مقالاته
الشعب الشهيد (إلى نائلة معوض وبطرس حرب)

نصري سلهب

الجمعة 11 حزيران 2021

126 نائباً، من أصل 128، سمّوا فؤاد السنيورة رئيساً للحكومة، أي بأكثرية شبه إجماعية لم يسبق له مثيل في لبنان ولا في أية دولة ديمقراطية جديرة بهذا الاسم. ورغم ذلك فإن حكومة «الوحدة الوطنية» المرجوة لم تُبصر النور، بل حظي لبنان بحكومة قد تكون فريدة في نوعها، إذ هي تضم أضداداً يصعب، في الدول الديمقراطية العريقة، جمعهم في حكومة يُفرض فيها، لكي تكون منتخبة، أن تعزف على وتر واحد وأن تؤمن بالقيم نفسها وتُجسد الطموحات نفسها.
 
 
ولهذا السبب فإن الحكومة الجديدة أحرزت الثقة بأكثرية 92 نائباً، بدلاً من 126 أيدوا رئيسها في بداية الطريق. ولوحظ، في الآن نفسه، أن 20 نائباً غابوا عن جلسة الثقة، كما لوحظ أن 14 نائباً يمثلون «تكتل الإصلاح والتغيير» (برئاسة العماد ميشال عون) حجبوا الثقة، وأن نائبين امتنعا عن التصويت.
 
 
في الواقع إن «التكتل» المار ذكره هو الوحيد الذي لم يُمثل في الحكومة.
 
 
لا ريب في أن ابتعاد – أو إبعاد – العماد عون عن هذه الحكومة أنقذ الديمقراطية في لبنان. ذلك أن حكومة تمثل المجلس النيابي بكامله هي ضربة قاضية تسدد إلى الديمقراطية، إذ لا ديمقراطية دون معارضة برلمانية، فشكراً لميشال عون الذي ابتعد عن حكومة التسويات، أو شكراً لوليد جنبلاط الذي وضع كل ثقله، وثقل سواه، في الميزان لإبعاده عنها. فالراجح، على كل حال، أن الحكومة السنيورية، رغم حسن نية رئيسها – ولربما بسبب حسن نيته – سوف تكون حكومة تسويات ومساومات تؤدي حتماً إلى أنصاف الحلول.
 
*** 
 
قبل استشهاد الرئيس رفيق الحريري ومرافقيه كان هم الشعب اللبناني، بكثرته الكثيرة، مشدوداً، بصورة رئيسية، إلى أمر خطير متمثل في إهدار الأموال العامة من خلال الإهمال وسوء الإدارة وروح اللامسؤولية والسرقات والخوات والسمسرات والصفقات التي جعلت عجز الخزينة – الذي كان عام 1990، أقل من مليار دولار – يصل عام 2005، إلى أربعين مليار دولار، والحبل على الجرار.
 
 
«كانت البلاد – ولا تزال – تعيش أسوأ حالاتها على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي. فمن المرئيات بالعين المجردة استفحال الفقر والبطالة بين الناس والهجرة بين الشباب وتفاقم حال القنوط التي تستبد بشرائح واسعة من المجتمع في غياب أي رؤية على المستوى القومي للمعالجات والحلول المطلوبة». كان هنالك – ولا يزال – قلة قليلة تلعب بملايين الدولارات، وكثرة كثيرة تشتهي الدولار الواحد وتعيش على حافة الفقر.
 
**** 
وتبدّلت النفسية تبدلاً جذرياً على اثر استشهاد الرئيس الحريري ورفاقه. فلقد نسي اللبنانيون حالتهم البائسة التعيسة وتناسوا أن الإهدار مستمر بعد الاستشهاد كما كان قبله، ولم يأبهوا لكون الدين العام يزداد مع كرّ الأيام والشهور، وأن الفقير يزداد فقراً وأن الغني يزداد غنى. بل راحت الأسئلة تتوالى على كل شفه ولسان وتصب في انة واحدة وحيدة: «مَنْ قتل رفيق الحريري؟ نريد أن نعرف الحقيقة. 
 
نريد أن نعرف من قرّر وأعد ونفذ هذه الجريمة الإرهابية النكراء.. نريد أن نعرف».
 
لم يكن اغتيال الشهداء رفيق الحريري ومرافقيه فاتحة عهد إرهابي جديد لم يسبق له مثيل في لبنان. ولم يكن الرئيس الحريري أول رئيس حكومة في لبنان تمتد إليه يد الغدر. فقد استشهد قبله رياض الصلح، رشيد كرامي – وهما مَن هما في عالم العروبة – كما انقضت تلك اليد على كمال جنبلاط وبشير الجميل ورفاقه الكثر ورينه معوض وحسن خالد وصبحي الصالح فأزالتهم من الوجود. ثم انقضت على مروان حمادة فنجا بأعجوبة وقُتل مرافقه والتحق بقافلة الشهداء الذين سبقوه.
 
غير أن قُدّر للرئيس الحريري ما لم يقدّر لسابقيه المار ذكرهم رغم وزنهم السياسي وبُعدهم المعنوي، ورغم إشعاع بعضهم إشعاعاً إنسانياً عظيماً. ولم يُعرف، بشكل علمي حاسم، جلادوهم الذين حتى يومنا هذا، لا يزالون متسترين وراء حجاب شفاف لا يترك مجالاً لأي خطأ في تحديد هويتهم، تقديراً لا جزماً.
 
أما الرئيس رفيق الحريري – كما يعرف إخواني القراء – فقد عيّن مجلس الأمن الدولي لجنة تحقيق وتقصّي بغية جلاء الحقيقة وغوامض القدر العاتي الذي انقض عليه وعلى مرافقيه.
 
كما أن قادة الأجهزة الأمنية أُبعدوا عن مراكزهم، وإلى ذلك ؟؟؟؟ أن وزارتي الداخلية والعدلية أنيطتا، في الحكومية الميقاتية، برجلين يحظيان بثقة آل الحريري المطلقة.
 
ومنذ أن باشرت اللجنة الدولية مهامها يعيش اللبنانيون، طائعين أو غير طائعين، على رجاء كبير يقضي في اكتشاف أولئك السفاحين الذين – تقريراً وإعداداً وتنفيذاً واشتراكاً – أقدموا على ارتكاب تلك الجريمة الإرهابية النكراء.
 
*** 
بعد ذلك كله ألمْ يُصبح من حق الشعب اللبناني «المعتر» أن يعرف مَن اغتال الأموال العامة – أي أموال الشعب – ومَنت جعل عجز الخزينة يصل إلى أربعين مليار دولار؟ ألم يصبح من حقه أن يعرف مَن هم المسؤولون عن استفحال الفقر والعطالة والهجرة بين الشباب وتفاقم حال القنوط الذي استبد ويستبد بشرائح واسعة من المجتمع؟ ألم يصبح من حقه أن يعرف لماذا قلة قليلة تتسلى بملايين الدولارات ويعيش هو، بكثرته الكثيرة على حافة الفقر.
 
ذلك هو الموضوع الحيوي الملح الذي كان ينبغي على الحكومة الجديدة أن تمنحه الأولوية المطلقة وتعالجه معالجة فعّالة سريعة بوضع المبضع على الدُمّل واستئصاله من جذوره، ولكن هل أن الحكومة الجديدة تفكر مثل هذا التفكير؟ هل أن إهدار الأموال العامة – طوال خمس عشرة سنة – يقلقها؟ هل أن حالة البؤس التي وصل إليها الشعب اللبناني، بكثرته الكثيرة، يشغل بالها؟
وأين هي الموالاة؟ وممّن هي مؤلّفة؟ وأين هي المعارضة؟ وممّن هي مؤلفة؟ فوالله إنه عبقري دهره ووحيد عصره ذلك الذي في وسعه أن يعين في المجلس الجديد، مَن مع مَن ومَن ضد من!
 
هنالك أمر واحد وحيد يزداد وضوحاً، يوماً بعد يوم: السعي إلى تأليف كتلة نيابية متراصة تُحصَر مهمتها الرئيسية في محاربة «تكتل الإصلاح والتغيير» المؤلف من تحالف ميشال عون والياس سكاف والطاشناق. والمقصود محاربته، رئيسياً، هو ميشال عون شخصياً إذْ لم يرُق لبعضهم أن يبلغ التيار العوني ما بلغه من شأن وشأو في المناطق المسيحية – المارونية في لبنان. ولهذا السبب يسعى «الخيرون» إلى إقناع الدكتور سمير جعجع بأن يكون، هو بالذات، السد المنيع الذي يمنع «الفيضان» العوني من إغراقهم.. اللهم أبعِد عن «الحكيم» مثل هذه «الكأس» إنك على كل شيء قدير.
 
**** 
لقد عرف لبنان من عام 1990 إلى عام 2005 خمس عشرة سنة وصفها كثيرون، ومنهم الدكتور سليم الحص، «بحقبة الفساد والإفساد»، إذ أن عجز الخزينة كان، في بدايتها (أي عام 1990) أقل من مليار دولار، فإذا به، عام 2005 (أي خلال خمس عشرة سنة) يقفز إلى أربعين مليار دولار، كما سبق القول.
خلال إحدى عشرة سنة منها (1992 – 1998 ثم 2000 – 2005) كان الرئيس رفيق الحريري رئيساً للحكومة. وخلال سنتي (1998 – 2000) كان الرئيس سليم الحص على رأسها. لهذا السبب فإن سليم الحص ووزراءه ورفيق الحريري ووزراءه مسؤولون عما جرى خلال تلك الحقبة، كل منهما على قدر المدة التي قضاها في الحكم.
 
في 8 حزيران 2005 عقد الدكتور سليم الحص مؤتمراً صحفياً قال فيه، في ما قال: «أنا شخصياً كنت على رأس إحدى تلك الحكومات ما بين 1998 و2000 وإني أضع نفسي وأعضاء حكومتي في تصرف التحقيق مرحباً بفتح كل ملفات تلك الحقبة» (انتهى التصريح).
 
إن الدكتور فؤاد السنيورة يعرف الدكتور سليم الحص حق المعرفة. ولقد قال فيه ما يلي:
 
«أزور دائماً هذا المنزل [منزل الدكتور سليم الحص] لرؤية أستاذي وصديقي الكبير الرئيس الحص. وكانت مناسبة لأستفيد من خبرته ونظرته ورؤيته الحالية والمستقبلية للأوضاع. وهذا التشاور سيستمر لأني دائماً على ثقة بالرئيس الحص، الأستاذ الذي استفدت منه كثيراً في معظم محطات حياتي. وسأستمر في الإفادة من تجربته وهو دائماً على كامل الثقة في هذا الشأن» (الحياة 2 تموز 2005).
 
فعلى هذا الأساس أدعو الرئيس السنيورة إلى قراءة ما أعلنه الدكتور سليم الحص في مؤتمره الصحفي المار ذكره والذي أعلن فيه ما يلي: «إني أؤيد الدعوات إلى فتح ملفات الماضي وإجراء محاسبة شاملة عن البلايا التي أورثها خمسة عشر عاماً من الممارسات على أيدي الطبقة الحاكمة ومِن ورائها الطبقة السياسية في لبنان. فإن لم يحاسَب المسؤولون عن واقع مُزرٍ آلت إليه البلاد والعباد فلا إصلاح يُرتجى اليوم أو غداً على أيّ صعيد... ولقد أناط الدستور السلطة الإجرائية تحديداً بمجلس الوزراء. وقد تعاقب على السلطة حكومات لها رؤساؤها ووزراؤها. هؤلاء هم المسؤولون دستورياً ولو أنه كان لهم شركاء متواطئون معهم ومستفيدون من فيء الحكم. فالحكومات أساساً مسؤولة دستورياً عن أداء الحكم، سواء بسياستها وممارساتها مباشرة أم بسكوتها أم إعفائها أم استلامها أم عدم تصديها.
 
«أنا شخصياً كنت على رأس إحدى تلك الحكومات ما بين 1998 و2000. وإني أضع نفسي وأعضاء حكومتي في تصرف التحقيق مرحباً بفتح كل ملفات تلك الحقبة. إن المحاسبة المطلوبة يجب أن تأتي بأجوبة حاسمة عن أسئلة محدودة تراود كل مواطن: من المسؤول عن الدين العام المتفاقم؟ ومن المسؤول عن الفساد والإفساد؟ وكيف تراكم الدين العام إلى حدود الأربعين مليار دولار فأوقع مالية الدولة في حلقة مفرغة بين عجز مستحكم ودين متعاظم، علماً بأن الدين العام مرشح للتصاعد المستمر سنة بعد سنة باستمرار عجز الخزينة العصي. كان الدين العام أقل من مليار واحد عام 1990. فكيف قفز إلى حدود الأربعين بعد خمسة عشر عاماً من دون أن تعترضه محاولات جدية لوقف التدهور؟ وبات للمسؤولين، سياسيين وإداريين، قصور منيفة وليس من يسأل كيف هبطت تلك النعمة عليهم، وكثرة منهم معروفون بأصولهم المتواضعة مادياً. لا بد من تأليف هيئة لبنانية عليا من الحكماء للتحقيق. ومن الطبيعي أن يسمّي هذه الهيئة المجلس النيابي الجديد ويمنحها أوسع الصلاحيات...» (الحياة، 8 حزيران 2005).
 
*** 
منذ حوالى ثلاث سنوات رأتْ النورَ في لبنان «الجبهة الوطنية للإصلاح» المؤلفة من الرؤساء حسين الحسيني  وسليم الحص وعمر كرامي ومن السيدة نائلة معوض والدكتور بطرس حرب والسيد ألبير منصور.
 
بتاريخ 5 شباط 2004 أدلى الدكتور سليم الحص بالتصريح التالي: «تعيش البلاد اليوم أسوأ حالاتها منذ سنوات. فمن المرئيات بالعين المجردة استفحال الفقر والبطالة بين الناس والهجرة بين الشباب وتفاقم حال القنوط التي تستبد بشرائح واسعة من المجتمع في غياب أيّ رؤية على المستوى الحكومي للمعالجات والحلول المطلوبة، واستشراء الفساد والتسيّب والعقم التي تطبع أداء الإدارة والمؤسسات العامة في ظلّ عجز حكومي مطبق على التصدي لها.
 
فالفضائح تزكم الأنوف، وقضايا الاختلاس والرشوة والكسارات والإفلاس الاحتيالي والصفقات على أشكالها تشغل عناوين الصحف وتزدان بأسماء كبيرة ثم لا تلبث أن تتلاشى وتخبو كأن شيئاً لم يكن. فلا حساب ولا محاسبون. والساحة تغص بحالات الإثراء غير المشروع، وقانون الإثراء غير المشروع لا يطبّق على حالة واحدة منها. وهناك سهم شركة سوليدير: بدأ ثمنه بعشرة دولارات ثم ارتفع إلى 17 دولار ثم هبط إلى 4 دولارات؛ فعمرت ثروات وأُبيدت ثروات ولا من يسأل ولا من يسائل ولا من يحاسب...». (النهار، 6 شباط 2004).
 
هذا من جهة. ومن جهة ثانية، بتاريخ 5 شباط 2004 – في اليوم نفسه – أثناء زيارة قام بها لبكركي، أدلى النائب بطرس حرب (لقاء قرنة شهوان) بتصريح قال فيه: «زيارتي لبكركي هي للتشاور في القضايا الوطنية، خصوصاً بعد صدور بيان المطارنة الذي ألقى الضوء على حال الفساد المستشرية في البلد وانعدام الحس في المسؤولية ومصير الناس وأموال الخزينة من بعض المسؤولين في الدولة. وهذا البيان جاء ليؤكد ما ذهبت إليه «الجبهة الوطنية للإصلاح» من مطالبة محاسبة الحكومة [حكومة الحريري] من خلال جلسة عامة للمجلس النيابي بنتيجة سياستها في القطاع الخليوي. فلم يعدّ من الجائز السكوت عما يجري وعن الممارسات المخالفة للنصوص الدستورية والقوانين، خصوصاً في موضوع الأموال العامة. ومن واجبنا التدليل على أن ما جرى ويجري في موضوع الخليوي هو عملية اعتداء على الأموال العامة. إن الخزينة اللبنانية تخسر شهرياً ملايين الدولارات في هذا الأمر. ومن غير الجائز السكوت عن استمرار وضع اليد من بعض النافذين والشركات على الأموال التي تعود للدولة اللبنانية. 
 
هاتان الشركتان اللتان تديران هذا القطاع عائدتان إلى أحد الوزراء وشقيقه وإلى صهر رئيس الوزراء رفيق الحريري» («النهار»، 6 شباط 2004).
 
ذلك مثل بين أمثلة كثيرة بهذا المعنى. فلو عاد الواحد منا إلى الصحف الصادرة في ذلك الزمان – خلال وجود الرئيس الحريري على رأس الحكومة – لتبين أن الانتقادات العنيفة كانت، في معظمها، تصدر عن «لقاء قرنة شهوان» ومجلس المطارنة الموارنة. ومن الشائع المعروف أن الدكتور بطرس حرب هو واحد من أبرز أعضاء «اللقاء» المار ذكره. كما أنه كان عضواً في «الجبهة الوطنية للإصلاح» التي يُغني اسمها عن كل شرح. فأين هو الدكتور بطرس حرب، حالياً؟! وأين هي السيدة نائلة معوّض؟!
 
إني، كمواطن لبناني، أثق كل الثقة بأخلاقية ونزاهة بطرس حرب ونائلة معوض وجميع أعضاء «قرنة شهوان». وأودّ، بكل محبة وصراحة، أن أطرح عليهم الأسئلة التالية: هل يؤيدون، حالياً، ما سبق وأعلنه بطرس حرب بالذات في بكركي بتاريخ 5 شباط 2004؟ وهل يوافقون على ما أعلنه، بالتاريخ نفسه، الدكتور سليم الحص؟ وهل هم موافقون على ما أعلنه واقترحه هذا الأخير في مؤتمره الصحفي المعقود في 8 حزيران 2005؟ وهل يوافقون، بصورة خاصة، على «فتح ملفات الماضي وإجراء محاسبة شاملة عن البلايا التي أورثتها خمسة عشر عاماً من الممارسات على أيدي الطبقة الحاكمة من 1990 إلى 2005؟ وهل يوافقون على تأليف هيئة عليا من الحكماء للتحقيق؟
ومن جهة ثانية ما هو رأيهم في ما أعلنه النائب إبراهيم كنعان (التيار الوطني الحر) في جلسة الثقة عندما قال: «إن بعض وجوه هذه الحكومة أوجدت الفساد والإفساد [اللذين تكلم عنهما الرئيس الحص في مؤتمره الصحفي] وتساكنت مع النظام الأمني لتعود، اليوم، وتزايد في الاتجاه المعاكس؟».
 
 
هل يرون أن الماضي قد مضى وأن مليارات الدولارات التي انتقلت، طوال 15 سنة، من خزينة الدولة – أي من مال الشعب – إلى بعض الجيوب، ينبغي أن تُمسح بزيت النسيان؟ 
وهل يرون أن «المسؤولين، سياسيين وإداريين، الذين أصبحت لهم قصور منيفة، وكثرة منهم معروفون بأصولهم المتواضعة مادياً ينبغي أن يحتفظوا بقصورهم ويتنعموا بها، بينما الكثرة الكثيرة من الشعب اللبناني الشهيد ليس لديهم ما يسدون به جوعهم وجوع أولادهم؟
لا بد لي من لفت نظر آل الحريري وأصدقائهم، بمحبة وإخلاص، إلى أن الرئيس الشهيد ووزراءه ليسوا ولا يمكن أن يكونوا فوق الشبهات والظنون. ذلك أنهم بشر ولأن العصمة والكمال لله وحده، عز وجل.
 
 
فكما أن الرئيس سليم الحص يضع نفسه وأعضاء حكومته في تصرف التحقيق ويرحب بفتح كل ملفات حقبة حكومته، هكذا ينبغي أن تصبح الملفات «الساخنة» العائدة للحقبة التي كان خلالها الرئيس الحريري ووزراؤه على رأس السلطة الإجرائية، وقد مرّ ذكر تلك الحقبة تحديداً في فقرة سابقة من هذا المقال.
 
إن مصلحة آل الحريري وأصدقائهم تقضي بأن يُقدم مجلس النواب، بأسرع ما يمكن من الوقت، على «تعيين هيئة لبنانية عليا من الحكماء ويمنحها أوسع الصلاحيات للتحقيق بغية اكتشاف أولئك الذين، بطريقة أو بأخرى، اغتالوا مال الشعب فاغتنوا وأفقروا لبنان وشعب لبنان.
 
أما أولئك «السياسيون والإداريون الذين أصبح لهم قصور منيفة»، فإن التحقيق معهم ضروري مُلح بقدر ما هو بديهي بسيط: يُطرح عليهم السؤال التالي: «مِن أين لك هذا؟» عند ذلك تسودّ وجوه وتصفّر وجوه!
 
إن الشعب اللبناني بكثرته الكثيرة، يريد أن يعرف مَن قتله هو بالذات، يريد أن يعرف مَن هم المسؤولون عن «استفحال الفقر والبطالة بين الناس والهجرة بين الشباب وتفاقم حال القنوط التي تستبد بشرائح واسعة في المجتمع، واستشراء الفساد والتسيّب والفضائح والاختلاس والرشوة والصفقات على أشكالها» وجميعها آفات ذكرها، أكثر من مرة، الرئيس سليم الحص، والرفيق عمر كرامي، ومجلس المطارنة الموارنة، و«لقاء قرنة شهوان»، يوم كان هذا «اللقاء» يمارس المعارضة المحررة من قيود وقيود.
 
 
فإنْ حُرمَ الشعب اللبناني بطريقة أو بأخرى، معرفة ما يصبو إليه، فإنه سوف يكون، هو، الشهيد الذي ضُحّي به على مذبح الأنانيات والتسابق إلى أمجاد الأرض.
 
 
 
 
 
 
 
*هذه المقالات غير منشورة وقد كتبت في زمن يتوافق مع الاحداث المذكورة ضمن المقال..وننشرها بعد وفاة الكاتب نصري سلهب الذي عايش الاحداث وحللها في ذلك الوقت.
 
*إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً