الشعب اليتيم
نصري سلهب
السبت 12 حزيران 2021
لست أظن أن على أرض لبنان وفي دنيا الاغتراب لبناني واحد وحيد لا يشعر بالحزن والأسى، وكدت أقول باليأس، أمام ما جرى ويجري على «المسرح» اللبناني حيث تمثّل، منذ أشهر، مأساة مؤلمة موجعة يضطلع بأدوارها الرئيسية مسؤولون مفروض فيهم أن يشفوا هذا الوطن المريض من أمراضه فإذا هم يزيدون على أمراضه أمراضاً.
وأخال كل لبناني، في هذه الأيام السوداء، يردد، والألم يحزّ في صدره: «نفسي حزينة حتى الموت». أخاله يسأل ويتساءل: «ماذا فعلت الحكومة حكومة الأضداد – حتى اليوم؟ أيّ مشروع إصلاحي حققت؟ هل هي، على الأقل، عالجت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية التي يعاني منها اللبنانيون في كثرتهم الكثيرة، بينما قلّة قليلة منهم أكلت وتأكل الأخضر واليابس، وليس من يسأل، كأنما هذا الوطن اليتيم سفينة بدون ربّان، تتقاذفها الأمواج الصاخبة العاتية التي لا تُشفق ولا ترحم!
لقد تقاتل الرئيسان في مؤتمر القمّ – قمّة ماذا؟ - ونشرا غسيلهما على السطوح بسبب كلمة! والكلمة هذه اسمها «المقاومة». إن تسعين في المئة من اللبنانيين الراكضين وراء لقمة العيش لا يميزون بين ما قاله الرئيس لحود وما أراد قوله الرئيس السنيورة. ذلك أن الذي يعيش على حافة الفقر لا تهمّه كثيراً تعاريج اللغة.
أما مجلس الوزراء، حيث بلغ «التفتيت» ذروته، فحدّث ولا حرج! يا عيب الشوم، بل يا ألف عيب الشوم! أإلى هذا الدرك، انحطّ لبنان؟
هذا من جهة، ومن جهة ثانية لم يفهم اللبنانيون تلك الرغبة الملحة عند الرئيس السنيورة في زيارة سوريا بأسرع وقت ممكن، وتلك الطريقة التي لجأ إليها في الخرطوم لطلب موعد من الرئيس الأسد. لقد راجعتُ عدداً لا يستهان به من الصحف، لا سيما «النهار» التي، كما الأمرُ معروف، ليست متيّمة بهوى سوريا؛ ولكنها، في الآن نفسه، جريدة تحترم نفسها وتحترم القراء فلا تنقل إليهم سوى الحقيقة.
فإلى إخواني القرّاء ما ورد في «النهار» في هذا الصدد: «ففيما وصف رئيس الحكومة اللبنانية الأمر بأنه تمهيد لزيارة يعتزم القيام بها إلى دمشق سارع الوفد السوري إلى نفْي هذه الصفة عن اللقاء والقول إنها «مصافحة عابرة». ونفى مصدر قريب من الوفد السوري لوكالة فرانس برس حصول لقاء بين الرئيس الأسد والرئيس السنيورة مؤكّداً أن الرجلين تصافحا فقط؛ وقال المصدر: «لم يحدث لقاء وأنها مجرد مصافحة بالأيدي بين الرئيس الأسد ورئيس الوزراء اللبناني أثناء وقوف الوفود وتجمّعها لدخول القاعة الرئيسية» («النهار»، 29 آذار 2006، صفحة 24).
إلى ذلك يضاف ما يلي: في اليوم السابق سأل صحفي الرئيس الأسد، عما إذا كان سيجتمع في الخرطوم برئيس الحكومة اللبنانية، فأجابه الرئيس الأسد: «إن رئيس الجمهورية يجتمع برئيس الجمهورية».
إن الأمر الثابت الأكيد هو أن الرئيس السنيورة بدا راغباً رغبة ملحة في زيارة دمشق وفي لقاء الرئيس الأسد. فعن سؤال وُجّه إليه أجاب بقوله: «سيصار إلى ترتيب اللقاء [بين السنيورة والأسد] في وقت قريب. لقد أبدينا منذ مدة طويلة رغبتنا الشديدة في لبنان في أن نبني والشقيقة سوريا علاقات جيدة وصحية لأن العلاقات التاريخية التي تربطنا ومصالحنا المشتركة تحتّم أن نعمل معاً بكل إخلاص لكي نبني هذه العلاقة على الاحترام المتبادل» («النهار» 29 آذار 2006).
أليس من المستغرب – أياً تكن الأسباب – أن يُبدي رئيس الحكومة اللبنانية مثل تلك «الرغبة الشديدة» في زيارة الرئيس الأسد، وهل هنالك ما يدعو إلى مثل هذه السرعة، بل إلى مثل هذا التسرّع؟! وهل أن ترسيم الحدود وإنشاء علاقات ديبلوماسية يرتديان طابع العجلة الملحة؟!
ألا يستطيع لبنان أن يعيش بضعة أشهر بدون مزارع شبعا؟! أفلا تعيش سوريا منذ سنين وسنين بدون الجولان؟
أليس من الحكمة التريث وانتظار ما سيعلنه رئيس لجنة التحقيق الدولية الذي من المحتمل جداً أنه سيودع أمين عام الأمم المتحدة تقريره النهائي أو شبه النهائي في 15 حزيران 2006، أي خلال فترة زمنية لا تتجاوز شهرين ونصف؟؟ عند ذلك، وعند ذلك فقط يحدد لبنان موقفه النهائي من القيمين على النظام السوري، عموماً ومن آل الأسد خصوصاً، في ضوء ما يكون قد ورد في ذلك التقرير. فإذا كان التقرير يتّهم سوريا ويجعلها مسؤولة عن تلك الجريمة الإرهابية النكراء، فإن لبنان يُعلن، عند ذلك، رفْضه القاطع التعاطي مع أركان النظام السوري، أي مع آل الأسد، خصوصاً، دون أن يعني ذلك حتمية سقوط ذلك النظام الذي يستمر وعلى رأسه مسؤولون سوريون لم يشتركوا، لا من قريب ولا من بعيد، بتلك الجريمة ولا بسواها من الجرائم الإرهابية التي حفرتْ في جسم لبنان جراحاً عميقة هيهات أن يقوى الزمن على إطفاء لهيبها.
أما إذا أعلن التقرير براءة سوريا، جملة وتفصيلاً، من تلك الجريمة، فعند ذلك يعلن لبنان اعتذارن العلني من آل الأسد ويزحف إلى سوريا «ويبني معها علاقات جيدة وصحية...» كالتي رغب فيها الرئيس السنيورة.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية، هل نسي الرئيس السنيورة ما صرّح به سعد الحرير في 6 كانون الثاني 2006، وفي 13 شباط من السنة نفسها:
للتذكر: في التصريح الأول قال سعد الدين الحريري، في ما قال، ما يلي :
«لدينا اقتناع أنّ هنالك حرباً تُشنّ علينا من نظام إرهابي سوري يضم حفنة من الأشرار يريدون قتل كل شخص له علاقة بـ14 آذار ويُمعنون في قتل اللبنانيين لأنهم يريدون استقلالهم وسيادتهم... فلماذا النظام السوري يركض وراء أميركا ويريد أن يساوم معها على دماء الشهداء رفيق الحريري وباسم فليحان، وسمير قصير وغيرهم؟» (صحف 7 كانون الثاني 2006).
وفي التصريح الثاني: «إن اغتيال رفيق الحريري ورفاقه جريمة من عصر آخر ارتكبها حفنة من الأشرار يتربعون على عرش من الظلم والفساد... لقد ظنّوا أن مخالب النظام الأمني يمكن أن تظهر من جديد، أنا أقول لهم إن اللبنانيين لن يسمحوا للقتلة المجرمين أن يعودوا إلى الساحة». (صحف 14 شباط 2006).
يسعى أركان 14 آذار منذ أشهر إلى إقالة العماد إميل لحود أو إلى حمله على الاستقالة، معتبرين أن التمديد له لم يكن شرعياً بسبب التهديد الذي تعرض له عدد من النواب الذين وافقوا على التمديد، مكرهين، وقد أقروا بذلك في مستند خطّي يحمل تواقيعهم.
إن إصرار تحالف 14 آذار على إقالة العماد لحود، مهما كان الثمن، يؤدي وقد أدى بالفعل – إلى ارتفاع ذلك الثمن. وهذا الثمن سوف يدفعه التحالف المار ذكره. يوماً من الأيام إلى سوريا بالذات. وهكذا يكون التحالف قد فتح الباب لسوريا لتدخل منه، مرفوعة الرأس، إلى لبنان.
ومهما يكن من أمر فلا يبدو أن «التحالف» قد توصل، حتى هذا اليوم، إلى الاتفاق على خَلف للعماد لحود في حال شغر مركز هذا الأخير بالاستقالة أو بالإقالة. وما يبدو محتملاً، يوماً بعد يوم، هو أن «التحالف» - إذا استمرت الحال على ذات المنوال – لن يستطيع انتخاب رئيس جمهورية غير جائز على الرضى السوري.
يكاد المحلّلون يجمعون على أن الرئيس السنيورة خسر معركة الخرطوم وأن العماد لحود كان، فيها، المنتصر الأكبر. غير أن الشعب اللبناني اليتيم والمقهو لا يهمّه انتصار هذا أو ذاك من الرئيسين، بل يهمه أن يعرف إذا كان لبنان هو المنتصر. إن مثل هذا الأمر لم يمرّ ببال أحد لأن لبنان، كالمسيح عليه السلام، في الجلجلة: صلبوه وراحوا على ثيابه يقترعون.
في الخرطوم تقاتل الرئيسان لا من أجل لبنان ولا من أجل الشعب اللبناني اليتيم الذي يتخبط في أزمة معيشية لم يسبق لها مثيل؛ بل هما تقاتلا من أجل حزب الله لأن كلاً منهما راغب، على طريقته الخاصة، في استرضاء وإرضاء ذلك الحزب الذي صرّح أكثر من مرة بأنه غير راغب في تسليم سلاحه.
ينبغي ألا يغيب عن بالنا أنّ اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه شكّل ويشكل نقطة انطلاق إلى واقع لبناني جديد، بل إلى لبنان آخر أصبح له شعار ردده مئات آلاف اللبنانيين في تظاهرة 14 آذار 2005: «الحقيقة نريد أن نعرف الحقيقة. نريد أن نعرف مَن قرر وأعدّ ونفّذ تلك الجريمة الإرهابية النكراء. نريد أن نعرف من قتل رفيق الحريري ورفاقه، لكي يحاكموا ويعاقبوا على ما فعلوا». هذا السؤال الملحّ المحق أجاب عنه سعد الدين الحريري بشكل واضح وحاسم، في تصريحين له بتاريخ 6 كانون الثاني ثم بتاريخ 13 شباط وقد أوْردنا ذينك التصريحين في متن هذا المقال.
غير أن سعد الدين الحريري عاد، فيما بعد، فقرّر فصل التحقيق الدولي عن العلاقات مع سوريا، بكل محبة أقول له، من مؤمن إلى مؤمن، إن قراره لم يكن في محله، لأنه أعطى سوريا كثيراً ولم يأخذ منها إلاّ القليل.
ومهما يكن من أمر فإنهم، في لبنان، يُعدّون بمئات الآلاف أولئك المقتنعون بأن سوريا لا يمكن أن تكون غريبة عن تلك الجرائم الإرهابية النكراء. وقديماً قيل: «إن صوت الشعب من صوت الله».
*هذه المقالات غير منشورة وقد كتبت في زمن يتوافق مع الاحداث المذكورة ضمن المقال..وننشرها بعد وفاة الكاتب نصري سلهب الذي عايش الاحداث وحللها في ذلك الوقت.
*إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً