مقالاته
الإطفائي

نصري سلهب

الأربعاء 28 نيسان 2021

كثر الحديث، خلال هذه الحقبة السوداء من تاريخ لبنان، عن «اتفاقية الطائف» وعن القرار 1559، فبدا واضحاً أن «أصدقاء» الشقيقة سوريا «طائفيون» وأن أصدقاء لبنان «أمميون».

***

عُرف الرئيس صائب سلام، طيب الله ذكره، بالإطفائي، ذلك أنه، عند اشتداد الأزمات في فريق وفريق، كان يسعى، بكل إمكاناته، إلى إلقاء الماء على النار بغية إطفائها أو التخفيف من لهبها المُحْرق المميت. ولقد كان أيضاً يلجأ إلى كلمتَي التفهم والتفاهم ليصل، من خلالهما، إلى تقريب وجهات النظر بين المتخاصمين، كل ذلك من أجل لبنان الواحد، أرضاً وشعباً. وكثيراً ما كان يُطلق شعاره الشهير: «لبنان واحد لا لبنانان».

***

عندما قرأتُ، منذ أيام، التصريح الناري الصادر عن رئيس الحكومة الأستاذ عمر كرامي، والذي تميّز بعنف غير مألوف لدى مسؤول كبير، تألّمت، يشهد الله، وقفزت إلى ذاكرتي صورة الرئيس صائب سلام، فرُحت أردّد، بشكل عفوي:

سيذكرني قومي إذا جدّ جدهم             وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدرُ

***

لقد أضاع الرئيس كرامي فرصة لا تقدر بثمن. لقد كان من واجبه الوطني أن يضطلع بدور الإطفائي وأن يكون حلقة الخير بين الموالين الطائفيين وبين المعارضين الأمميين، فيسعى، بكل إمكاناته، إلى التفتيش، مع هؤلاء وأولئك، عن حل ليس فيه غالب ولا مغلوب، ويوفّر على الوطن والمواطنين شرّ الفرقة والانقسام.

لقد نسي الرئيس كرامي أنه رئيس حكومة لبنان، كل لبنان، لا رئيس مؤسسة أُنشئت خصيصاً لخدمة مصالح الشقيقة سوريا وبقائها مهيمنة على لبنان وفي لبنان.

ولقد نسي، أيضاً وخصوصاً، أنه ابن عبد الحميد كرامي وشقيق رشيد كرامي، ذينك المؤمنَين الكبيرين اللذين، طوال حياتهما، لم ينبسا بكلمة جارحة أو محطة من قدر أحد، فحافظا على مستوى أخلاقي غدا، في عالم السياسية، مضرب مثل.

في تصريحه الهائج قال الرئيس كرامي أقوالاً هائجة كثيرة. ولكني، في مقالي هذا، أتوقّف عند قوله الخاص بدخول الجيش السوري إلى لبنان، نظراً إلى خطورة الموضوع وتفاعلاته، ونظراً إلى أن ذلك الدخول يشكّل حجر الأساس لكل ما جرى بعده.

قال الرئيس كرامي: «إن سوريا دخلت إلى لبنان بناء لطلب الحكومة اللبنانية». (انتهى النص). إن تعليقي على هذا القول هو التالي: دخل الجيش السوري إلى لبنان بتاريخ أول حزيران 1976 في ذلك التاريخ كان رشيد كرامي رحمه الله، رئيساً للحكومة اللبنانية. وهذا يعني، حسب قول الرئيس عمر، إن رشيد كرامي، رحمه الله تكراراً، والحكومة التي كان يترأسها هما اللذان طلبا من الشقيقة سوريا أن تتدخّل عسكرياً في لبنان عام 1976.

فإلى إخواني القراء، موالين ومعارضين، أذكر الوقائع التالية:

1 – بتاريخ 11 تموز 1976، وعلى إثر دخول الجيش السوري إلى لبنان في أول حزيران من السنة نفسها، أُنشئت، في منزل العميد ريمون اده، في بيروت، «جبهة الاتحاد الوطني» التي ضمت، بالإضافة إلى العميد اده، الرؤساء عبدالله اليافي وصائب سلام ورشيد كرامي وأحمد الداعوق ورشيد الصلح، والنواب حسن الرفاعي، مخايل الضاهر، علي الخليل، ألبير منصور، عبد المجيد الرافعي، جميل كبّي، أمين بيهم ونجيب قرانوح...

بتاريخ تأسيسها أعلنت «الجبهة» وثيقتها التي تضمنت الأهداف التي ستعمل على تحقيقها من خلال البيان التالي:

«على اثر التطورات الخطيرة الحاصلة على الساحة اللبنانية لجهة محاولات تقسيم البلاد واحتلال أجزاء منها، كان لا بد من تجميع الجهود للتصدي بجبهة سياسية موحدة لهذه الأخطار التي تهدد سيادة لبنان ووحدته.

وقد تم الاتفاق بين الذين تمكنوا من الالتقاء وإجراء المحادثات في ما بينهم على إنشاء «جبهة الاتحاد الوطني»، فوقعوا وثيقة تتضمن أهداف هذه الجبهة معتبرين أن الموقعين هم نواتها في انتظار استكمال الاتصالات».

«نحن الموقعين أدناه، قد اتفقنا على إنشاء «جبهة الاتحاد الوطني» التي تضع في رأس اهتماماتها الملحة في الظرف الراهن الأهداف الأساسية الآتية:

أولاً: الحؤول دون تقسيم لبنان أو تجزئته أو التنازل عن أي قسم من أرضه، وإبقاؤه جمهورية ديموقراطية عربية سيدة حرة مستقلة.

ثانياً: العمل من أجل انسحاب الجيش السوري من كل الأراضي اللبنانية والمطالبة بتنفيذ قرارات الجامعة العربية.

ثالثاً: تأكيد وجوب تقيد المقاومة الفلسطينية بكل فصائلها بتنفيذ الاتفاقات المعقودة مع الدولة اللبنانية وكل ملحقاتها احتراماً للسيادة اللبنانية.

بيروت في 11 تموز 1976.

ثم، في اليوم نفسه، وجّهت «الجبهة» برقية عاجلة إلأى مجلس الجامعة العربيثة الذي انعقد في اليوم التالي. في ما يلي نص البرقية:

«السيد محمود رياض، الأمين العام لجامعة الدول العربية المحترم،

لمناسبة اجتماع مجلس الجامعة العربية غداً الاثنين 12/7/1976، للبحث في قضايا لبنان، ترجو «جبهة الاتحاد الوطني» أن تأخذوا علماً بالأسس التي اتفق على وضعها رأس اهتماماتهم الملحة في الظرف الراهن.

وأرفقت البرقية بميثاق الجبهة.

ووقع هذه البرقية موقعو ميثاق الجبهة باستثناء الرئيس رشيد كرامي لاذي اتصل به العميد ريمون اده من أجل ذلك فأبلغه كرامي أنه يفضل أن يتحرك تجاه الجامعة العربية كرئيس للحكومة اللبنانية، وأنه سيقوم بالدور المترتب عليه في هذا الخصزص.

ووجه الرئيس عبدالله اليافي إلى السيد محمود رياض برقية هذا نصها، «إني أؤيد مضمون البرقية التي أرسلتها في تاريخ هذا اليوم جبهة الاتجاد الوطني راجياً العمل على تحقيق ما ورد فيها».

ومتى أخذنا في الاعتبار أن «الحركة الوطنية»، في الآن نفسه، اتهمت مراراً وتكراراً «الجبهة اللبنانية»، حليفة سوريا آنذاك، بأنها تبغي «قبرصة لبنان» لتبين لنا أن نسبة كبرى من اللبنانيين – يمين ويسار – اتهمت سوريا بعزمها على تقسيم لبنان، وطلبت انسحاب جيشها منه.

للتذكير: كانت «الحركة الوطنية – برئاسة كمال جنبلاط – تضم الأحزاب والتيارات التالية: الحزب التقدمي الاشتراكي، الحزب الشيوعي، حزب البعث (الموالي للعراق)، الحزب السوري القومي الاجتماعي، حركة الناصريين المستقلين (المرابطون)، منظمة «أمل» بوصفها تمثل «حركة المحرومين»، منظمة العمل الشيوعي.

في الواقع – وهذا أمر يعرفه اللبنانيون – لقد بُحّ صوت العميد ريمون اده مِن كثرة ما تحدث عن «الصفقة الكيسنجيرية – الأسدية» في شأن «البقاع اللبناني والجولان. ولهذا السبب ورد في «وثيقة الجبهة» عبارات «الحؤول دون التنازل عن أي قسم من أرض لبنان»، تلك العبارات تعني البقاع، تخصيصاً، كما أكد ذلك ريمون اده وسواه أكثر من مرة.

وهكذا، عندما دخل الجيش السوري إلى لبنان عام 1976، ببركة وموافقة أميركا، وجد في وجهه قوّتين فاعلتين - «جبهة الاتحاد الوطني» و«الحركة النوطنية – اللتين، كما هو معروف وقفتا وقفة علنية صارخة ضد الشقيقة سوريا وضد تقسيم لبنان، وخصوصاً ضد التنازل عن أي قسم من أرضه. تلك المواقف العلنية الرافضة رافقتهما، في الأوساط الإسلامية، هجمات عنيفة جداً على الرئيس حافظ الأسد شخصياً.

2 – من 1 إلى 24 تشرين الأول 1989، اجتمع في الطائف 62 نائباً لبنانياً؛ وفي نهاية المناقشات تمّ تصديق «وثيقة الاتفاق الوطني» لحل الأزمة اللبنانية، بموافقة 59 منهم. وفي 5 تشرين الثاني من السنة نفسها صادق مجلس النواب اللبناني على الوثيقة المار ذكرها. غير أن الأمور، رغم ذلك، ظلّت على حالها حتى 2 آب 1990.

3 – في 2 آب 1990 أقدم صدام حسين على اقتحام الكويت فأدى ذلك إلى حملة عسكرية تزعّمتها أميركا في ظل مجلس الأمن الدولي. وسعى الرئيس بوش – الأب إلى إشراك أكبر عدد ممكن من الدول، خصوصاً العربية منها، في تلك القوة الدولية. فأدى ذلك، كما هو معروف، إلى «الصفقة التي عقدها الرئيس الراحل حافظ الأسد مع الرئيس الأميركي عام 1990. ومن بنود تلك الصفقة إطلاق يد سوريا في لنبان وإرغام العماد ميشال عون على مغادرة وطنه والإقامة، منفياً في فرنسا، لأنه رفع عالياً لواء سيادة لبنان.

***

شرعية الوجود العسكري السوري في لبنان:

إن الوقائع المار ذكرها أعلاه تجيز التأكيد أن الدخول العسكري السوري إلى لبنان عام 1976 كان غير شرعي، بل شكّل اعتداء سافراً على الكيان اللبناني.

ذلك، على كل حال، ما أكدته، في حينه وبالصوت العالي، «جبهة الاتحاد الوطني» و«الحركة الوطنية».

في الحقيقة – وهذا أمر يعرفه الجميع – إن الجيش السوري دخل إلى لبنان عام 1976، بناء لطلب حزب «الكتائب اللبنانية» (يراجع، في هذا الصدد، ما ذكره، بالتفاصيل والوقائع، كريم بقرادوني، الشاهد العيان وعضو الوفد الذي سافر إلى دمشق برائة بيار الجميل، في كتابه «le prège»الصادر في باريس عام 1990).

غير أن اتفاقية الطائف المصدّقة في 5 تشرين الثاني 1989، منحت الوجود العسكري السوري في لبنان شرعية بالمعنى القانوني الصرف للكلمة. وهذا يعني أن ذلك الوجود أصبح شرعياً ابتداء من التاريخ المار ذكره أعلاه. هذا مع ضرورة لفت النظر إلى أن «اتفاقية الطائف» مشوبة بعيب ذي طابع أدبي وأخلاقي، لأن أميركا كانت وراء تلك «الاتفاقية» بل كانت محرّكها الأساسي.

أما «الصفقة» المعقودة عام 1990 – والتي أطلقت يد سوريا في لبنان – فهي كانت صفقة الشؤم لأن الشقيقة سوريا عقدتها مع نصيرة إسرائيل الأولى والمطلقة.

فإذا كانت «اتفاقية الطائف» كافية لمنح الشرعية للوجود العسكري السوري في لبنان، فلماذا تُقدم الشقيقة سوريا، بعد اتفاقية الطائف، على عقد تلك «الصفقة» المشؤومة مع أميركا؟ ولماذا يقوم رئيس الحكومة اللبنانية – الموالي إطلاقاً لسوريا – بزيارة الرئيس الأميركي وإبلاغه موافقة لبنان على تلك الصفقة؟

ومن وجهة «الشرعية الأخلاقية» إن اتفاقية الطائف، لكي تستحق أن تسمى «اتفاقية»، ينبغي أن تعبر عن «اتفاق» اللبنانيين، بإجماعهم أو بكثرتهم الكثيرة. فعلى العكس من ذلك جاءت «اتفاقية» الطائف انتصاراً لفئة اللبنانيين على فئة أخرى ممثلة بالعماد ميشال عون الذي عُيّن، وفقاً لأحكام الدستور اللبناني، رئيساً للحكومة اللبنانية، بقرار صادر عن رئيس الجمهورية بتاريخ 23 أيلول 1988 والذي أُقيل من مركزه بواسطة انقلاب عسكري قامت به فرقة من الجيش اللبناني، بمؤازرة الطيران السوري، وببركة أميركا.

فالاتفاقية التي صدّقها، في الطائف، 59 نائباً من أصل 99 يتألف منهم المجلس النيابي، والتي رفضها، في حينه، رئيس الحكومة اللبنانية المعيّن في مركزه وفقاً لأحكام الدستور والتي فُرضت، فيما بعد، بواسطة المدفع الانقلابي، وبالبركة الأميركية، إن مثل هذه «الاتفاقية» لا تستحق أن نعتبرها أهم من قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي الذي يمثل – شئنا أم أبينا – الشرعية الدولية.

وعندما نسمع – بعد صدور القرار 1559 - «أصدقاء» سوريا ينهالون نقداً وتجريحاً على أميركا، بسبب «تدخلها في شؤون لبنان الداخلية»، يأخذنا العجب العجاب! ذكل أن أولئك الذين أدخلوا الدبّ إلى كرمهم، يطلبون من المعارضة أن تطرد هذا الدب وأن تُعلن عدم موافقتها على القرار 1559 الصادر عن الشرعية الدولية، لا عن أميركا بالذات!

***

في الواقع أن القرار 1559 ليس وحدة لا تتجزأ، فهو ليس من الباطون المسلح يؤخذ كله أو يرد كله. إن فيه بنداً خاصاً باستعادة لبنان سيادته وحرية قراره عن طريق إزالة الهيمنة السورية عنه، وانسحاب الجيش السوري من الأراضي اللبنانية، وهذا أمر منوط بالشقيقة سوريا التي تتحمل، هي، مسؤولية عدم تنفيذه.

كما أن فيه بنداً خاصاً بـ«حزب الله» وهذا أمر منوط بلبنان.

إني، كمواطن لبناني، أعلن هنا بكل وضوح ما يلي: أرفض إطلاقاً اعتبار «حزب الله» منظمة إرهابية، بل إني مقتنع بأن هذا الحزب أصبح جزءاً لا يتجزأ من الضمير الجماعي اللبناني. فلست أحسب أن على أرض لبنان لبنانياً واحداً يرضى بأن يوصف حزب الله بمثل هذه الصفة، بل على العكس: إن هذا «الحزب» ضحى بالكثير من أجل لبنان، فمنه كان شهداء وأبطال.

فعلى السلطة اللبنانية، في مثل هذه الحال، أن تشرح الأمر لممثل مجلس الأمن، بأسلوب هادئ، بعيد عن التحدي، وأن تُقنعه، بالوقائع والأدلة، أن لبنان حريص على التجاوب الصادق مع الشرعية الدولية.

وكم أتمنى لو يقتنع إخواني في «حزب الله» بأن الشعب اللبناني، برمته، يقف إلى جانبهم، وأن الحكمة ومبدأ المعاملة بالمثل يفرضان عليهم ألا يتخذوا موقفاً ضد أماني السياديين من أبناء وطنهم، إذ إن من حق هؤلاء أن يعيشوا كرماء في وطن كريم دونما أي تحد منهم للشقيقة سوريا، بل، على العكس، هم يأملون أن تسوّى الأمور بأسلوب يضمن لهذه الأخيرة أن تسحب جيشها من لبنان انسحاباً مشرفاً، كما اقترح ذلك العماد ميشال عون الذي سمعته، أكثر من مرة، من خلال الصحف، يأتي على ذكر حزب الله بالثناء والتقدير.

إن «حزب الله» هو، بين أصدقاء سوريا، الصديق الوحيد الذي يملك حرية التصرف وحرية الرأي. وهو، في الآن نفسه، «الصديق الوحيد الذي لم أسمعه، مرة، يمارس السباب والشتيمة أو الكلام الجارح النابي. ولهذا السبب في وسعه، إذا شاء، أن يكون «الإطفائي» الذي تفتقر إليه البلاد. فالذي حرّر أرض1 لبنان من العدو الخارجي، في وسعه، بإذن الله، أن يحرّر المواطن اللبناني من عُقده النفسية.

 

 

*هذه المقالات غير منشورة وقد كتبت في زمن يتوافق مع الاحداث المذكورة ضمن المقال..وننشرها بعد وفاة الكاتب نصري سلهب الذي عايش الاحداث وحللها في ذلك الوقت.