العروبة والإسلام «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى» (حديث شريف)
نصري سلهب
الخميس 10 حزيران 2021
«سوريا: الاحتفالات بتأسيس «البعث» تختلط بذكرى ميلاد الرسول... ودعوات إلى تجاوز الصدام بين المشروعَين القومي والإسلامي... اختلطت احتفالات السوريين والمؤسسات الخاصة بذكرى مولد النبي محمد مع الاحتفالات الرسمية بالذكرى الـ 59 لميلاد حزب «البعث» الحاكم في سوريا وسطَ دعوات رسمية إلى المزاوجة بين العروبة والإسلام وتجاوز الصدام بين المشروعَين القومي والإسلامي. إن المشروع القومي لا يمكن أن ينهض إن لم يكن هناك ترابط بين العروبة والإسلام، مع إشارة إلى مراحل الصدام بين التيارَين القومي والإسلامي». (انتهى النص «الحياة 12 نيسان، 2006).
كان في ودّي إيراد كامل الخبر المنشور في «الحياة»، ولكني امتنعت لأن الخبر، بكامله، سيطغى على مقالي طُغيانَ القوّة الموجّهة على الحق الأعزل.
***
إن «المزاوجة بين العروبة والإسلام» جائزة في حدود تمتّ بصلة إلى كل من هذين المعْطَيين، ذلك أن الله، عز وجلّ، اختار نبيه ورسوله بين العرب، وأنزل عليه كتابه بلغة العرب:
- «إنا أنزلنا قرآناً عربياً لعلكم تعقلون» (يوسف: 4).
- «وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً» (الشورى، 7).
غير أن النبي العربي لم يُرسل إلى العرب فحسب بل إلى الإنسانية جمعاء:
- «قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً» (الأعراف: 158].
- «وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً» (سبأ: 28).
- «تبارك الذي أنزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً» (الفرقان، 8).
ولا بد هنا من التذكير بأن العرب أقلية في الإسلام المنتشر على أرض الله الواسعة. إن أكبر دولة إسلامية هي أندونيسيا، وتليها بنغلادش ثم باكستان ثم نيجيريا، وهذه الدول الأربع ليست عربية.
إن عروبة «البعث» هي غير العروبة التقليدية الأصيلة، لأنها عروبة علمانية لادينية وليدة إرادة عرب ينتسبون إلى المسيحية والإسلام، فأحلّوا العروبة محلّ هذه وتلك من الديانتين.
ولقد روى لي بعثيّ عتيق ما يلي: «عندما يتقدم أحد الأشخاص بطلب الانتساب إلى «الحزب» فإننا نطرح عليه السؤال التالي: «إذا كنت على شاطئ البحر ورأيت رجلين يصارعان الأمواج، وهما على وشك الغرق. وأحدهما مسيحي عربي والثاني مسلم غير عربي. وليس باستطاعتك أن تُنقِذ إلا واحداً منهما، فأي الاثنين تُنقذ؟». فإن أجاب أنه يُنقذ المسيحي العربي فإن أبواب حزب «البعث» تفتح له. وإن أجاب أنه ينقذ المسلم غير العربي فإن أبوابه توصد في وجهه إلى الأبد».
.... هل أن هذا «الامتحان» يحتاج إلى تعليق؟ ألا يثبت لنا أن عروبة «البعث» لا علاقة لها بالإسلام ولا يمكن أن تتزاوج معه؟ كما أنها لا يمكن أن تتزاوج مع المسيحية، لأنها عروبة علمانية. «فالحزب» ذو شعارات ثلاثة: عروبة، وحدة، اشتراكية. فالعروبة وليدة إرادة إسلامية – مسيحية مشتركة، وثمرة تعاون وثيق بين شخصيات عربية أشهرهم ميشال عفلق المسيحي الذي يعتبره كثيرون منظّر «الحزب». ففي مثل هذه الحال تغدو المزاوجة بين العروبة والإسلام تنكّراً لكل مسيحي انتسب إلى هذا «الحزب».
أما الدعوات الرسمية إلى تجاوز الصدام بين المشروعين القومي والإسلامي فهي اعترافٌ ضمني وغير مباشر بأن في سوريا واقعاً لا يمكن الهروب منه ولا إنكاره، وهو يوجز في أن القومية العربية (البعثية) معرّضة بل مؤهّلة للصدام مع الإسلام.
ولا بد هنا من تذكير إخواني القراء بالحديث النبوي التالي الذي يُغني عن كل شرح وتفصيل: «لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى».
أما العروبة، بمعناها التقليدي الشمولي، فلقد كانت، حتى الأمس غير البعيد، أنشودة في فم الزمن، فإذا هي اليوم تصبح دمعة على خده. وما على الواحد منا سوى إلقاء نظرة على خريطة العالم العربي ليكتشف أن الأكثرية الكثيرة من الدول العربية أصبحت، بطريقة أو بأخرى، في أحضان إسرائيل.
وفي ما عنى الجولان – وهنا بيت القصيد – فهو، منذ 1963، تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي، ولم تُطلِق سوريا رصاصة واحدة من أجل تحريره، بل آثرت ربيع لبنان الدافئ على شتاء الجولان البارد!
إن السؤال الذي يطرحه كل عربي أبيّ على نفسه هو التالي: لماذا لم تقدِم سوريا – سوريا «البعث» - منذ 1967، أي منذ حوالى ثلاثين سنة، على محاولة تحرير الجولان؟ لماذا لم تفعل، من أجل تحريره، ما فعلته «المقاومة» اللبنانية من أجل تحرير جنوب لنبان؟!
هل يعرف إخواني القراء ما عاناه ويعانيه إخوتنا السوريون الجولانيون من قهر وعذاب وحِرمان مصدرها العدو الإسرائيلي المحتل؟ هل يعرفون ما يتحمل أولئك الجولانيون من ظلم إسرائيل واستبدادها؟ في ما يلي أنقل لإخواني القراء ما نُشِر في «النهار» 14 نيسان 2006، بقلم واحد من أولئك المعذّبين المقهورين:
«كما أن دمشق مطالبة بالتحرك والضغط الجدّي على إسرائيل عبْر المحافل الدولية للسماح لأهالي الجولان بدخول أرض الوطن وحلّ إشكالية العائلات المشتتة شرق خط وقف إطلاق النار وغربه؛ إضافة إلى إيجاد آلية لتسويق منتجاتهم الزراعية، سيما التفاح داخل الأراضي السورية، ما يعزّز من صمودهم ومقاومتهم ويخفف من جور السلطات المحتلة التي تنتهج بحقهم «سياسة تفريغ الجيوب» عبر الضرائب الباهظة على الأرزاق والمحاصيل، والتقنين من مياه الري المسروقة أصلاً من أراضيهم، وبيعهم إياها بأسعار خيالية... وعلى الحكومة السورية أن تبذل كل المستطاع لملاقاة جهد الأهالي» (انتهى النص).
هذه الصرخة التي أطلقها مواطن سوري من الجولان المحتل كان مفروضاً فيها لوحدها أن تحرك النظام السوري وأ، تحمله على إعداد وتنظيم مقاومة فعّالة ترخص معها التضحيات من أجل تحرير أرض سورية يعيش عليها سوريون يتعذّبون ويتألمون ويُطلقون صرخات الاستغاثة... ولا حياة لمن تنادي!
***
لأولئك الذين يؤلّفون الشعب السوري أقول، بكل محبة، ما يلي: إن كنتم مسلمين أو مسيحيين، من أهل اليمين أو من أهل اليسار، بعثيين أو غير بعثيين، من «الإخوان المسلمين» أو من غيرهم، وبكلمة موجزة إن كنتم ما شئتم أن تكونوا، فإن الشعب اللبناني ينظر إليكم نظرته إلى إخوة، بل إلى أشقاء، شركائه في المصير، يفرحه ما يفرحكم ويؤلمه ما يؤلمكم، ويتمنى لكم كل خير وكل سعادة، فالعلاقات الممتازة والمميزة والمتوازية، دونما هيمنة من دولة على أخرى هي أغلى ما يتمناه الشعب اللبناني.
*هذه المقالات غير منشورة وقد كتبت في زمن يتوافق مع الاحداث المذكورة ضمن المقال..وننشرها بعد وفاة الكاتب نصري سلهب الذي عايش الاحداث وحللها في ذلك الوقت.
*إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً