«إن الله غفور رحيم»... إلى آل كرامي الكرام
نصري سلهب
السبت 15 أيار 2021
«... بالنسبة إلى سمير جعجع: إني لا أدّعي أن الرجل بريء، بل أجزم بأنه مظلوم. والظلم نقيض العدالة. والعدالة تعني المساواة، أي معاملة المواطنين على حد سواء. فأين هم قتلة حسن خالد وصبحي الصالح وكمال جنبلاط وبشير الجميل ورينه معوض؟ فهل أن سمير جعجع وحده صلب لبنان؟
«وهل يجوز لنا أن ننسى أن سمير جعجع كان، في المحتوى المسيحي، أحد أحجار الأساس في بناء الطائف؟
«إن الإسلام، كما أنزله الله في كتابه الكريم، وكما عاشه النبي العربي والراشدون من خلفائه، يوجز بكلمة واحدة: الرحمة.
«وإني لواثق كل الثقة بأن آل كرامي ليسوا ضد الإفراج عن سمير جعجع لأنهم قوم نبلاء كبار النفوس، خيّرون ومسلمون صحاح أقحاح، يعيشون إسلامهم على حقيقته، رحمة وتسامحاً وغفراناً (انتهى النص).
تلك فقرات من مقال لي في «النهار» تاريخ 23 نيسان 2004، أي منذ أكثر من سنة.
وأعلن هنا اليوم أني لا أزال ولسوف أظل واثقاً من أن آل كرامي هم قوم نبلاء كبار النفوس، خيرون ومسلمون صحاح أقحاح يعيشون إسلامهم رحمة وتسامحاً وغفراناً.
***
كان عبد الحميد كرامي، رحمه الله، مثالاً للمسلم المؤمن. اتخذ من كتاب الله وسنة رسوله منارة تضيء أمامه سبيل الخير والعمل الصالح. وكانت زوجته، رحمها الله، أماً فاضلة تقية أشع الإيمان من حولها، ومن ذينك الينبوعين الكريمين ارتوى الرشيد وعمر والآخرون فكانوا، بدورهم مناراة خير.
فليسمحوا لي أن أذكّرهم – وهم يعرفون ذلك مثلي، بل أكثر مني – بأن لله، عز وجل، في القرآن الكريم تسعاً وتسعين صفة. غير أنه، عز وجل تكراراً، آثر واحدة منها على الباقيات فشاء أنيوصف في إطلالته على المؤمنين، بالرحمن الرحيم ليدرك هؤلاء أن الرحمة هي حجر الأساس في الإسلام. وهكذا فإن سور القرآن، باستثناء واحدة – (هي سورة التوبة أو البراءة) – تبدأ «بسم الله الرحمن الرحيم».
إن كل مسلم تقي، قبل أن يُلقي عظة أو يوجه كتاباً أو يأتي أي عمل، يلتفت، بضميره وحنانه، إلى الله ويردد خاشعاً: «بسم الله الرحمن الرحيم». وبهذه البسملة يأتي عمل المؤمن وقوله مُشبعين بالرحمة.
والرحمة ينبوع فضائل. فالإحسان والعفو والصبر والعدل تنبع جميعها من الرحمة.
والإحسان – كالحسنة – هو الفعل الحسن أي العمل الصالح:
- «إن الله يأمر بالعدل والإحسان» (النحل: 90).
- «من جاء بالحسنة فلها عشر أمثالها» (الأنعام: 160).
- «واعفُ عنهم واصْفح. إن الله يحب المحسنين» (هود: 115).
- «وإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم. وإن أسأتم فلها» (الإسراء: 7).
وإذا كان الإسلام يجبر المعاقبة بالمثل – العين بالعين... – فإنه يُؤثر الصبر ويدعو إلى العفو والمغفرة:
- «وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين». (النحل: 126).
- «وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم» (التغابن: 14).
- «وجزاء سيئة سيئة مثلها. فمن عفا وأصلح فأجره على الله» (الشورى: 40).
- «وإن تعفوا أقرب للتقوى» (البقرة: 237).
****
حتى هذا اليوم قضى سمير جعجع في «سجنه الخاص» - السجن المظلم الهدام – إحدى عشرة سنة. وهو الوحيد – بين الذين اشتركوا بأحداث لبنان المؤلمة – الذي فُرض عليه أن يعيش طوال تلك السنين كما عاش العبيد الأرقاء في عصور الظلمة.
فليسمحْ لي آل كرامي أن أقول لهم بكل محبة ما يلي: إن لم نغفر لمن أساء إلينا فإن الله لن يغفر لنا. وهل على أرض الله الواسعة بشر ليس بحاجة إلى رحمة الله وغفرانه؟
- «فلْيعفوا وليصفحوا. ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم» (النور: 22).
- «واعفُ عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا» (البقرة: 286).
- «... غفرانك ربنا وإليك المصير» (البقرة: 285).
- «سابقوا إلى مغفرة من ربكم» (الحديد: 20).
إن القضية، في جوهرها وماهيتها، ليست بين آل كرامي وبين سمير جعجع. إنها بين آل كرامي وبين الله، «الرحمن الرحيم الغفور الذي يحب المحسنين» والذي أكد، في كتابه الكريم، أن المغفرة والرحمة والصبر فضائل جوهرية في المسلم المؤمن الذي يتقي الله ويحسب ليوم الحساب حساباً.
أجل. إن القضية بينهم وبين رسول الله ونبيه الذي قال: «اتقوا الظلم فإنه ظلام يوم القيامة».
والظلم نقيض العدالة، والعدالة تفرض المساواة. فهل هنالك مساواة بين سمير جعجع وبين قتلة كمال جنبلاط وبشير الجميل ورينه معوض وحسن خالد وصبحي الصالح؟!
وهل أن نفس رشيد كرامي ستكون مطمئنة وراضية مرضية إذا بقي سمير جعجع في سجنه مدى الحياة بسبب موقف آل كرامي الرافضين العفو عنه؟
وهل أن آل كرامي أنفسهم يعتبرون أنهم – برفضهم العفو والمغفرة – يتصرفون وفق أمر الله المؤمنين في كتابه الكريم؟
***
إن قضية سمير جعجع كما يفهمها المؤمنون، لا تحل وفق معطيات زمنية سياسية لأنها تمت بصلة وثقى إلى روح الإسلام الذي أنزله الله، الرحمن الرحيم، هدى ورحمة للعالمين. إنها تتجاوز الدنيا إلى الآخرة، تلك التي قال عنها الله، مخاطباً نبيه ورسوله: «وللآخرة خير لك من الأولى» (الضحى: 4). فأية آخرة يريدها آل كرامي لأنفسهم؟ وهل أن بقاء سمير جعجع في سجنه المظلم المدمر حتى آخر يوم من عمره يفتح أمامهم باب الجنة ويؤمن لهم رضوان الله ورحمته وغفرانه؟
«غُفرانك ربنا، وإليك المصير».
*هذه المقالات غير منشورة وقد كتبت في زمن يتوافق مع الاحداث المذكورة ضمن المقال..وننشرها بعد وفاة الكاتب نصري سلهب الذي عايش الاحداث وحللها في ذلك الوقت.
«... بالنسبة إلى سمير جعجع: إني لا أدّعي أن الرجل بريء، بل أجزم بأنه مظلوم. والظلم نقيض العدالة. والعدالة تعني المساواة، أي معاملة المواطنين على حد سواء. فأين هم قتلة حسن خالد وصبحي الصالح وكمال جنبلاط وبشير الجميل ورينه معوض؟ فهل أن سمير جعجع وحده صلب لبنان؟
«وهل يجوز لنا أن ننسى أن سمير جعجع كان، في المحتوى المسيحي، أحد أحجار الأساس في بناء الطائف؟
«إن الإسلام، كما أنزله الله في كتابه الكريم، وكما عاشه النبي العربي والراشدون من خلفائه، يوجز بكلمة واحدة: الرحمة.
«وإني لواثق كل الثقة بأن آل كرامي ليسوا ضد الإفراج عن سمير جعجع لأنهم قوم نبلاء كبار النفوس، خيّرون ومسلمون صحاح أقحاح، يعيشون إسلامهم على حقيقته، رحمة وتسامحاً وغفراناً (انتهى النص).
تلك فقرات من مقال لي في «النهار» تاريخ 23 نيسان 2004، أي منذ أكثر من سنة.
وأعلن هنا اليوم أني لا أزال ولسوف أظل واثقاً من أن آل كرامي هم قوم نبلاء كبار النفوس، خيرون ومسلمون صحاح أقحاح يعيشون إسلامهم رحمة وتسامحاً وغفراناً.
***
كان عبد الحميد كرامي، رحمه الله، مثالاً للمسلم المؤمن. اتخذ من كتاب الله وسنة رسوله منارة تضيء أمامه سبيل الخير والعمل الصالح. وكانت زوجته، رحمها الله، أماً فاضلة تقية أشع الإيمان من حولها، ومن ذينك الينبوعين الكريمين ارتوى الرشيد وعمر والآخرون فكانوا، بدورهم مناراة خير.
فليسمحوا لي أن أذكّرهم – وهم يعرفون ذلك مثلي، بل أكثر مني – بأن لله، عز وجل، في القرآن الكريم تسعاً وتسعين صفة. غير أنه، عز وجل تكراراً، آثر واحدة منها على الباقيات فشاء أنيوصف في إطلالته على المؤمنين، بالرحمن الرحيم ليدرك هؤلاء أن الرحمة هي حجر الأساس في الإسلام. وهكذا فإن سور القرآن، باستثناء واحدة – (هي سورة التوبة أو البراءة) – تبدأ «بسم الله الرحمن الرحيم».
إن كل مسلم تقي، قبل أن يُلقي عظة أو يوجه كتاباً أو يأتي أي عمل، يلتفت، بضميره وحنانه، إلى الله ويردد خاشعاً: «بسم الله الرحمن الرحيم». وبهذه البسملة يأتي عمل المؤمن وقوله مُشبعين بالرحمة.
والرحمة ينبوع فضائل. فالإحسان والعفو والصبر والعدل تنبع جميعها من الرحمة.
والإحسان – كالحسنة – هو الفعل الحسن أي العمل الصالح:
- «إن الله يأمر بالعدل والإحسان» (النحل: 90).
- «من جاء بالحسنة فلها عشر أمثالها» (الأنعام: 160).
- «واعفُ عنهم واصْفح. إن الله يحب المحسنين» (هود: 115).
- «وإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم. وإن أسأتم فلها» (الإسراء: 7).
وإذا كان الإسلام يجبر المعاقبة بالمثل – العين بالعين... – فإنه يُؤثر الصبر ويدعو إلى العفو والمغفرة:
- «وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين». (النحل: 126).
- «وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم» (التغابن: 14).
- «وجزاء سيئة سيئة مثلها. فمن عفا وأصلح فأجره على الله» (الشورى: 40).
- «وإن تعفوا أقرب للتقوى» (البقرة: 237).
****
حتى هذا اليوم قضى سمير جعجع في «سجنه الخاص» - السجن المظلم الهدام – إحدى عشرة سنة. وهو الوحيد – بين الذين اشتركوا بأحداث لبنان المؤلمة – الذي فُرض عليه أن يعيش طوال تلك السنين كما عاش العبيد الأرقاء في عصور الظلمة.
فليسمحْ لي آل كرامي أن أقول لهم بكل محبة ما يلي: إن لم نغفر لمن أساء إلينا فإن الله لن يغفر لنا. وهل على أرض الله الواسعة بشر ليس بحاجة إلى رحمة الله وغفرانه؟
- «فلْيعفوا وليصفحوا. ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم» (النور: 22).
- «واعفُ عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا» (البقرة: 286).
- «... غفرانك ربنا وإليك المصير» (البقرة: 285).
- «سابقوا إلى مغفرة من ربكم» (الحديد: 20).
إن القضية، في جوهرها وماهيتها، ليست بين آل كرامي وبين سمير جعجع. إنها بين آل كرامي وبين الله، «الرحمن الرحيم الغفور الذي يحب المحسنين» والذي أكد، في كتابه الكريم، أن المغفرة والرحمة والصبر فضائل جوهرية في المسلم المؤمن الذي يتقي الله ويحسب ليوم الحساب حساباً.
أجل. إن القضية بينهم وبين رسول الله ونبيه الذي قال: «اتقوا الظلم فإنه ظلام يوم القيامة».
والظلم نقيض العدالة، والعدالة تفرض المساواة. فهل هنالك مساواة بين سمير جعجع وبين قتلة كمال جنبلاط وبشير الجميل ورينه معوض وحسن خالد وصبحي الصالح؟!
وهل أن نفس رشيد كرامي ستكون مطمئنة وراضية مرضية إذا بقي سمير جعجع في سجنه مدى الحياة بسبب موقف آل كرامي الرافضين العفو عنه؟
وهل أن آل كرامي أنفسهم يعتبرون أنهم – برفضهم العفو والمغفرة – يتصرفون وفق أمر الله المؤمنين في كتابه الكريم؟
***
إن قضية سمير جعجع كما يفهمها المؤمنون، لا تحل وفق معطيات زمنية سياسية لأنها تمت بصلة وثقى إلى روح الإسلام الذي أنزله الله، الرحمن الرحيم، هدى ورحمة للعالمين. إنها تتجاوز الدنيا إلى الآخرة، تلك التي قال عنها الله، مخاطباً نبيه ورسوله: «وللآخرة خير لك من الأولى» (الضحى: 4). فأية آخرة يريدها آل كرامي لأنفسهم؟ وهل أن بقاء سمير جعجع في سجنه المظلم المدمر حتى آخر يوم من عمره يفتح أمامهم باب الجنة ويؤمن لهم رضوان الله ورحمته وغفرانه؟
«غُفرانك ربنا، وإليك المصير».
*هذه المقالات غير منشورة وقد كتبت في زمن يتوافق مع الاحداث المذكورة ضمن المقال..وننشرها بعد وفاة الكاتب نصري سلهب الذي عايش الاحداث وحللها في ذلك الوقت.