مقالاته
وطني دائماً على حق

نصري سلهب

الإثنين 7 حزيران 2021

في 5 ايلول 1998 – أي منذ حوالى سبع سنوات – أدلى بيار حلو، بوصفه رئيس الرابطة المارونية، بحديث إلى جريدة «الحياة» عالج فيه الأسباب التي ادّت إلى «الإحباط الماروني» فذكر، بصورة خاصة، قانون الانتخاب «غير العادل» في طليعة تلك الأسباب، مُعلناً «تفضيله للدائرة  الصغرى» ومشيراً إلى أن «المسيحي في لبنان يُعامل وكأنه خسر الحرب»، ومُلمحاً إلى أن اتفاق الطائف ما كان يمكن أن يكون لولا موافقة البطريركية المارونية والرابطة المارونية والكتائب و«القوات».
 
 
... وتمرّ السنون حاملة معها الهموم والآلام إلى أن قررت الشقيقة سوريا، منذ فترة رفْع الفيتو عن بكركي، فأعطت الضوء الأخضر للوزير سليامن فرنجية الراغب في «إرضاء البطريرك الماروني وهواجس المعارضة، وخصوصاً المسيحيين»، فعمد إلى إعداد مشروع القانون الغني عن التعريف والذي وافق عليه مجلس الوزراء وأحاله على المجلس النيابي لإقراره. وهكذا يكون الوزير فرنجية، حسب قناعته، قد أسهم في رفع الظلم عن أبناء دينه وطائفته من خلال قانون يحلّ محل القانون «غير العادل» الذي أشار إليه رئيس الرابطة المارونية في حديثه المار ذكره.
 
 
ثم حلّ عيد الفصح فقام الرئيس العماد بالزيارة التقليدية لبكركي حيث اختلى بالبطريرك الماروني وشاع أن الرئيس، خلال تلك الخلوة، وعد البطريرك بالسعي إلى رفع الغبن اللاحق بالمسيحيين، عموماً، وبالموارنة خصوصاً، عن طريق إقرار مشروع «قانون فرنجية».
 
 
في تلك الأثناء كان الرئيس نبيه بري قد أصبح القائد الأعلى للجبهة اللبنانية الموالية لسوريا، فاتخذ من عين التينة مركزاً عاماً لقيادته. فعندما بلغه ما جرى بين الرئيس والبطريرك لم يستطع، حسبما أُشيع، إخفاء استيائه، وبما أنه، يوم الأربعاء من ذلك الأسبوع، لم يقم بزيارته التقليدية للقصر الجمهوري، فقد تولى الرئيس لحود الاتصال به هاتفياً ليطمئنه ويؤكّد له أن رغبات دمشق كانت ولا تزال ولسوف تظل في أعلى سُلم أولوياته. ذلك على كل حال، ما ذكرته الصحف.
 
 
بعد بضعة أيام أعلن الرئيس بري، من مركز القيادة العليا، أنه يؤيد المحافظة مع النسبية. ثم وجه إلى المعارضة نوعاً من إنذار علني يقول فيه، حسبما ذكرته الصحف: «إما المحافظة والنسبية في أيار وإما القضاء في أيلول».
 
 
كان واضحاً أن الرئيس بري يتكلم كمن على رأسه التاج وفي يده الصولجان، وأنه لا يقيم وزناً «لقانون فرنجية»، ولا يعير أي اهتمام لما جرى بين الرئيس والبطريرك المارونيين.
 
 
... وبدا على الرئيس العماد أنه استسلم للقدر العاتي، فاعتصم بالصمت. ولكن الوزير فرنجية تضايق نفسانياً، كما ظهر ذلك جلياً في مؤتمره الصحفي الذي أُورد منه هنا الفقرات التالية: «لا استطيع أن أتراجع عن قانون انتخاب قدمته وأنا مقتنع به. فليأت غيري ويسحبه. لقد حاولت أن أعمل ما يرضي أكثرية الشعب اللبناني. إن التوجه كان مع القضاء، وكان هنالك أكثرية وتوافق وطني عليه. كنت دائماً، حاور لإرضاء البطريرك وهواجس المعارضة وخصوصاً المسيحيين. ولكني طلعت لا مع ستي بخير ولا مع سيدي بخير» (انتهى التصريح).
 
 
للوزير فرنجية أقول بكل بساطة وصراحة ما يلي: «ليس المهم أن يطلع المرء مع سيده أو مع سته بخير. ولكنّ المهمّ، بل الأهم، أن يطلع المرء بخير مع «قناعته» وضميره ومع كرامته. فأ،ت لست صنيعة السوريين، وليسوا هم أولياء نعمتك. ذلك أنك ابن بيت له في الوجاهة والزعامة عرقٌ عريق. ثم إنك شرجل أبيّ لم تمد يدك إلى معجن الدولة لتختلس منهأرغفة معدة للشعب اللبناني المقهو. لا، يا معالي الوزير، إن السوريين لم يشتروا ولاءك لأنك لست من أولئك «الأصدقاء» الذين باعوا أنفسهم للشيطان.
 
 
من أجل ذلك يغدو من واجبك، لا من حقك فحسب، أن تتعامل مع السوريين معاملة ندّ مع ند، لا معاملة تابع مع متبوع، أو مرؤوس مع رئيس. فعندما يطلبون منك، مباشرة أو بالواسطة، أن تتراجع عن قانون قلت عنه أنك «مقتنع به» وأنه «يرضي أكثرية الشعب اللبناني» فهل يجوز لك أن تطأطئ الرأس وتستسلم؟ 
تذكر، يا معالي الوزير، أنك لبناني، قبل كل شيء، وأن جدك – الذي تحمل اسمه – هو صاحب القول الشهير: «وطني دائماً على حق».
 
 
هذا من جهة، ومن جهة ثانية ألست ترى أن إقدام الرئيس بري على رفض «قانون القضاء» وعلى دفْنه قبل ولادته، يشكل عدم اكتراث للبطريرك الماروني؟ أفلست ترى أن عزمه على سحب هذا القانون يشكل عدم اكتراث لك أنت بالذات؟
 
 
 
*** 
 
من سوء حظ لبنان، بكل طوائفه ومذاهبه، أن الأقدار الظالمة غيبت عنه وةجهاً مشعاً كريماً هو الإمام موسى الصدر الذي بقي ويبقى حياً في ضمائرنا وقلوبنا. لقد كان فوق الاعتبارات الطائفية والمذهبية، زيّنه الله بمزايا وفضائل عز لها في هذا الزمان نظير. ولقد كان نصير لبنان، كل لبنان، وأجلّ من أن يتلقى تعليمات من الخارج، أياً كان ذلك الخارج. لكأن الشاعر قصده، هو بالذات، عندما قال:
 
 
سيذكرني قومي إذا جد جدهم وفي الليلة الظلما يفتقد البدر
 
 
ومن سوء حظ الموارنة، بصورة خاصة. أن الرئيس نبيه بري «لا يحملهم في قلبه»، كما يقول الغربيون. ولقد ظهر ذلك جلياً، ولو بصورة غير مباشرة، في الخطاب الذي ألقاه بتاريخ 1/9/1985 الذي ورد في الفقرة 4 منه ما يلي: «المساواة التامة بين اللبنانيين وإلغاء الطائفية السياسية. وبصورة موقتة، وبانتظار تحقيق ذلك، يصار إلى تشكيل مجلس رئاسي من 6 أشخاص يترأسه مداورة رئيس جمهورية يستبدل كل سنة، مع رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب، يختارون من الطوائف الست الأساسية». (انتهى النص).
 
واضح، من خلال ما ورد في الفقرة 4 أعلاه، أن الرئيس بري يرمي – من خلال كلمة حق أريد بها باطل – إلى كسر التقليد المنبثق من الميثاق الوطني القاضي بأن تكون رئاسة الجمهورية لماروني.
 
 
... ثم، للمرة الثانية، عبر الرئيس بري عن «محبته» للموارنة في تصريح له قال فيه ما معناه: «لا نريد العودة إلى عهد البطريرك الحويك».
 
 
وأخيراً تجلت تلك «المحبة» بأبهى مظاهرها في انقضاض الرئيس النبيه البارّ على مشروع قانون فرنجية فسدد إليه الضربة القاضية مع معرفته بأن ذلك القانون أعدّ لرفع الغبن اللاحق بالمسيحيين عامة، وبالموارنة بصورة خاصة، وأن بعض الوزراء التزم به تجاه البطريرك الماروني.
 
 
***
 
أعود الآن إلى الوزير فرنجية لأنقل إليه ما أوردته ال صحف الصادرة في 11/4/2005 في شأن موقف الوزيرين الياس سكاف وإيلي الفرزلي اللذين رفضا، قطعاً، الاشتراك في حكومة «عين التينة».
 
 
قال إيلي سكاف: «كنا التزمنا في الحكومة السابقة أن يكون القانون على أساس القضاء، وتعهدنا بذلك أمام سيد بكركي. وإذا غيّرنا موقفنا نكون على نقيض مع توجهات القاعدة الشعبية التي يعود لها الكلمة.. إن قرار النسبية مع المحافظة متخذ بصورة مسبقة، ولا يمكنني أن أشارك في حكومة تُفبرك قانوناً لست موافقاً عليه» (انتهى التصريح).
 
 
ذلك، أيضاً، في الأساس، وبالاختصار، موقف الوزير إيلي الفرزلي.
 
 
فعلى الوزير فرنجية أطرح السؤال البسيط التالي: «هل تريد أن تُسهم في إضعاف بكركي وفي الحد من إشعاعها الروحي والوطني والإنساني؟ هل تريد أن تتنكر للإرشاد الرسول؟ ولنفرض أنك ظفرت بوزارة الصحة لك وبحقيبة أخرى لسايد عقل فكيف ستصوّت في المجلس النيابي؟ هل ستصوّت لصالح المحافظة وضد القانون التي أنت أعددته واقترن باسمك؟ ألا تكون، إن فعلت، قد قضيت على نفسك بنفسك؟ ألا تكون قد بعت قناعتك وكرامتك بمركزين وزاريين؟
 
 
 
 
*هذه المقالات غير منشورة وقد كتبت في زمن يتوافق مع الاحداث المذكورة ضمن المقال..وننشرها بعد وفاة الكاتب نصري سلهب الذي عايش الاحداث وحللها في ذلك الوقت.
 
*هذه المقالات غير منشورة وقد كتبت في زمن يتوافق مع الاحداث المذكورة ضمن المقال..وننشرها بعد وفاة الكاتب نصري سلهب الذي عايش الاحداث وحللها في ذلك الوقت.