مقالاته
بين الكفر والإيمان

نصري سلهب

الثلاثاء 15 حزيران 2021

في اليوم الرابع عشر من شهر شباط 2005 امتدّت يدُ الغدر والحقد والكفر إلى رفيق الحريري لا لتقتله فحسب، بل لتسحقه وتجعل من جسده ذرات متناثرة في الفضاء لكي لا يبقى منه أثر، إذ لم يعد له مكان في لبنان وهو الذي تجرّأ فأغضب مَن على رأسه التاج وفي يده الصولجان!
 
 
كان رفيق الحريري سيسياً محترفاً وكان له، شأن كل سياسي في كل زمان ومكان، معارضون موالون، مبغضون ومحبّون، أولئك انتقدوه وهؤلاء امتدحوه، وظلّت الأمور على الرغم من حدّتها أحياناً، في نطاق المعقول والمتعارف عليه في الدول الديمقراطية ولبنان منها، بحمد الله.
 
 
ولكن رفيق الحريري، بعد اغتياله، أصبح أسطورة تجاوز إشعاعها حدود لبنان إلى البعيد البعيد، وكان ما كان.
 
 
*** 
عندما وقعت الواقعة واكتشف اللبنانيون هول الجريمة واطّلعوا على بعض جزئياتها وعلموا – مثلاً – أن ذاك التفجير المدمر استوجب ألف كيلوغرام من المتفجرات، فإنّ الألسنة تحرّرت من عُقلها وراحت، تُلقي بالمسؤولية همساً وبالوشوشة ثم جهراً وعلناً، على الأجهزة الأمنية السورية العاملة في لبنان والمتعاونة  تعاوناً وثيقاً مع الأجهزة الأمنية اللبنانية، وجميعها، يحرّكها، وفقاً لأوامر دمشق، السيئ الذكر رستم غزالي، «حاكم لبنان» في ذلك الزمن الأسود المخضّب بالدماء.
 
 
الراجح أن لجنة التحقيق الدولية ستُعلن في غد ليس  ببعيد ما تجمّع لديها من أدلة وقرائن تجيز لها تحديد المسؤوليات. إذاك تبيضّ وجوه وتصفّر وجوه!
 
 
فلنترك لهذه اللجنة أن تضطلع بمسؤولياتها ولننتقل، في هذا المقال، إلى محتوى آخر، ذي علاقة وُثقى بالرابع عشر من شباط.
 
 
في هذا اليوم، كما يعرف إخواني القراء، يقع عيد القديس فالنتان، وهو عيد الحب بمعناه الشمولي وبمدلوله الإنساني، لأنه عيد المحبين والمحبات، خلاله يتحول العالم إلى مرج يموج بالورود الحمراء وقد تعرّت من أشواكها وأبدلتها بالمخمل الحريري الرقيق.
 
 
في هذا اليوم – الرابع عشر من شباط – يجلس الحب على عرشه ويتحلّق حوله المحبون وينشدون معاً نشيد المحبة والحب.
 
 
فهل تنبه أولئك المجرمون الذين قرروا وأعدوا ونفذوا تلك الجريمة النكراء، أنهم، في 14 شباط – أي في عيد الحب والمحبة – قتلوا الحب والمحبة ورفعوا الأحقاد والبغضاء إلى الذروة؟ هل تنبهوا أنهم، بجريمتهم الإرهابية، جعلوا من لبنان يتيماً هائماً على وجهه يفتّش عن ماضيه في حاضره فلا يجد سوى بؤس وشقاء، طالما أن أولئك المجرمين الذين قرروا وأعدوا ونفّذوا تلك الجريمة لا يزالون يختبئون وراء دخان كثيف من صنع أيديهم.
 
 
إن لبنان، بعد اغتيال رفيق الحريري ورفاقه، أصبح لبنان آخر. حسبنا أن نذكر ونتذكّر ما عاناه باسم فليحان، الرجل الميت – الحي المحروق في كل أنحاء جسده ووجهه والذي، بعد عذاب طويل، أسلم نفسه لخالقها والتحق بقافلة الشهداء الأبرار الذين أزهقت أرواحهم لكونهم مارسوا المحبة في وطن المحبة، فانتصبت البغضاء في طريقهم وسددت إليهم الضربة القاضية.
 
 
وكأنّ دماء رفيق الحريري وباسم فليحان ورفاقهما لم تكفِ لإرواء غليل أولئك الأشرار العطاشى إلى دماء الأبرياء، فإذا بهم يُنزلون الموت تفجيراً بسمير قصير ثم جورج حاوي وأخيراً جبران تويني.
 
 
ولكن لبنان، رغم احتراق أجزاء كثيرة من جسده، ورغم ما عاناه ويعانيه من عذاب، لن يموت لأنه وطن المحبة ويحمل في صلبه عناصر خلوده.
 
 
ما استطاعت الأحقاد والبغضاء، عبر التاريخ، أن تنتصر على الرحمة وعلى المحبة، وإلا لما كان هنالك مسيحية ولا إسلام، ولا كان مسيح ولا محمد، ولا كان مجتمع بشري، بل دَغْل تسرح فيه الوحوش ذوات المخالب والأنياب ويسقط فيه الضعيف فريسة للقوي.
 
 
من أجل ذلك سوف يستعيد لبنان قوته وفضاءه، ويعود، كما كان، قبل العهد السوري البائد، قوياً بكنائسه ومساجده، بإنجيله وقرآنه، بمسحه ومحمده، وسيعود اللبنانيون، جميع اللبنانيين، إلى قلب الله، ويعود الله إلى قلوبهم.
 
 
*** 
يؤلم اللبنانيين الأوفياء لوطنهم، وهم كثرة، بحمد الله، أن يروا بعض مواطنيهم يقفون إلى جانب الجلاد ضد الضحية.
 
 
وهل في وسع مؤمن يتقي الله ويوم الحساب أن يكون إلى جانب الجلاد ضد الضحية؟
 
 
في الواقع إن سعد الدين الحريري، لكي لا نذكر غيره، بسعيه الدؤوب إلى معرفة الحقيقة – إلى معرفة مَن قرّر وأعدّ ونفذ اغتيال والده – إنما تصرف ويتصرف بوحي من إيمانه بالله وبكتاب الله القائل: «وقضى ربّك ألاّ تعبدوا إلاّ إياه وبالوالدين إحساناً. إما يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا (الإسراء، 23 – 24).
 
 
إن سعد الحريري، نشأ وترعرع وشبّ في بيت الإيمان. وذلك الإيمان تمثل في والده الشهيد الذي لو لم يكن مؤمناً أصيلاً، لما كان وجد لدى خادم الحرمين الشريفين ذلك العطف الخاص الذي جعله يحظى بالجنسية السعودية دون التنازل عن جنسيته اللبنانية.
 
 
وهذا الشاب المؤمن بالله وباليوم الآخر خلف أباه سياسياً، لاقتناعه بأن وفاءه لأبيه نابع من إيمانه، وهو، لهذا السبب، يطلب عدالة لا ثأراً.
 
 
ما أعظم إيمان هذا الشاب! وما أقبح كفر أعدائه!
 
 
*** 
مشكلة لبنان الكبرى أنه ذو نظام إيماني احتله وعبث به، خلال خمس عشرة سنة، نظام كفْري، فغدا ساحة لصراع الضدين: الإيمان والكفر.
 
إن أولئك القوم الذين حكموا لبنان من 1990 إلى 2005 هم قوم غير مؤمنين بالله وباليوم الآخر، وقد آثروا كتاباً صادراً عن بشر على الكتاب الذي أنزله الله، عز وجل، هدى ورحمة للعالمين. هذا بالإضافة إلى أن أولئك القوم هم حواصل انقلابات عسكرية دامية جعلتهم يؤمنون بالدبابة والموقع أكثر من إيمانهم بالكنيسة والمسجد. إن هدير المدفع – عندما يُستخدم في الداخل – يطربهم أكثر مما يطربهم جرس الكنيسة أو آذان المؤذّن. فقبل أن يخضبوا أيديهم بضحايا لبنانيين دشّنوا شهيتهم بمواطنيهم في مدينة حماه حيث بلغ عدد الضحايا حوالى عشرين ألفاً سقطوا مضرّجين بدمائهم تحت أنقاض منازلهم، وذنبهم الكبير أنهم شهدوا - بشيء من المغالاة - «أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله».
 
 
*** 
اللهم، يا أرحم الراحمين، رد عن لبنان شر الأشرار، وكفر الكافرين، إنك، اللهم، على كل شيء قدير.
 
 
 
 
 
 
*هذه المقالات غير منشورة وقد كتبت في زمن يتوافق مع الاحداث المذكورة ضمن المقال..وننشرها بعد وفاة الكاتب نصري سلهب الذي عايش الاحداث وحللها في ذلك الوقت.
 
*إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً