مقالاته
سوريا وأميركا!!

نصري سلهب

الثلاثاء 8 حزيران 2021

أوجّه هذا المقال، بصورة خاصة، إلى إخواني في الله وشركائي في الوطن، الذين تظاهروا منذ أيام ضد «الوصاية الأميركية» لأقول لهم إن من حقهم أن يتظاهروا للتعبير عن رأيهم. فنحن، والحمد لله، في بلد ديمقراطي يحترم الحريات ويصونها، غير أن فئة قليلة منهم لجأت إلى السباب والشتائم والكلام البذيء، وهذا أمر يؤسف له إذ هو حط من مستوى التظاهرة وشوّهها بعض الشيء. فإليهم بعض تفاصيل عن «الوصاية الأميركية» أو – وهذا أصح – عن العلاقة السورية الأميركية من خلال واقعتين شهيرتين:
 
 
1 – عام 1976 لم يدخل الجيش السوري إلأى لبنان إلا بعد موافقة أميركا وبركتها، أيام كان كيسنجر السعيد الذكر ووزيراً لخارجية الدولة العظمى. ونشأ بين هذا الأخير وبين الرئيس حافظ الأسد نوع من تواطؤ جعل العميد ريمون اده، بصورة خاصة، ينسب إلى الاثنين سعيهما الخفي إلى عقد صفقة توجز في تنازل سوريا عن الجولان لقاء احتفاظها نهائياً بالبقاع. تلك كانت قناعة «جبهة الاتحاد الوطني» التي رأت النور، عام 1976، في منزل العميد اده والمؤلفة من جميع رؤساء الحكومة السابقين وعدد من النواب والتي وقفت ضد دخول الجيش السوري إلأى لبنان وضد تدخل سوريا في شؤونه الداخلية. ذلك أيضاً كان موقف «الحركة الوطنية» التي كان يترأسها كمال جنبلاط والتي كانت متحالفة مع منظمة التحرير الفلسطينية التي حاولت بسلاحها الثقيل، منع دخول الجيش السوري إلى لبنان. غير أن الرئيس حافظ الأسد، مُستقوياً بأميركا، تابع طريقه، وكان ما كان.
 
 
ولكن الغزل السوري – الأميركي لم يدم طويلاً وأصبحت سوريا في واد وأميركا في واد... واقتنعت أميركا بضرورة مساعدة لبنان وكان ما كان من وصول القوات المتعددة الجنسية إلى لبنان لتساعده على الحفاظ على كيانه بل على وجوده. وظلت الأمور تعلو وتهبط إلى أن وصلنا إلى الطائف (1 – 24 تشرين الأول 1989) حيث ألقت المملكة العربية السعودية، وعلى رأسها جلالة الملك فهد بن عبد العزيز، كل وزنها في الميزان لمساعدة اللبنانيين على وضع حد نهائي لحربهم القذرة، وكان اتفاق الطائف. وتنفّس لبنان الصعداء..
 
 
2 - .... في 2 آب 1990 وقع الزلزال العراقي باحتلال الكويت، فرفعت أميركا لواء تحرير الكويت عالياً وسعت إلى اشتراك أكبر عدد ممكن من الدول العربية في حرب التحرير. وفي 10 من الشهر نفسه عقد الرؤساء والملوك العرب جلسة استثنائية وقرروا إرسال قوة عربية مشتركة إلى الكويت، وكانت مساهمة سوريا في تلك القوة ذات أهمية، تجاوباً مع الرغبة الأميركية. وبعد خمسة أيام قام مسؤول أميركي بزيارة الرئيس الأسد وسلّمه رسالة من الرئيس بوش. وفي اليوم العشرين صرّح السفير الأميركي في دمشق أن بلاده ترى أن توضع اتفاقية القاهرة موضع التنفيذ فوراً. وفي اليوم التالي قام المجلس النيابي اللبناني بتصديق تلك الاتفاقية وعلى الأثر نشر الرئيس الهراوي القانون المصدٌّ، مُعلناً ولادة «الجمهورية الثانية».
 
 
في 13 أيلول قام وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر بزيارة دمشق وهي أولى زيارة أميركية بهذا المستوى. وفي 2 تشرين الأول استقبل الرئيس بوش، في البيت الأبيض في واشنطن، الرئيس سليم الحص (رئيس الحكومة اللبنانية آنذاك). وفجر اليوم الثالث عشر هاجمت فرقة من الجيش اللبناني، تساندها فرقة من الجيش السوري، بعبدا واليرزة. وفي صباح اليوم نفسه قصفت الطائرة السورية قصر الرئاسة في بعبدا... فلم يبق أمام العماد ميشال عون سوى اللجوء إلى السفارة الفرنسية..
 
 
وعُقدت «الصفقة» الشهيرة الغنية عن التعريف بين أميركا وسوريا وقد قضت، في ما قضت به، بتسليم لبنان إلى سوريا تلسليم اليد لقاء تعهد من سوريا بعدم تحريك قضية الجولان عسكرياً. وأصبحت سوريا، من 1990 إلى 2005، الآمرة الناهية في لبنان، ببركة أميركا... وكان ما كان. ثم خرجت سوريا من لبنان مغلوبة على أمرها، وبقيت إسرائيل في الجولان لا ينازعها عليه منازع.. 
 
 
... تانك واقعتان تُبتان بشكل قاطع أن أميركا، على مرتين، فرضت سوريا على لبنان وتدخلت في شؤونه الخاصة والعامة.
وهكذا عندما تتدخل أميركا في لبنان لصالح سوريا يكون تدخلها جائزاً وشرعياً، وعندما تتدخل في لبنان لصالح لبنان يكون تدخلها غير جائز وغير شرعي!
 
 
إن النظام السوري، منذ اغتيال الشهداء رفيق الحريري ورفاقه، ومن بعدهم سمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني، أوجد نفسه في وضع حرج، لا بسبب أميركا، بل بسبب مجلس الأمن الدولي الذي أصدر، بإجماع أعضائه، القرارات 1559 و 1595 وسواها. ومن المعروف أن فرسا وبريطانيا العظمى – لا أميركا وحدها – كانتا وراء صدور تلك القرارات. وفي ما يلي أدلة على ذلك:
 
 
«في 10 كانون الثاني 2006 خلال استقباله أعضاء السلك الديبلوماسي المعتمدين في فرنسا، وفي حضور جميع السفراء العرب وبينهم سفيرا سوريا ولبنان، شدد الرئيس الفرنسي على أن قرارات مجلس الأمن ينبغي أن تنفذ وأن تحترم وأنه ينتظر من سوريا تعاوناً كاملاً مع لجنة التحقيق الدولية، ونبّه إلى أن عودة سوريا إلى الأسرة الدولية مرتبط بتغيير تصرفاتها وأن مدبّري الاغتيالات في لبنان والمخطّطين لزعزعة استقراره ينبغي أن يُدركوا أن زمن التدخلات والتهرب من العقاب قد ولّى».
 
 
- ذلك ما فعله أيضاً السيد ولش، معاون وزيرة الخارجية الأميركية أثناء زيارته لبنان، تلك الزيارة التي قام بها خصيصاً لتبديد أوهام من ظنوا أ، صفقة ما عُقدت أو ستُعقد مع سوريا التي يترتب عليها، والحالة ما ذُكر، احترام وتنفيذ ما أصدره مجلس الأمن من قرارات تتعلق بها وبلبنان.
 
 
- وكان سبق لوزير الخارجية البريطاني أن زار لبنان لطمأنة الشعب اللبناني أن بريطانيا العظمى لن تتخلى عن لبنان بل ستساعده على استرداد سيادته وحريته، انطلاقاً من تنفيذ سوريا لقرارات مجلس الأمن، لا سيما القرار 1559.
 
 
هنالك، إذن، موقف واحد موحد بين الدول الثلاث المار ذكرها، التي أخذت على عاتقها مساعدة لبنان.
 
 
وهكذا فإن هذه ال دول الثلاث، بصورة خاصة، وجميع أعضاء مجلس الأمن، بصورة عامة، أصرّوا ويصرّون على سوريا لكي تتعاون مع لجنة التحقيق الدولية تعاوناً كاملاً وصريحاً.
 
 
ذلك أوقع سوريا في مأزق حرج للغاية جعلها، في مضمار التعاون، تمضي خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الوراء، وتلجأ إلى التسويف والمماطلة، كسباً للوقت.
 
 
هنالك قناعة – والقناعة تنبع من داخل الإنسان – عند آل الحريري، وتيار المستقبل وأصدقائهم الكثيرين بأن النظام السوري كان وراء اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه.
 
 
فعلى سبيل المثال: بتاريخ 21 كانون الأول 2005 أدلى سعد الدين الحريري بالتصريح التالي: «لدينا اقتناع بأن هنالك حرباً تشن علينا من نظام سوري يضم حفنة من الأشرار يريدون قتل كل شخص له علاقة بـ14 آذار ويُمعنون في قتل اللبنانيين لأنهم يريدون استقلالهم وسيادتهم». (انتهى التصريح).
 
 
غير أن سوريا، من جهتها، تُنكر ضلوعها في تلك الجريمة وتؤكد أن المسؤولين السوريين، من قمة الهرم إلى أسفله، أبرياء من دماء أولئك الشهداء الأبرار.
 
ومهما يكن من أمر، وبقطع النظر عن اعتراف أو إنكار، فإن اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه جعل مصير النظام السوري على كف عفريت. فالقضية، بالنسبة إليه، قضية موت أو حياة. «أن يكون أو لا يكون. تلك هي المسألة». ثم إن بروز السيد عبد الحليم خدام على الساحة والوقائع التي أدلى بها، وهجومه الصاعق على الرئيس بشار الأسد بالذات خلق عند المسؤولين السوريين بلبلة كبرى حاولوا التخفيف من أهميتها فلم يُفلحوا. إلى ذلك يضاف موقف مجلس الأمن الصامد الذي لا يتزحزح والذي طلب ويطلب من سوريا أن تتعاون مع التحقيق تعاوناً غير مشروط. 
 
 
فالأزمة في لبنان، والحالة ما ذُكر، كان لا بد أن تقع لأنها محتومة الوقوع. ذلك أن هنالك قضية أساسية تُلقي بظلالها على لبنان، كل لبنان: قضية اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه بتلك الطريقة الوحشية..
 
 
من هنا نتبين أن بين آل الحريري وحلفائهم وأصدقائهم، من جهة، وبين النظام السوري، من جهة ثانية، حرباً ضروساً. والحرب سلسلة معارك لا تهدأ. غير أن هنالك معركتين تستحقان الذكر. الأولى: المحكمة الدولية. والثانية: توسيع صلاحيات ونطاق لجنة التحقيق الدولية.
 
 
في تينك المعركتين وقف «حزب الله» و«أمل» ضد آل الحريري ورفاقهم وأصدقائهم، أي ضد 14 آذار، إذْ إنهما رفضا إنشاء المحكمة الدولية وتوسيع صلاحيات لجنة التحقيق، وذلك خدمة لسوريا التي لا تنظر بعين الرضا إلى هذين الأمرين.
 
 
ولا بد، هنا، من ملاحظة ما يلي: إذا كانت سوريا بريئة كل البراءة من دماء أولئك الشهداء اللبنانيين، كما طاب ويطيب لها أن تؤكد، فماذا يضيرها أن تكون هنالك محكمة دولية أو غير دولية؟! وماذا يضيرها أن توسع صلاحيات لجنة التحقيق الدولية؟!
 
 
ثم هنالك سؤال يطرح نفسه بإلحاح: ما هي الأسباب التي جعلت وتجعل الثنائية الشيعية تقف إلى جانب سوريا ضد 14 آذار، خصوصاً في ما عنى المحكمة الدولية وتوسيع صلاحيات لجنة التحقيق؟ الجواب: واجب الوفاء تجاه سوريا التي ساعدت «حزب الله» في جهاده ضد إسرائيل. وكذلك واجب الولاء لإيران الذي أمدّ ويمدّ «حزب الله» بالمساعدات المستمرة المختلفة. فلولا إيران لما كان «حزب الله» استطاع أن يبلغ في لبنان ذلك البُعد الذي جعله يبدو وكأنه دولة قائمة بذاتها. ذلك أن «حزب الله» لم يمد يده إلى المال العام ولم يُفِد ولا حاول أن يفيد من صفقات أو خوّات أو سمسرات، فظل، لهذه الجهة، فوق الشبهات. لقد احترم نفسه فاحترمه السوريون وتعاملوا معه من ند إلى ند. غير أن نقطة الضعف عنده هو كونه مديناً لإيران بالكثير الكثير.
 
 
كيف في وسعنا أن تصنف إيران؟ إنها ليست دولة عربية لا من قريب ولا من بعيد. وهي ليست، في علاقاتها مع لبنان، محكومة بالجغرافيا، لأنها ليست على تخومه. فليس بينها وبين لبنان – كدولة – تاريخ وعلاقات أخوية ومصالح مشتركة، كما الأمر بين لبنان وسوريا. إن إيران، إذن، بالنسبة إلى لبنان وإلى العالم العربي، دولة أجنبية في المفهوم الدولي للكلمة. إلا إذا اعتبرنا أن المذهبية الدينية هي، في الآن نفسه، قومية أو جنسية.
 
 
إن إيران، بالتأكيد، دولة شيعية يحكمها رجال دين شيعيون، لأنها، منذ ثورة الخميني، ارتدت الطابع الديني الشيعي. إن تعاطفها، إذن، مع «حزب الله» وتعاطف هذا الأخير معها، له أسباب دينية مذهبية. فهل ذلك يجيز لحزب لبناني عربي أن يتلقى مساعدات منها وأن يواليها موالاة تكاد أن تكون مطلقة؟ وهل يجوز لها، من جهتها، أن تتدخل في شؤون لبنان الداخلية؟ هل يجوز لها، مثلاً، أن توحي إلى «حزب الله» بألا يوافق على المحكمة الدولية، خدمة لسوريا؟
 
 
بل هل يجوز لأي حزب في أية دولة أن يتلقى مساعدات مستمرة من دولة أخرى، أياً تكن تلك الدولة؟
 
 
سؤال أطرحه على ضمائر الأخوة المتظاهرين وعلى مَن وراءهم.
 
 
ليس من الممكن ولا من المناسب أن يعقد صلح بين لبنان وسوريا قبل أن تُعرف نتائج التحقيق الذي أجرته وتجريه اللجنة الدولية. إنما من الضروري المحتوم أن تُعقد هدنة بين البلدين، على أن يتبعها، بعد نهاية التحقيق، صلحاً يكون منسجماً من نتائج هذا التحقيق.
 
 
الواضح، حالياً، أن سلاح سوريا هو المماطلة والتسويف وربح الوقت، لعلّ الزمن يأتي على صبر آل الحريري وأصدقائهم فتفتر همّتهم ويستولي عليهم اليأس!!
 
 
أما سلاح سوريا الآخر فهو الدعم الذي يلقاه من بعض الرؤساء العرب، وعلى رأسهم الرئيس حسني مبارك المتحمس كثيراً للنظام السوري ورئيسه.
 
 
وحده الله، العليم بكل شيء، يعرف كيف ستكون نتائج التحقيق النهائية.
 
 
ولكنّ المؤمنين بالله يعرفون أنه، عزّ وجل، لا يمكن أن يكون مع الجلاد ضد الضحية.
 
 
 
 
 
*هذه المقالات غير منشورة وقد كتبت في زمن يتوافق مع الاحداث المذكورة ضمن المقال..وننشرها بعد وفاة الكاتب نصري سلهب الذي عايش الاحداث وحللها في ذلك الوقت.