجدون في الغرب ملاذاً آمناً وفاعلاً ومشاركاً.. الشيعة دخلوا راهناً، يقومون بدور إزاء فلسطين، كما كان السُنّةُ من زمن قريب، تخلوا عنه في ما بعد، حماة القضية الفلسطينية وحاضنتها في بيروت.. تاريخ الطوائف في لبنان، وبنية معتقداتهم، لا تترك لهم مجالاً للتآخي الوطني، لذا، المطلوب دائماً، البحث عن صفقة، ترضي جميع الأطراف، ضمن الحدود الدنيا أو الأدنى. التعويل على الإنتخابات والتغيير عبث: “هذا حصرم رأيته في حلب”. نصيحة: “في العجلة السلامة، وفي التأني ندامة”. استعجلوا يا أرباب الطوائف. أنقذونا منكم. اتفقوا على زغل، كما هي عادتكم. نحن نتعهد بأن لا نحلم أبداً، ونعدكم بأننا سننصرف إلى معالجة انهياراتكم باللعنات فقط. لا قبضات لدينا لنوجهها إلى مواقعكم. من قال إن اليأس عاقرٌ. إن يأسنا منكم يدفعنا إلى أن نتخلى عنكم نهائياً. فقط، نريد أن نحيا بسلام. سنأكل خبزنا بعرق جبيننا، إذا تركتم لنا أرغفة. عذراً من الذين يحلمون. من الذين يزرعون الأمل. من الذين طلّقوا اليأس، من الذين سينتخبون، من الذين ما زالوا يراهنون، على وطن، علماني، ديموقراطي، يكفل المواطنة ويقدسها. عذراً إذا كنتُ أفكر بصوت عالٍ. لقد حملت وهماً كبيراً، وفوجئت في السبعين من عمري، أن أحلامي كانت سدى. سأبحث عن حائط أُسر إليه بأخطائي. الجدار صديق لا يسمع.