مقالاته
من أجل الحقيقة والتاريخ

نصري سلهب

الإثنين 14 حزيران 2021

كثُرت التعليقات على خطاب الرئيس الدكتور بشار الأسد، ولم يخرج المعلقون عن المألوف في مثل هذه الأمور: فئة باركت وفئة لعنت، وفئة ثالثة في منزلة بين المنزلتين.
 
 
غير أن الخطاب، بصورة عامة، تميز بكمية لا يستهان بها من التناقضات، خصوصاً عندما سعى الرئيس الشاب إلى التوفيق بين اتفاقية الطائف وبين القرار 1559، وعندما، من جهة ثانية، أراد أن يُثبت، ولو بصورة غير مباشرة، أنه ليس صدام حسين، ومع هذا فقد وجّه إلى «السياديين» بعض التهديدات المبطنة التي لا تُنبئ بالخير، إذا «تغير الطقس».
 
 
والشيء المؤسف في الخطاب أنه – بدلاً من أن يحلّ المشكلة – عقّدها من جديد عندما قرر إعادة انتشار الجيش إلى البقاع، كمرحلة أولى ، ثم سحْبه حتى الحدود اللبنانية السورية، لا إلى الداخل السوري. كل ذلك دون أن يكلّف نفسه عناء تحديد مهلة معينة لذلك الانسحاب. هذا فضلاً عن أنه لم يأتِ على ذكر «الأجهزة» - وهي سبب كل علة.
 
 
إني، كمواطن لبناني، أترك الجزئيات والتفاصيل لأحصر البحث في فقرتين من الخطاب قد تكونان، في رأيي المتواضع، أهم ما ورد فيه. تانك الفقرتان هما التاليتان:
 
 
1 - «إن سوريا دخلت إلى لبنان لمنع التقسيم».
 
 
2 - «لأن القوات السورية أنْهت مهمتها في العام 1990... إن آخر طلقة أُطلقت في العام 1990 عندما توحدت بيروت».
 
 
فلنستعرض كلاً من هاتين الفقرتين:
 
 
1 – سوريا ومنع التقسيم: يؤسفني أن أرى نفسي مرغماً على القول إن هذا الكلام – الخاص بمنع التقسيم – يتنافى إطلاقاً مع الحقيقة التاريخية. ولسوف تُثبت الوقائع، لاحقاً، أن دخول سوريا عسكرياً إلى لبنان، عام 1976، كان غير شرعي وشكّل اعتداء سافراً على كيانه. ومن هنا بالذات نبعت جميع المشاكل. ولو كان دخولها، في الأصل شرعياً لما وصلنا إلى القرار 1559.
 
 
يعرف القاصي والداني أن سوريا دخلت عسكرياً إلى لبنان – عام 1976 – بناء لطلب حزب «الكتائب اللبنانية». ولقد جرى ذلك أثناء زيارة قام بها الشيخ بيار الجميل، على رأس وفد كتائبي، إلى دمشق، بتاريخ 6 كانون الأول 1975، بناء على دعوة وُجهت إليه من الرئيس حافظ الأسد. (يراجع، في هذا الصدد كتاب Le piège الصادر في فرنسا عام 1991، لكريم بقرادوني، الشاهد العيان، إذ كان عضواً في الوفد الكتائبي).
 
 
أثناء الزيارة قال الشيخ بيار للأشقاء السوريين: «إذا كنتم راغبين في المضي قُدماً فإني لا أطلب منكم إلا أمراً واحداً؛ أن تستعيد الدولة اللبنانية هيبتها وسيادتها».
 
فأجابه الرئيس الأسد: «... الأهم الآن هو أن نتوصل، إلى وقف النار وحقن الدماء. أما الباقي فإننا ندرسه في الغد القريب برؤية صافية».
 
كان الرئيس السوري يعرف – كما الملأ يعرف – أن «الجبهة اللبنانية» أصبحت، بعد أشهر كثيرة من القتال في وضع حرج جعلها تطلب التدخل السوري. ذلك ما كانت الشقيقة سوريا تتوقعه وتأمله: أن يطلب المسيحيون مساعدتها. وفي الواقع شاع الرأي القائل أن سوريا تدخلت عسكرياً في لبنان «لمساعدة المسيحيين».
 
 
ذلك كان ظاهر الأمور بالنسبة إلى الشقيقة سوريا، ولكنّ باطنها كان غير ذلك.
 
 
*** 
في أول حزيران 1976 دخل الجيش السوري إلى البقاع وإلى شمال لبنان. عمل صفقت له الجبهة اللبنانية وأدانته «الحركة الوطنية» والمقاومة الفلسطينية وتصدتا له سياسياً وعسكرياً».
 
 
في 4 تموز 1976 أجرى محمود رياض، أمين عام جامعة الدول العربية، محاولة يائسة بغية وقف القتال الدائر، آنذاك، بين الجيش السوري والفصائل الفلسطينية واليسارية اللبنانية وعُقد في صوفر اجتمانع حضره عبد الحليم خدام وياسر عرفات.. واحتدم النقاش بين هذين الأخيرين واكفهرّ الجو...
 
 
*** 
ليس على أرض الله الواسعة عاقل يصدّق أن الشقيقة سوريا، بدخولها العسكري إلى لبنان (عام 1976) واصطدامها، ميدانياً وسياسياً، بـ«الحركة الوطنية» وبمنظمة التحرير الفلسطينية، قد فعلت ذلك إكراماً لوجه الله. فلا ريب أنها، عندما اقدمت على تلك الخطوة المحفوفة بالأخطار، كانت تبغي بلوغ هدف يرتدي، بالنسبة إليها طابع الأهمية والخطورة القصوى. فالشقيقة سوريا ليست جمعية خيرية. هي ليست «أخوية الحبل بلا دنس» أو «أخوية مار منصور»، نذرت نفسها لعمل الخير وإغاثة الملهوفين لتربح أجراً عند الله. وهي لم تدخل إلى لبنان عسكرياً – مع ما ترتب على ذلك من عواقب وأخطار – لكي تجلو عنه، فيما بعد، فارغة اليدين، كأن شيئاً لم يكن. هذا مع ضرورة التذكير بأنها، قبل أن تخطو الخطوة الأولى، سعتْ إلى الحصول – وحصلت فعلاً – على موافقة أميركا، حليفة إسرائيل المطلقة.
 
 
فما غايتها، والحالة هذه، من دخولها العسكري إلى لبنان؟ الجواب عن هذا السؤال نجده في الوقائع التالية: بتاريخ 11/7/1976 – أي بعد انقضاء حوالى أربعين يوماً على دخول سوريا عسكرياً إلى لبنان – أُنشئت، بسعي من العميد ريمون اده، «جبهة الاتحاد الوطني» وتشكّلت نواتها من الرؤساء عبدالله اليافي وصائب سلام ورشيد كرامي وأحمد الداعوق ورشيد الصلح، ومن العميد اده والنواب حسن الرفاعي، مخايل الضاهر، علي الخليل، ألبير منصور، عبد المجيد الرافعي، جميل كبّي، أمين بيهم ونجيب قرانوح.
 
 
بتاريخ إنشائها أعلنت «الجبهة» وثيقتها التي ستعمل على تحقيقها، بموجب البيان التالي: «على اثر التطورات الخطيرة الحاصلة على الساحة اللبنانية لجهة محاولات تقسيم البلاد واحتلال أجزاءمنها، كان لا بد من تجميع الجهود للتصدي بجبهة سياسية موحدة لهذه الأخطار التي تهدد سيادة لبنان ووحدته.
 
 
وقد تم الاتفاق بين الذين تمكنوا من الالتقاء وإجراء المحادثات في ما بينهم على إنشاء «جبهة الاتحاد الوطني»، فوقعوا وثيقة تتضمن أهداف هذه الجبهة معتبرين أن الموقعين هم نواتها في انتظار استكمال الاتصالات».
 
 
وفي ما يلي نص الوثيقة:
 
 
«نحن الموقعين أدناه، قد اتفقنا على إنشاء «جبهة الاتحاد الوطني» التي تضع في رأس اهتماماتها الملحة في الظرف الراهن الأهداف الأساسية الآتية:
 
 
أولاً: الحؤول دون تقسيم لبنان أو تجزئته أو التنازل عن أي قسم من أرضه، وإبقاؤه جمهورية ديموقراطية عربية سيدة حرة مستقلة.
 
 
ثانياً: العمل من أجل انسحاب الجيش السوري من كل الأراضي اللبنانية والمطالبة بتنفيذ قرارات الجامعة العربية.
 
 
ثالثاً: تأكيد وجوب تقيد المقاومة الفلسطينية بكل فصائلها بتنفيذ الاتفاقات المعقودة مع الدولة اللبنانية وكل ملحقاتها احتراماً للسيادة اللبنانية.
 
 
بيروت في 11 تموز 1976. (انتهى النص).
 
ثم، في اليوم نفسه، وجّهت «الجبهة» برقية عاجلة إلى مجلس الجامعة العربية الذي انعقد في اليوم التالي. وفي ما يلي نص البرقية: «السيد محمود رياض...
 
 
لمناسبة اجتماع مجلس الجامعة العربية غداً الاثنين (12/7/1976) للبحث في قضايا لبنان، ترجو «جبهة الاتحاد الوطني» أن تأخذوا علماً بالأسس التي اتفق على وضعها رأس اهتماماتهم الملحة في الظرف الراهن».
 
 
وأُرفقت البرقية بميثاق الجبهة. ووقع هذه البرقية موقعوا ميثاق: الجبهة باستثناء الرئيس رشيد كرامي الذي اتصل به العميد ريمون اده من اجل ذلك. فأبلغه كرامي أنه يفضل أن يتحرك تجاه الجامعة العربية كرئيس للحكومة اللبنانية، وأنه سيقوم بالدور المترتّب عليه في هذا الخصوص.
 
 
*** 
أمران يلفتان النظر في «الوثيقة» المار ذكرها:
 
1 - «الحؤول دون تقسيم لبنان أو تجزئته أو التنازل عن أي قسم من أرضه».
 
 
2 - «العمل من أجل انسحاب الجيش السوري من كل الأراضي اللبنانية».
 
 
واضح أن هذين الأمرين المتلازمين يشكلان تهمة موجهة إلى سوريا موجزها أن هذه الأخيرة – مستفيدة من وجودها العسكري على الأرض اللبنانية ومن ضعف «الجبهة اللبنانية» عسكرياً – كانت تبغي «حمل لبنان على التنازل عن قسم من أرضه»، وهذا القِسم هو البقاع، تخصيصاً.
 
 
في الواقع لقد بُحّ صوت العميد ريمون اده من كثرة ما صرّح عن «الصفقة» أو «المؤامرة» الأسدية الكيسينجرية الخاصة بالبقاع والجولان.
 
 
ومتى أخذنا في الاعتبار أن «الحركة الوطنية» في الآن نفسه، اتّهمت مراراً وتكراراً «الجبهة اللبنانية» حليفة سوريا آنذاك، بأنها تبغي «قبرصة لبنان»، لتبين لنا أن نسبة كبرى من اللبنانيين – من أهل اليمين ومن أهل اليسار – اتهموا سوريا بعزمها على تقسيم لبنان وطلبوا انسحاب جيشها منه.
 
 
للتذكير: كانت «الحركة الوطنية» - برئاسة كمال جنبلاط – تضم الأحزاب والتيارات التالية: الحزب التقدمي الاشتراكي – الحزب الشيوعي – حزب البعث (الموالي للعراق)، الحزب السوري القومي الاجتماعي، حركة الناصريين المستقلين (المرابطون)، منظمة «أمل» بوصفها تمثل «حركة المحرومين»، منظمة العمل الشيوعي.
 
 
*** 
إن البقاع كان ولا يزال ولسوف يظل حلماً سورياً. ذلك الحلم غاب عام 1920 في ميسلون، ولكن الأ؛لام لا تموت. إنها تنام في عمق ضمير الشعب.
 
 
جاءت أحداث 1975 – 1976 تهزّ لبنان، فإذا «بالكتائب» - كما مرّ بنا القول – تطلب التدخل العسكري السوري لكي «تستعيد الدولة اللبنانية سيادتها». ولكن الشقيقة سوريا كان يشغلها أمر آخر: أنْ تضع يدها، في نهاية المطاف، على ذلك الحلم الذي اسمه البقاع.
 
 
فرغم اتفاقية الطائف ورغم القرار 1559، ورغم شبه الإجماع العربي والدولي على وجوب جلائها عسكرياً عن لبنان، كل لبنان، لكي يستعيد وطن الأرز سيادته وقراره الحر، فهي لا تزال، حتى هذا اليوم، متشبثة بالبقاء عسكرياً على أرض البقاع اللبنانية المجاورة للحدود السورية، وفقاً لما أعلنه الدكتور بشار الأسد في خطابه الموشّى بالتناقضات، إذْ يقول بالحرف الواحد: «سنقوم بسحب قواتنا المتمركزة في لبنان بالكامل إلى منطقة البقاع ثم إلى منطقة «الحدود اللبنانية السورية» (لا إلى داخل الأراضي السورية).
 
 
وفي ما عنى «سيادة الدولة اللبنانية وهيبتها» - اللتين كانتا في قمة اهتمامات – بيار الجميل – فإن نظرة بسيطة إلى الدولة اللبنانية، حالياً بل منذ سنين، تجعلنا نكتشف أن السيادة لم يعد لها أثر، لأن الدولة اللنبانية – برئاساتها ووزرائها ومعظم نوابها وجميع مسؤوليها العسكريين والأمنيين، أصبحت دُمى في يد الشقيقة سوريا تحركها كما تشاء.
 
 
نعود الآن، إلى «دخول سوريا إلأى لبنان لمنع التقسيم».
 
 
مَن ترانا نصدّق؟ الدكتور بشار الأسد الذي كان في عام 1976، يتابع دروسه الجامعية في انكلترا، بعيداً عن مسرح الأحداث؟ أم الرؤساء عبدالله اليافي وصائب سلام ورشيد كرامي وأحمد الداعوق ورشيد الصلح والعميد ريمون اده والنواب الآخرين – وجميعهم من خيرة القوم – الذين كانوا ملتصقين التصاقاً وثيقاً بكل ما جرى ويجري في لبنان، على أثر دخول الجيش السوري إليه؟
 
 
«والحركة الوطنية» - برئاسة كمال جنبلاط وعضوية أحزاب وطنية عُرفت بصلابة مواقفها – هل يجوز لنا ألاّ نصدّقها؟
 
 
فلو كانت الشقيقة سوريا دخلت عسكرياً إلى لبنان «لمنع التقسيم» - كما أعلن الدكتور بشار – فهل يُعقل أن تقف «الحركة الوطنية» في وجهها تلك الوقفة الصارمة الرافضة وأن تحاول، بالاشتراك مع «منظمة التحرير الفلسطينية»، منعها عسكرياً من دخول لبنان؟
وهل يُعقل أن يتنادى الرؤساء عبدالله اليافي والآخرون لإنشاء جبهة الاتحاد الوطني التي كان هدفها الرئيسي الحؤول دون تقسيم لبنان وإخراج الجيش السوري منه، لو لم يكونوا واثقين من نوايا سوريا التقسيمية؟
 
 
في الحقيقة عندما دخلت سوريا عسكرياً إلى لبنان عام 1976 وجدت، في وجهها، قوّتين فاعلتين - «الحركة الوطنية» و«جبهة الاتحاد الوطني» - اللتين كما هو معلوم، وقفتا وقفة علنية صارخة ضدها وضد تقسيم لبنان، خصوصاً ضد التنازل عن أي قسم من أرضه.
 
 
وإلى هاتين القوتين نضيف البطريركية المارونية التي عملت وتعمل دائماً بوحي من الكرسي الرسولي، والرئيس بشير الجميل الي، فور انتخابه، رفع عالياً شعار «العشرة آلاف ومايتي وخمسين كيلومتراً مربعاً» وطفق يتحدث، عبر التلفزيون، إلى إخوانه مسلمي لبنان، ليؤكد لهم أنه رئيس كل لبنان وأخ لجميع اللبنانيين سواء بسواء.. ذلك الموقف الاتقسيمي كلّفه حياته.
 
 
تلك المواقف الصلبة الرافضة أيّ نوع من أنواع التقسيم وأيّ تنازل عن أي قسم من ارض لبنان رافقها، في الأوساط اليسارية والإسلامية عموماً، هجمات صاخبة عنيفة على الرئيس حافظ الأسد شخصياً. ذلك جعله – وهو المعروف بحنكته ومرونته – يعيد النظر في كل حساباته السابقة ويبني، بصبر وأناة، استراتيجيا جديدة في لبنان ساعدته، عبر السنين، على قلب المعادلات وعلى جعل أعداء الأمس يصبحون أصدقاء اليوم. وتخلى الرجل نهائياً عن فكرة «حمل لبنان على التنازل عن قسم من أرضه» وأبدلها بفكرة ثانية من شأنها أن تحقق له الغاية نفسها، إن جرت الرياح بما تشتهي السفن السورية.
 
وهكذا فإن الوقائع أثبتت وتُثبت أن الفضل في عدم تقسيم لبنان يعود، في الأساس، إلى «الحركة الوطنية» و«جبهة الاتحاد الوطني» ثم إلى البطريركية المارونية والرئيس بشير الجميل.
 
 
*** 
الفقرة الثانية: «آخر طلقة، عام 1990، وتوحيد بيروت».
 
 
من 1 إلى 24 تشرين الأول 1989 اجتمع في الطائف 62 نائباً لبنانياً. وفي نهاية المناقشات تم تصديق «وثيقة الوفاق الوطني» لحل الأزمة اللبنانية بموافقة 59 منهم. وفي 5 تشرين الثاني من السنة نفسها صادق مجلس النواب اللبناني على الوثيقة المار ذكرها. غير أن الأمور، رغم ذلك، ظلت على حالها حتى 2 آب 1990.
 
 
- في 2 آب 1990 أقدم صدام حسين على اقتحام الكويت؛ فأدى ذلك إلى حملة عسكرية تزعّمتها أميركا في ظل مجلس الأمن الدولي. وسعى الرئيس بوش الأب إلى إشراك أكبر عدد ممكن من الدول، خصوصاً العربية منها، في القوة الدولية. فأدى ذلك، كما هو معروف، إلى تلك «الصفقة» التي عقدها الرئيس الراحل حافظ الأسد مع الرئيس الأميركي، عام 1990. ومن بنود تلك الصفقة إطلاق يد سوريا في لبنان، الأمر الذي أدى إلى إرغام العماد ميشال عون، رئيس الحكومة آنذاك، على مغادرة وطنه قسراً، وعلى الإقامة منفياً في فرنسا لأنه رفع عالياً لواء سيادة لبنان.
 
 
تلك «الصفقة» كانت، في واقعها وحقيقتها، صفقة الشؤم لأن الشقيقة سوريا، منذ تلك «الصفقة»، لم تُطلق رصاصة واحدة من أجل تحرير الجولان، بل اكتفتْ، تعويضاً لها عن ذلك، ببسط سلطانها المطلق على لبنان، مشمولة بالرضى الأميركي. ولو حذا لبنان حذْوَ سوريا لكان جنوب لنبان، حتى اليوم، على غرار الجولان، تحت الاحتلال الإسرائيلي.
 
 
تلك حقائق ووقائع معروفة لا ينكرها مؤمن بالله يتقي يوم الحساب.
 
 
فبعد زيارة قام بها وزير خارجية أميركا إلى دمشق في 12 أيلول 1990، قام رئيس الحكومة اللبنانية (ومركزه في بيروت الغربية) في 2 تشرين الأول، بزيارة الرئيس الأميركي، ليبلغه موافقة لبنان على تلك الصفقة التي كرّست سيادة سوريا على لبنان. وفي 13 من الشهر نفسه قامت فرقة من الجيش اللبناني – يساندها الطيران السوري – باقتحام قصر بعبدا.. وكان ما كان.
 
 
ذلك ما عناه الدكتور بشار الأسد، في خطابه، حيث قال «إن» آخر طلقة أُطلقت في العام 1990 عندما توحدت بيروت». وما لم يقله الدكتور بشار هو أن «توحيد بيروت» تم برعاية أميركا ومساعدتها، وأدّى إلى هزيمة السياديين اللبنانيين وإلى انتصار مواطنيهم الموالين لسوريا دون قيد ولا شرط.
 
 
مع مر السنين، وبركة أميركا، أصبحت الشقيقة سوريا في لبنان ذات سلطان مطلق لا ينازعها فيه منازع، الأمر الذي جعلها تنسى أو تتناسى، اتفاقية الطائف وما قضتْ به من تدابير، كإعادة الانتشار بعد سنتين (أي عام 1991) وتأليف حكومة اتحاد وطني.. فإذا بها تُرهق السياديين بتدابير ظالمة كقانون الانتخاب ومرسوم التجنس والإمعان في إذلال سمير جعجع وفي اللجوء إلى مناورات رخيصة لمنع العماد عون من العودة إلى لبنان، وفي السعي إلى إضعاف البطريركية المارونية على أثر جولة البطريرك الرعاوية في عالم الاغتراب الماروني.
 
 
وجاءت قضية تعديل الدستور القطرة التي جعلت الكيل يطفح، فإذا بالقرار 1559 يُطل علينا حاملاً آمالاً وأحلاماً.
 
 
أما الضربة شبه القاضية التي زعزعت النفوذ السوري في لبنان فهي اغتيال الرئيس رفيق الحريري ومرافقيه الذين سجّلهم الضمير الجماعي اللبناني في لائحة شهداء الوطن، فأصبحوا، بعد موتهم، «أحياء عند ربهم يرزقون».
 
 
**** 
ومهما يكن من أمر فإن الشقيقة سوريا، على مر سنين، لم تُولي اتفاقية الطائف أي اهتمام، بل كانت تختار منهعا ما يوافق مزاجها ومصالحها وتُهمل ما يطالب به السياديون اللبنانيون. ولم يكتشف الأشقاء السوريون منافع وحسنات اتفاقية الطائف إلا عندما برز إلى الوجود القرار رقم 1559. فانطلق «أصدقاؤها» ينظمون قصائد المديح في الاتفاقية «الطائفية»، وينظمون قصائد الهجاء في القرار 1559 وفي السياديين اللبنانيين.
 
 
ولو كانت الشقيقة سوريا طبقت اتفاقية الطائف كما ينبغي لما كان القرار 1559 قد رأى النور، ولما كانت أُرغمت على الانسحاب، بل كانت غادرت لبنان بملء إرادتها في جو لبناني وفاقي.
 
 
فمهما تشاطر الدكتور بشار في خطابه فإن رائحة الهزيمة تفوح منه، مع الأسف. كان الله مع الشقيقة سوريا وأبعد عنها كل شر.
 
 
 
 
 
*هذه المقالات غير منشورة وقد كتبت في زمن يتوافق مع الاحداث المذكورة ضمن المقال..وننشرها بعد وفاة الكاتب نصري سلهب الذي عايش الاحداث وحللها في ذلك الوقت.
 
*إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً