مقالاته
«المقاومة» وحزب الله

نصري سلهب

الأربعاء 9 حزيران 2021

حَدثان إعلاميان يستحقان أن نتوقف عندهما بعض الوقت، في سعينا إلى اكتشاف حقيقة ما جرى ويجري على الساحة اللبنانية:
 
 
الحدث الأول هو تصريح سعد الحريري، رئيس تيار المستقبل (صحف 22 كانون الأول 2005)؛ والحدث الثاني حوار السيد حسن نصرالله، أمين عام حزب الله، في تلفزيون المنار (23 كانون الأول 2005).
 
 
الحدث الأول، قال سعد الحريري، في ما قال: «لدينا اقتناع أن هنالك حرباً تشنّ علينا من نظام إرهابي سوري يضم حفنة من الأشرار يريدون قتل كل شخص له علاقة بـ14 آذار، ويمعنون في قتل اللبنانيين لأنهم يريدون استقلالهم وسيادتهم. فلماذا النظام السوري يركض وراء أميركا وإسرائيل ويريد إقامة سلام مع إسرائيل؟ لماذا يريد أن يساوم مع أميركا على دماء الشهداء رفيق الحريري وباسم فليحان وسمير قصير وغيرهم؟ لديّ اقتناع بأن رئيس الجمهورية يجب أن يذهب إلى بيته؛ ولديّ اقتناع بأن علينا أن ندعم «المقاومة» لنحمي البلد.
 
 
ونحن وجنبلاط اتفقنا على حماية «المقاومة» نحن مصرون على المحكمة الدولية.. هناك قوى اسمها «تيار المستقبل» ووليد جنبلاط وسمير جعجع وأمين الجميل ودوري شمعون وقرنة شهوان وميشال عون تؤمن بوجوب وجود محكمة دولية هذا الموضوع لن نتزحزح عنه...».
 
 
ذلك بعض ما أعلنه رئيس تيّار المستقبل، إن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن بشكل طبيعي هو التالي: هل أن الثنائية الشيعية (حزب الله وأمل) توافق على ما أعلنه سعد الحريري؟ وعلى سبيل المثال، لا الحصر، هل هي توافق على أن النظام السوري نظام إرهابي يضم حفنة من الأشرار يريدون قتل كل شخص له علاقة بـ14 آذار، ويمعنون في تقل اللبنانيين لأنهم يريدون استقلالهم وسيادتهم؟ وهل هي توافق – دون شروط تعجيزية – على المحكمة الدولية أو ذات الطابع الدولي؟ وهل هي توافق على أن الرئيس إميل لحود ينبغي أن يذهب إلى بيته؟ وهل هي توافق على أن النظام السوري يركض وراء أميركا وإسرائيل ويريد إقامة سلام مع إسرائيل؟ وهل هي توافق على أن النظام السوري يساوم مع أميركا على دماء الشهداء رفيق الحريري ورفاقه؟ وهل هي توافق على أن النظام السوري ضالع، بطريقة أو بأخرى، في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه؟
 
 
لست أظن أن هذه الأسئلة بحاجة إلى جواب. ذلك أن الملأ اللبناني يعرف حقيقة مواقف الثنائية الشيعية من جميع الأمور المطروحة أعلاه، كما أنه يعرف أن الثنائية تدين بالولاء لإيران وبالوفاء لسوريا، وأن لهاتين الدولتين الحليفتين استراتيجيا واحدة في وجه أميركا، خصوصاً، والمجموعة الدولية، عموماً.
 
 
2 – حوار السيد حسن نصرالله، في ذلك الحوار أعلن السيد نصرالله أن «المناقشات تدور حول عنوانين اثنين العنوان الأول: «توافق التحالف الرباعي (أمل – حزب الله – تيار المستقبل – الحزب التقدمي الاشتراكي) على المواضيع الأساسية قبل طرحها على مجلس الوزراء». والعنوان الثاني: «إصدار الحكومة بياناً يطلب من مجلس الأمن الدولي إلغاء ما لم ينفذ من القرار 1559 (لجهة نزع سلاح «المقاومة») واعتماد هذا شأناً داخلياً لبنانياً. (هذا العنوان الثاني لن أبحثه في مقالي لكونه يفتقر إلى الحد الأدنى من الجدية وروح المسؤولية).
 
 
التوافق الرباعي: هذا التوافق يشكّل ضربة قاضية للديمقراطية في لبنان. ذلك أن التحالف الرباعي المار ذكره يمثل السنّة والشيعة والدروز ولا يمثل المسيحيين إطلاقاً. وهكذا، بشطحة قلم أو بإرادة سنية، ألغى السيد حسن نصرالله كلاً من القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر والكتائب اللبنانية والوطنيين الأحرار والكتلة الوطنية وقرنة شهوان! ألا يحق للمسيحيين أن يشتركوا في التوافق على المواضيع الأساسية؟! أَإلى هذا الحد وصلت مواصيل السيد حسن نصرالله؟!
 
 
ينبغي، هنا، الإشارة إلى أن حزب اللله وأمل وتيار المستقبل وجنبلاط اتفقوا على حماية «المقاومة». ذلك ما ردّدوه أكثر من مرة. كمان أنه من الضروري الانتباه إلى أن سعد الحريري (في حديثه المار ذكره) استعمل كلمة «المقاومة» عندما قال: «لديّ اقتناع بأن علينا أن ندعم «المقاومة» لنحمي البلد. ونحن وجنبلاط اتفقنا على حماية «المقاومة». فهو لم يقل «علينا أن ندعم حزب الله، ولم يقل «اتفقنا على حماية «حزب الله». وهذا يعني أن «المقاومة» شيء وأن «حزب الله» شيء آخر.
 
 
إن «المقاومة» رسالة تهدف إلى تحرير الوطن من الاحتلال الإسرائيلي وتحرير السجناء اللبنانيين من سجون العدو. إن كل لبنان مع «المقاومة» يدعمها ويحميها من كل شر. ولكن كل لبنان ليس مع «حزب الله». ذلك أن هذا الحزب، منذ تمثيله في الحكومة، ومنذ تصدّيه لأمور ذات طابع سياسي، أصبح ينتسب إلى عالم السياسة الرتيبة التي لسنا بحاجة إلى التنويه بشطاراتها ولولبياتها.
 
 
إن «المقاومة» ليست ممثلة في الحكومة بالوزراء الشيعة، بل هي ممثّلة بجميع الوزراء دون استثناء لأن جميع الوزراء يقفون مع «المقاومة» في رسالتها التحريرية ويحمونها من كل اعتداء. من أجل ذلك وجَب التمييز بين «حزب الله» - الذي يتعاطى السياسة الرتيبة كسائر الأحزاب السياسية الأخرى – وبين «المقاومة» التي هي رسالة تكاد تكون مقدّسة لأنها تستوحي مبادءها من كتاب الله وتجعل من «المقاوم» عندما يُقتل في ساحة الجهاد وفي سبيل الله والوطن، شهيداً يخلد في جنة أعدّها الخالق لعباده الصالحين.
 
 
وهكذا عندما يصطدم المقاومون بالعدو الإسرائيلي ويُقتل منهم ثلاثة – كما جرى منذ بضعة وعشرين يوماً.. فذلك عمل يكبره ويقدره اللبنانيون جميعهم. أما عندما يُلقي السيد حسن نصرالله، في ذكرى يوم القدس، ذلك الخطاب الذي بلغ فيه ذروة الانفعال وفقدان السيطرة على الذات، وعندما يصبّ جام عضبه على رئيس لجنة التحقيق الدولية لا لسبب إلا لأنه هذا الأخير ليس حاظياً بالرضى السوري، فذلك ليس «مقاومة» بل سياسة من النوع الرتيب الذي مجّته أكثرية اللبنانيين.
 
 
إن تحالف «حركة 8 آذار» مع جزء من حركة 14 آذار كان، في الأصل، خطوة انتخابية استمرت في الاتجاه ذاته حتى أدّت، في مرحلتها الأخيرة، إلى اشتراك الرباعية الشهيرة في حكومة واحدة، مع العلم بأن مسافة كبرى تُباعد، سياسياً وسورياً، بين تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي، من جهة، وبين الثنائية الشيعية، من جهة ثانية، كما دلّت على ذلك أحداث كثيرة.
 
 
ولقد قال السيد حسن نصرالله، في ما قال: «أنا صديق سوريا أقول إن السوري لن يعود إلى البلد. هذه المرحلة انتهت. وأنا مسؤول عن كلامي. (انتهى النص).
 
 
كم كنت أتمنى – على غرار كثيرين كثيرين – أن يكون السيد نصرالله صديق لبنان قبل أن يكون صديق سوريا! أما قوله إن السوري لن يعود إلى البلد فهو صحيح، نظرياً لأن السوري مُمثّل في لبنان خير تمثيل «بأصدقائه» الذين، في بعض الأحيان، يبدون وكأنهم ملكيون أكثر من الملك.
 
 
ثم إن سوريا، طوال عهد انتدابها على لبنان، لم تلحق أية إساءة بحزب الله، بل على العكس، مدت له يد المساعدة والعطاء في أكثر من مجال. وتشاء الأقدار – أو سوريا؟ - أن يكون ضحايا الاغتيال الإرهابي جميعهم من غير أصدقاء سوريا! فعلى سبيل المثال هل إن كمال جنبلاط وبشير الجميل ورينه معوض وحسن خالد وصبحي الصالح وسمير قصير وجورج حاوي ومي شدياق وجبران تويني هم من أصدقاء سوريا؟ إن أصدقاء سوريا لم يمَسوا بسوء لا أثناء وجودها في لبنان ولا بعد انسحابها منه، أفليس من حق المرء أن يتساءل كيف أن الضحايا ليس فيهم واحد وحيد من أصدقاء سوريا؟!
 
 
**** 
 
السنديانة والقصبة
 
 
يرى بعض علماء الاجتماع أن للاسم، في بعض الأحيان والحالات، تأثيراً على المسمى. ذلك هو، في اعتقادي، شأن الرئيس نبيه بري الذي جمع، في اسمه، النباهة إلى البر. في الواقع إن الرجل الثاني في لبنان يبدو، في الزمن الحاضر، من أكثر السياسيين اللبنانيين نباهة وبراً. إنه نبيه وبين شريكه في الثنائية الشيعية، السيد حسن نصرالله، فارقاً يستحق الذكر. فهذا الأخير يبدو كجذع شجرة لا يلوي ولا ينحني لكونه من الخشب الصلب اليابس لا يمكن الانتصار عليه إلا بالكسر. أما الرئيس بري فيبدو كالشلح الأخضر، ينحني عند الاقتضاء، فلا يُكسر، بل يعود إلى حالته كما كان. لكأني بالشاعر الفرنسي القصاص لافنتين عناهما، هما الاثنين، في خرافته الشهيرة «السنديانة والقصبة».
 
 
لقد أعلن الرئيس بري أكثر من مرة أنه صديق سوريا. ولكنه، في قرارة نفسه، يعرف أن الصداقة لها حدود ليس من النباهة ولا من البر تجاوزها. وهو، خلافاً، للسيد حسن نصرالله، ليس له مع المجموعة الدولية مشكلة تمتّ بصلة وثقى إلى السلاح الحربي. كما أن ولاءه لإيران، من خلال شبيبته، يتصف بالاعتدال لكونه رجل دنيا لا رجل دين، وعلماني التفكير والنهج. وهو، من جهة ثانية – وهذا مهم – لم ولا يتلقى مساعدات مالية من عاصمة «الشيعية» في هذا الشرق.
 
 
بكل محبة أسأل الرئيس بري: هل في اتفاقية الطائف نصّ يعطي طائفة من الطوائف اللبنانية حقوقاً أو امتيازات أكثر من سواها؟ أما قوله – وهو قول رائع نظرياً ومبدئياً – أنْ «لا يوجد طائفة شيعية ولا طائفة سنية بل طائفة إسلامية لديها مذاهب»، فكم كنت أتمنى، مخلصاً يشهد الله، أن يكون هذا القول متفقاً مع الواقع ومع ما يجري على الساحة اللبنانية من أخْذ ورد. فإذا كان الأمر كما يقول الرئيس بري فلماذا تطالب الثنائية الشيعية بما تطالب به؟ أليست تفعل ذلك انطلاقاً من شيعيتها؟ لماذا لا يتصرف وزراؤها كما يتصرف الوزراء الآخرون الذين لم يطالبوا إلا بعدم محوهم من الوجود، ولم يحاولوا، إطلاقاً، محو سواهم؟
 
 
إن قرار «الحرم» الذي صد عن أحد المراجع الشيعية الدينية في لبنان يشكّل سابقة خطيرة بل خطرة تهدد هذا الوطن في أساساته. ما هكذا علّمنا الإمام علي، رضي الله عنه، الذي كان مثالاً في التسامح الديني والذي ترك لنا تراثاً فكرياً وروحياً واجتماعياً جعله واحداً من المنارات التي تضيء الإنسانية وترسم لها طريق الوصول إلى الله.
 
 
إن «غلطة» الرئيس بري هي أنه – وهو رئيس السلطة التشريعية البعيد عن التعصب المذهب – ربط مصيره بمصير السيد حسن نصرالله المقدود من الخشب الصلب اليابس، وهكذا بدت الثنائية الشيعية كجزيرة في لبنان قائمة بذاتها تعتبر أنها ليست بحاجة إلى أحد وأن الجميع بحاجة إليها!
 
 
من هنا نبعت جميع المشاكل.
 
 
 
 
 
 
 
 
*هذه المقالات غير منشورة وقد كتبت في زمن يتوافق مع الاحداث المذكورة ضمن المقال..وننشرها بعد وفاة الكاتب نصري سلهب الذي عايش الاحداث وحللها في ذلك الوقت.
 
*إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً