نصري سلهب: كان مسيحياً قبل مجيء المسيحية ومسلماً قبل مجيء الإسلام
المحامي عبد الحميد الأحدب
الجمعة 25 حزيران 2021
كنت في سنوات تدرُّجي الأولى في المحاماة! وكُلّفت بدعوى قانونية جمركية لم تكن أسسها قوية. وبذلت في دراسلتها جهداً أكبر مما يتخيله الذي هو في أول الطريق. وكان المرجع هو المجلس الأعلى للجمارك، وهو هيئة تشريع جمركية كما هو محكمة تبتّ في النزاعات الجمركية. وسار النزاع الجمركي الذي كُلّفت به، في اول وأصعب ايام حياتي المهنية لأنها كانت اول طريقي في المحاماة! وكان المرجع هو المجلس الأعلى للجمارك، محكمة، قُدِّمت اليها اللوائح وقَدَّمت نيابتها العامة اللوائح المضادة! وكان يرأس هذه المحكمة قاضٍ وعالِم نزيه يجمع الى ثقافته الحقوقية ثقافة دينية انسانية فيها كل الأديان! نصري سلهب الذي عُرِف بأنه رجل قانون ونزاهة وعِلمٍ وايمان!! ويمكنني أن أقول انني بذلت في تلك الدعوى اكثر مما بذلته في حياتي المهنية، فأول الطريق ضيق وصعب، وكان رئيس المحكمة نصري سلهب، قاضٍ له هيئة يصغي الى المرافعة ويظهر من اسئلته انه قرأ ودقق في المذكرات المقدمة!! وبعد انتهاء جلسة المرافعة، اشار لمرافعه ان يطلب مني الحضور الى مكتبه، وكانت جلسة من جلسات العمر، تعرفت خلالها على الإنسان الذي يجمع ويحفظ ويكرم كل الديانات والذي يعيش الله في قلبه وضميره. كنا نخرجه من كتبه ليستقبل الناس ويحادثهم ويلاطفهم ثم يعود آخر الليل لينام في أجفان الحروف.
على يديه تحولت الكتابة من مظاهرة الى لغة صوفية، وتحول الحب من غزوة بربرية الى صلاة، وتحولت الكتابة من قرقعة لغوية الى جملة حضارية.
حين التقيته لأول مرة تصورت انه طالع من كتاب، لم اصدق عيني! كان مرصعاً بالحروف والكلمات كجدار كنيسة بيزنطية معتق بالتاريخ.
تعرفت على التواضع والثقافات المعددة واستيعابها، وكانت جلسة من العمر! ولكنها انتهت بمفاجأة، اذ ابلغني انه يقدر الجهد الكبير الذي قمت به والدراسات والأبحاث، ولكن الدعوى خاسرة قانونياً! وكان بوده ان يكافئ جهودي ولكن النزاهة القانونية تَحُول دون ذلك! وصَدَر الحكم بردّ الدعوى.
واحترمت هذا الرجل الذي يقدر الجهد والتعب، ولكنه يبقى مقيداً بالقانون والعدل والحق والحقيقة!
ومرت الأيام، وكنت من المقبلين على المطالعة ومحبي القراءة، وكنت في تربيتي شاباً يفتح قلبه الى الرسالات السماوية الإسلامية والمسيحية! وقع بين يدي كتاب "في خطى المسيح" الذي كتبه نصري سلهب، وكنت اتابع دراستي وتعليمي في مدرسة "الفرير" المسيحية. وأقبلت على دراسة الدين المسيحي في المدرسة والدين الإسلامي في البيت لاسيما وأن جدي هو مفتي طرابلس ابراهيم الأحدب (الجد)، واستفدت في تنمية ثقافتي الدينية المسيحية من كل ما تعلمته في مدرسة الفرير، الى أن كان لقائي مع كتاب "في خطى المسيح" الذي كتبه نصري سلهب، ووجدت بين دفّتيه أكثر ما تعلمته عن المسيحية في اكثر من خمسة عشر سنة امضيتها في مدرسة "الفرير". ولكن الذي دخل الى قلبي من هذا الكتاب انني وجدت في "خطى المسيح" كثير من تعاليم الإسلام، وأُعجِبت بهذا القلم وهذه الثقافة التي تؤمن بإله المسيحيين والمسلمين، وكنت اول من اشترى كتاب "في خطى محمد" ثم "في خطى علي" وعبر هذه الكتب الثلاثة كوّنت ثقافة اخلاقية ودينية جعلتني أعتز كثيراً بنفسي واحاول عبرها ان اتغلب على الصعوبات التي تواجهني مستعيناً بفهم حقيقة رسالة محمد وحقيقة رسالة المسيح والمعاني الأخلاقية العظيمة التي تحتويها، وكان لكتاب "في خطى علي" اثر كبير على ثقافتي الإنسانية والأخلاقية، فهذا الرجل، علي بن أبي طالب، اكثر من عرف كيف يُدخل الأخلاق في رسالة المسيح ومحمد! ولا يمكن ان تقرأه دون ان يترك فيك اثراً.
وتصادقنا القاضي رئيس المجلس الأعلى للقضاء نصري سلهب والمحامي الشاب الذي أقبل على مؤلفات نصري سلهب عن "محمد" و "المسيح" و "علي" ليجد فيها ضالّته التي تعلّم فيها الخلق الكريم والتسامح والمحبة التي رسمتها خطى "محمد" و"المسيح" و"علي".
وكنا نتناقش كثيراً وكنت اشعر بالغنى في الحوار مع نصري سلهب لأن إله "محمد" و"علي" و"المسيح" يسكن في قلبه وعقله وضميره، وايمانه عميق، عميق ينقله الى من ينقصهم الإيمان او من يحتاجون اليه ولا يجدونه الا حين يسمعون احاديث وحكايات وتعاليم "محمد" و "علي" و"المسيح".
وشاءت الأقدار ان أُكَلَّف بدعوى جمركية اخرى، وكانت مشكلة بعد ان خسرت الدعوى الأولى، ذلك ان نزاهة نصري سلهب ستجعل مهمتي امام محكمته صعبة، لأن صداقة صدوقة ربطت بيننا، وسيكون صعباً، متشدداً في إحقاق الحق بسبب هذه الصداقة.
وكنت اكتب في "لسان الحال" مقالاً اسبوعياً ينبثق من ثقافتي وتربيتي ووطنيتي، ووجدت في كتب نصري سلهب عن "خطى محمد" و"خطى المسيح" و"خطى علي" "غيمة بيضاء" تفتح الشهية الثقافية على الكتابة، ولكن وقعت الواقعة بين القاضي النزيه الذي اذا امْتَدَحتَ خلقه وثقافته وإيمانه في مقالٍ أكتبه ويُنشر في "لسان الحال"، في وقت أترافع امامه في دعوى جمركية قانونية، سيصعب عليه ان يُعطي الحق لمن يستحقّه، خوفاً من ان يكون اعطاء الحق الى محامي الوكيل تكريماً او ايفاءاً له على ما كَتَب! وكنت متأكداً انه سيتنحى لمعرفتي بطباعه وأخلاقه.
ولكنني وجدت حلاً، وهو ان لا اكتب عن مؤلفات نصري سلهب الا بعد ان تنتهي الدعوى ويَصْدُر الحكم! وسارت الدعوى بمذكراتها ومرافعاتها الى ان صدر حكم اعطاني الحق فيما كنت ادافع عنه! فاستعدت حريتي وكتبت عن نصري سلهب المؤمن المتسامح الذي يسكن في قلبه وضميره "محمد" و"المسيح" و"علي". وكان لهذا المقال وَقْع كبير لدى نصري سلهب، واجتمعنا بعد الحكم، وبعد المقال، ليقول لي نصري سلهب: "لقد جعلت من نفسك من يكافئ نصري سلهب على ما كتبه، لقد نُشِر المقال بعد صدور الحكم، ولو كان قد نُشِر قبل ذلك لكنتُ تنحّيت. اما الآن فأنا اصدرت حكمي بحرية وعِلْم وخلق قبل صدور الحكم وأنت نشرت المقال بعد صدور الحكم، فعفى الله عما مضى".
فقلت له: "أدركت ذلك لأنني عرفتك وعرفت نزاهتك، ما كنتَ ستحكم لي بالدعوى الموكولة الي خشية ان تكون صداقتنا قد كان لها اثر في القناعة، لأن في ذلك ظلم، كنتَ ستتنحى".
وقال نصري سلهب: "أما وانني أَصدرتُ الحكم ولم أقرأ كلمة من المقال فأنا مرتاح الضمير!!! ولا أخفي ان الدعوى كانت كبيرة جداً".
وكان نصري سلهب يصف مردداً قول الإمام علي، يصف الوجهاء البعيدين عن فعل الخير "ظاهرهم أنيق وباطنهم عميق".
وعن المتخاذلين كان يردد قول الإمام علي: "انكم لكثير في الباحات قليل تحت الرايات". وكان يستعين بالرحمة حين يردد قول الإمام علي: "ان الله سبحانه لم يخلقكم عبثاً ولم يترككم سدى". وكان نصري سلهب من خيارات الرئيس فؤاد شهاب في القضاء الجمركي، وكان هذا وسام على صدره، وأيامها لم يكن الفاسدون إلا قلّة قليلة، ليس كهذه الأيام السوداء!! فكان معجباً بقول الإمام عن الفاسدين: "لا يعرف باب الهدى فيتبعه ولا باب العمى فيصد عنه" وكان رجال ذلك الزمن الجميل رجالاً، "كلامهم بيان وصَمْتُهم لسان".
وكانت الحرب ضروساً بين علي والخوارج، ولكن الإمام كان يقول: "لا تقاتلوا الخوارج بعدي فليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه".
وكانت ثقافة نصري سلهب فيها عناوين من القرآن الكريم: "إنّا ارسلناك بالحق بشيراً ونذيراً"؟
كان يفهم المعنى البعيد للقول القريب في "خطى المسيح ومحمد وعلي". وكان يخاف الله بالإيمان والضمير ويردد ان الله "يعلم سركم وجهركم".
وكان قلبه كبيراً يستوحي الآية التي تقول: "إنّه عليم بذات الصدور" وكان يردد: "ان الله لا يُضَيِّع أجر المحسنين".
في هذه الأيام السوداء التي ننتظر صدور جرائد الصباح لنعرف ما اذا كنا في عداد الموتى ونستعيد ذكرى نصري سلهب، لعلنا نستضيء من خلقه وعلمه ما يضيء امامنا هدى السبيل. رحم الله نصري سلهب الذي يسكن اليوم في الجنّات التي تجري من تحتها الأنهار وينظر الى ما فعله اللبنانيون بأنفسهم حين تخلوا وتنكّروا لتعاليم فؤاد شهاب، فجاءت جهنم اليهم مع "ابو الجميع".
هذا الزمن مضرج بالبشاعة والفضائح والخيانة والذنوب، هذا الزمان الذي فيه الرجولة الى غروب.