مقالاته
بعد العاصفة

نصري سلهب

الخميس 20 أيار 2021

الآن، وقد هدأت العاصفة بعض الهدوء، وخفت ولولة الرياح، بانتهاء المعركة الانتخابية، في وسع المرء أن يُبدي أفكار من شأنها أن تساعدنا جميعاً، على العودة إلى الواقع اللبناني الذي أُرغمنا، خلال المعركة، على نسيانه، فتهنا، مرشحين وناخبين، في دهاليز مظلمة أبعدتنا عن الهدف المنشود.
 
 
ليس في وسع مؤمن يتقي الله أن يعلِن – مهما أكره نفسه على التفاؤل – أن تلك الانتخابات كانت في المستوى الذي ينشده شعب عطش إلى وحدة حقيقية في الله وفي الوطن وإلى التحرر من طائفية دفينة، بل من مذهبية خبيئة متغلغلة كالسرطان في النسيج الوطني.
 
 
*** 
 
 
لقد عشنا في لنبان حقبة استثنائية مترجرجة دامت من سنة 1990 – تاريخ وضع اتفاق الطائف موضع التنفيذ وإطلاق يد سوريا في لبنان – إلى سنة 2005.
خلال هذه الحقبة – كما الأمر معروف – توالى على رأس السلطة الإجرائية سياسيون معروفون، كما توالى فيها عدد من الوزراء، المعروفين هم أيضاً، بأسمائهم وانتماءاتهم الحزبية والعقائدية.
 
 
أولئك القوم كانوا جميعهم، دون استثناء، من أصدقاء سوريا الحميمين المقربين والمؤيدين لسياستها ولوجودها في لبنان تأييداً مطلقاً.
 
 
 
***
 
لست أحسب أن في لبنان لبنانياً واحداً مؤمناً بالله وباليوم الآخر يُنكر على الرئيس سليم الحص سلامة تفكيره ونظافة كفه ونزاهة قصده. فلقد ترك «السياسة» لأربابها وخصص ما تبقى من حياته – أطالها الله – للعمل الوطني المتحرر من الغوغائية المملة الرتيبة. فلنصغِ إلى بعض ما أعلنه في مؤتمره الصحفي المعقود في الثامن من حزيران الجاري.
 
 
قال الرئيس الحص، في ما قال: «أؤيد الدعوات إلى فتح ملفات الماضي وإجراء محاسبة شاملة عن البلايا التي أورثتها خمسة عشر عاماً من الممارسات على أيدي الطبقة الحاكمة ومِن ورائها الطبقة السياسية منذ أن وضعت الحرب القذرة أوزارها عام 1990. فالمطلوب بصورة موجزة، محاكمة الطبقة السياسية في لبنان. إن أجهزة الاستخبارات اللبنانية والسورية كان دورها في مسيرة الفساد والإفساد. ولكن الحملة المنهجية المنظمة التي تشنّ هذه الأيام لتحميل تلك الأجهزة كل تبعات هذا الواقع الرديء ما هي إلا لصرف الأنظار عن أدوار المسؤولين الحقيقيين عن هذه الأوزار والبلايا التي حلت بلبنان أثناء توليهم مسؤوليات الحكم.. إن الدستور اللبناني أناط السلطة الإجرائية تحديداً بمجلس الوزراء. وقد تعاقب على السلطة حكومات لها رؤساؤها ووزراؤها. هؤلاء هم المسؤولون دستورياً، ولو أنهم كان لهم شركاء متواطئون معهم ومن فيء الحكم مستفيدون.. يقال إن أجهزة الاستخبارات تدخلت في شؤون لا تعنيها! وهذا لا يعفي مسؤولية الحكومات عن أجهزة الاستخبارات.. ويقال إن الإدارة حالت دون الإنجاز بفسادها وعقمها، ولكن هذا لا يحل الحكومات من مسؤولياتها عن الإدارة وإصلاحها. وأنا شخصياً [الكلام للرئيس الحص، طبعاً] كنت على رأس إحدى تلك الحكومات ما بين 1998 و 2000. وإني أضع نفسي وأعضاء حكومتي في تصرف التحقيق، مرحباً بفتح كل ملفات تلك الحقبة... مَنْ المسؤول عن الدين العام المتفاقم ومَن المسؤول عن الفساد والإفساد؟: كيف تراكم الدين العام إلى حدود الأربعين مليار دولار، فأوقع مالية الدولة في حلقة مفرغة بين عجز مستحكم ودين متعاظم. كان الدين العام، سنة 1990، يبلغ أقل من مليار واحد. فكيف قفز إلى حدود الأربعين مليار بعد 15 عاماً؟! إن لبنان أضحى أكثر بلدان العالم فساداً، حيث الفساد مستشرٍ في السياسة والإدارة، ولم يسلم منه حتى القضاء. إنه بلد أضحت فيه الرشوة أشبه بمؤسسة ونمط حياة. وبات للمسؤولين، سياسيين وإداريين، قصور منيفة وليس مَن يسأل كيف هبطت تلك النعمة عليهم، وكثرة منهم معروفون بأصولهم المتواضعة مادياً. مَن المسؤول عن تعطيل هيئات المساءلة والمحاسبة والرقابة في الإدارة؟ لا بل مَن المسؤول عن إفسادها؟ لا بد من تأليف هيئة لبنانية عُليا من الحكماء للتحقيق. ومن الطبيعي أن يُسمّي المجلس النيابي هذه الهيئة ويمنحها أوسع الصلاحيات...» (انتهى الحديث، «الحياة، 8 حزيران 2005، ص 2).
 
 
**** 
 
إن هذه الانتخابات كما يعرف إخواني القراء، أفرزتْ نجماً جديداً اسمه سعد الحريري.
 
 
فليسمحْ لي الشيخ سعد أن أقول له، بكل محبة، ما يلي: «لقد أعطاك اللبنانيون الكثير. أعطوك ما لم يُعطوا أحداً من قبلك. ومَن يعطَ الكثير يطلب منه الكثير. إنك، حالياً رئيس أكثرية نيابية مطلقة. ومنذ أيام قليلة بدأت لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الشهداء رفيق الحريري ومرافقيه أعمالها في لبنان. فلنتركْها تقوم بواجباتها، راجين إلى الله أن يمكّنها من جلاء غوامض تلك الجريمة النكراء وتحديد المسؤولين عنها، تقريراً وإعداداً وتنفيذاً، وللنتقل، الآن، إلى هموم المواطن اللبناني المقهور الذي يعيش، منذ سنين، على حافة الفقر والذي يريد، هو، أن يعرف مَن اغتال الأموال العامة، ومَن جعل عجز الخزينة يصل إلى أربعين مليار دولار، ومَن مارس الإهدار والرشوة والخوّة والسمسرة والصفقات المشبوهة التي أدت، خلال 15 سنة إلى إرهاق لبنان بدين لم يعرف له مثيلاً منذ الاستقلال إلى اليوم.
 
 
إن المسؤولين، معنوياً وأخلاقياً، على الأقل، عن هذه الكارثة المالية هم رؤساء السلطة الإجرائية والوزراء الذين توالوا على حكم لبنان من 1990 إلى 2005، أولئك القوم ينبغي أن يُسألوا ويساءَلوا ويحاسَبوا ويحاكموا، إذا أثبت التحقيق الجدي النزيه أنهم ضالعون، من قريب أو من بعيد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في اغتيال مال الشعب اللبناني المقهور والمنكوب بحكامه أكثر من نكبته بالغرباء.
 
 
طوال تلك السنين الخمس عشرة من 1990 إلى 2005 – كان العماد ميشال عون يقيم في المنفى الإكراهي، فهو، إذن، بريء كل البراءة مما جرى من إهدار رهيب خلال تلك الحقبة «حقبة الفساد والإفساد» كما سماها كثيرون، وفي طليعتهم دولة الرئيس سليم الحص.
 
 
ذلك هو أيضاً، وضع أعضاء «قرنة شهوان» الذين، طوال تلك الحقبة، لم يشتركوا في الحكم، لا من قريب ولا من بعيد، بل، على العكس، إنهم، في أكثر من بيان، وجهوا انتقادات عنيفة إلى المسؤولين، ولم يسلم الرئيس الحريري نفسه من انتقاداتهم.
 
 
إن أول عمل يجدر بك أن تعمله هو تأليف «حكومة إصلاح» لا يكون من أعضائها وزراء اشتركوا في حكم لبنان طوال حقبة «الفساد والإفساد». ذلك أنه لا يجوز للمرء أن يكون حكماً ومتّهماً في آن واحد.
 
 
أسارع إلى القول – منعاً لكل سوء منهم ولأي التباس – إني لا أعتبر أن جميع الوزراء الذين تعاقبوا في الحكومات من 1990 إلى 2005 هم، لا سمح الله، مرتكبون أو غير شرفاء أو مهملون. ولكني أقول إن التحقيق الجدي الدقيق النزيه هو الذي يحدد المسؤوليات ويعين المسؤولين، في مستوى رؤساء الحكومات والوزراء والمدراء العامين وسواهم.
 
 
وعلى هذا الأساس وانطلاقاً من هذا المبدأ أجيز لنفسي أن أوصيك بألا ترأس أنت ولا أحد من أصدقائك «حكومة الإصلاح» ذلك أن الرئيس الحريري كان طوال ست سنوات من تلك الحقبة، رئيساً للحكومة. وهو لم ينجُ، في حينه، من هجمات المهاجمين وها هوذا الرئيس سليم الحص – كما سبق القول – يعلن، بصراحة، أنه «شخصياً كان على رأس إحدى الحكومات ما بين 1998 و2000، وأنه يضع نفسه وأعضاء حكومته في تصرف التحقيق مرحباً بفتح كل ملفات تلك الحقبة» (انتهى النص).
 
 
إن لبنان، والحمد لله، غني بالرجال الشرفاء والأكفاء الحياديين – منهم ينبغي أن تؤلف «حكومة الإصلاح»؛ ومنهم ينبغي أن يكون رئيسها، ومنهم ينبغي أن تؤلف لجنة التحقيق، مع صلاحيات واسعة ينيطها بها المجلس النيابي.
 
 
وهنالك أيضاً وخصوصاً «المسؤولون السياسيون والإداريون الذين باتوا يملكون قصوراً منيفة، وكثرة منهم معروفون بأصولهم المتواضعة مادياً. إن التحقيق مع أولئك القوم واجب وطني. فعليهم أن يجيبوا عن سؤال أساسي بسيط: مِن أين لهم تلك القصور؟ وما هي أرصدتهم في المصارف؟ ومِن أين أتت تلك الأرصدة؟
 
 
أما قادة الأجهزة الأمنية الذين أُبعدوا عن مراكز قياداتهم وكل من حامت حوله شبهة جدية أو ف احت منه رائحة كريهة ينبغي، وجوباً، إخضاعهم لتحقيق دقيق صارم. فتنزل بهم أقسى العقوبات إذا أثبت التحقيق مسؤوليتهم وضلوعهم في أعمال تشكل جرائم تعاقب عليها القوانين المرعية الإجراء أو يعاد إليهم اعتبارهم إذا أثبت التحقيق أنهم أبرياء.
إن مصلحة آل الحريري وأصدقائهم تقضي بأن يجرى التحقيق الجدي العلمي النزيه الصارم بغية تحديد المسؤولين عن إهدار الأموال العامة. ذلك أن الرئيس الحريري كان طوال ست سنوات من تلك الحقبة، رئيساً للحكومة. وهو لم ينج كما سبق القول، من اتهامات المتهمين.
 
 
فإذا لم يجرَ مثل هذا التحقيق أو إذا أجري بإشراف حكومة يترأسها سعد الحريري أو أحد أخصامه فإن أهل الأرَب سيطلقون العنان لألسنتهم التي كالنار، تلتهم الأخضر واليابس. ولاتَ ساعة مندم.
 
 
***
 
يطيب لي أن أختم هذا المقال بكلمة صادرة عن القلب وموجهة إلى العزيزين نسيب لحود وسليم سلهب اللذين، مثلي، ارتويا من مياه بعبدات العذبة وانتعشا بهوائها العليل.
فيا عزيزيّ نسيب وسليم في الانتخابات الأخيرة فاز أحدكما وخسر الآخر، ففرحت وأسفت في آن معاً. كم كنت أود أن أكون في بعبدات لأطبع قبلتين على خدي كل منكما. ولكن القدر فوق قدرتي، وسأغادر هذه الدنيا والدمعة في عيني. ولا يعزيني سوى أملي في أنكما ستتعاونان، كأخوين، من أجل خير بعبدات ولبنان.
 
 
أمد الله بعمر كل منكما وفرش دربكما – الدرب الواحدة – بالورود والياسمين.