الله يعلم وأنتم لا تعلمون» (القرآن الكريم) -1-
نصري سلهب
الثلاثاء 27 نيسان 2021
الأخ الكريم ادمون صعب، مع محبتي (نصري سلهب)
بتاريخ أول أيلول 2005، وفي مؤتمر صحفي عقده في لبنان، أعلن رئيس لجنة التحقيق الدولية أن «الرئيس اللبناني إميل لحود ليس مشتبهاً به ولم يتم استجوابه كشاهد». ورغم انقضاء أكثر من عشرين يوماً على المؤتمر الصحفي المار ذكره لم يصدر عن رئيس اللجنة في شأن العماد الرئيس رأي مخالف لرأيه الأول. كما لم يصدر عن القضاء اللبناني أيّ إجراء يلقي على الرئيس اللبناني أية مسؤولية.
ورغم ما تقدم ذكره فقد انطلقت ولا تزال تنطلق أصوات تطالب بإقالته أو باستقالته.
تلك الأصوات، وإن كانت تتعارض مع مبادئ العدالة المطلقة، تبدو طبيعية إذا رجعنا إلى ماض غير بعيد، إلى ما قبل اغتيال الرئيس الحريري ببضع سنين، لنستعرض باختصار علاقة الرئيس إميل لحود «بلقاء قرنة شهوان» وبوليد جنبلاط وبآل الحريري أنفسهم:
«إن للعماد الرئيس مع «لقاء قرنة شهوان» مشكلة مزمنة تعود إلى ما قبل التمديد ببضع سنين. وهي توجز في أن الرجل، على مرّ الأيام والسنين، أصبح على خلاف حاد مع «اللقاء» المار ذكره الذي وقف منه، ولا يزال، موقفاً معادياً تجلى، بصورة خاصة، في رفضه العلني لتعديل الدستور ولتمديد ولاية الرئيس، وفي بيانات كثيرة لا تخلو من عنف يجدها القارئ في صحف ذلك الزمان.
أما الأسباب التي جعلت «اللقاء» يقف من الرئيس لحود ذلك الموقف العدائي المعروف فهي معقدة ولا يتسع المجال هنا لذكرها. ولكني أعتقد أنها لا تخلو من واقعية. ذلك أن «اللقاء» يضم عناصر من خيرة القوم أخلاقاً ووطنية وسلامة تفكير. ولست أظنهم – وعلى رأسهم أسقف ماروني – يقفون من الرئيس الماروني ذلك الموقف العدائي لو لم يكن هنالك أسباب جديرة بالاعتبار تُمليه عليهم.
أما وليد جنبلاط فإن خلافه مع العماد الرئيس يعود، هو أيضاً، إلى ما قبل اغتيال الرئيس الحريري بسنين، وله علاقة بقصر بيت الدين الذي كان الوليد جعل من بعض قاعاته متحفاً لوالده الشهيد كمال جنبلاط، تكريماً من الابن لذكرى الأب. وفي باحة القصر أقام الوليد تمثالاً للأب الشهيد غدا، في مابعد، موضوع خلاف سرعان ما تحول إلى جفاء بين الرجلين. ولقد حاول سعاة الخير تسوية الأمور بينهما فعادت المياه إلى مجاريها الطبيعية. غير أن المصالحة لم تدم طويلاً وأصبح الرجلان عدوّين لدودين.
لهذا السبب، ورغم أن الدكتور بشار الأسد دعم علناً تمديد ولاية الرئيس لحود فإن وليد جنبلاط ونواب كتلته البرلمانية صوتوا ضد ذلك التمديد.
ثم جاءت محاولة اغتيال مروان حمادة الإرهابية – التي نجا منها بأعجوبة وسقط ضحيتها مرافقه الشاب – تزيد النار اشتعالاً وتجعل حقد وليد جنبلاط وأصدقائه على الرئيس لحود يزداد عنفاً. ومَن في وسعه، بعد تلك المحاولة الآثمة، أن يلوم وليد جنبلاط، ومروان حمادة وآل أبي كرّوم وأصدقاءهم، إذا ازدادوا حقداً على الرئيس العماد وانطلقوا يطالبون بإقالته أو باستقالته؟
أما الخلاف، بين آل الحريري و«تيار المستقبل»، من جهة، وبين الرئيس لحود، من جهة ثانية، فهو أيضاً سابق لاغتيال الرئيس الحريري. فالجفاء بين الرئيسين أصبح على السطوح وعلى كل شفة ولسان. ومع مرّ السنين بدأت قناعة تتكوّن لدى «تيار المستقبل» وأصدقاء الرئيس الحريري مآلها أن العماد لحود يبغي تحجيم هذا الأخير والقضاء عليه معنوياً وسياسياً، الأمر الذي جعلهم يُضمرون الحقد، طبيعياً، للرئيس العماد ويتمنون، في قرارة أنفسهم، لو أن الظروف تمكّنهم يوماً، من أن يثأروا منه.
وبلغ حقدهم ذروته يوم رأى الرئيس الحريري نفسه مرغماً على الاعتذار عن تأليف الحكومة، إذ كانوا مقتنعين بأن الرئيس العماد أقفل في وجهه طريق العودة إليها.
في تلك الأثناء – بتاريخ 2 أيلول 2004 – صدر عن مجلس الأمن القرار 1559 الغني عن التعريف. وبعد انقضاء خمسة أشهر وبضعة أيام، في 14 شباط 2005، جرى اغتيال الرئيس الحريري.. وكان ما كان.
***
بعد الزلزال الذي أحدثه ذاك الاغتيال الإرهابي الرهيب برزت معطيات ذات علاقة بالقرار 1559 المار ذكره تجيز القول، تأكيداً، أن اغتيال الرئيس الحريري كان إحدى نتائج ذاك القرار.
فالشائع المعروف أن صداقة حميمة كانت تجمع بين الرئيس الفرنسي شيراك وبين الرئيس الحريري. ولقد لاحظ اللبنانيون والملأ العربي والدولي كيف تصرّف الرئيس الفرنسي وزوجته أثناء مأتم الرئيس الراحل، إذْ هما بقيا ست ساعات متواصلة إلى جانب عائلة الحريري سعياً إلى التخفيف من عنف مصابها.
ذات يوم أدلى الرئيس الأميركي بوش بتصريح قال فيه، إن الرئيس الفرنسي اتصل به هاتفياً، مقترحاً عرض قضية الوجود العسكري السوري في لبنان على مجلس الأمن، وأنه وافق على الاقتراح.
ذلك التصريح الرئاسي الأميركي كان بمثابة حكم بالإعدام على الرئيس الحريري إذْ جعل السوريين ينتقلون من الظن إلى اليقين. كانوا «يظنون أن الرئيس الحريري تدخل مع الرئيس شيراك ضد وجودهم في لبنان. وبعد التصريح استحال ظنّهم يقيناً لا يترك مجالاً لأي شك».
وتجدر الإشارة هنا إلى أن «لجنة تقصي الحقائق» الموفدة إلى لبنان للتحري عن أسباب جريمة اغتيال الرئيس الحريري أعلنت في تقريرها ما يلي: «يسود اعتقاد على نطاق واسع أن الحريري قدم دعماً ناشطاً للقرار 1559، وأن القيادة السورية حمّلت الحريري شخصياً مسؤولية صدور ذاك القرار».
وفي مكان آخر ورد في تقرير اللجنة المار ذكرها ما يلي: «التقى الرئيس الحريري الرئيس الأسد في دمشق في محاولة أخيرة لإقناعه بعدم دعم التجديد (للعماد إميل لحود). وذكره بتعهده عدم السعي إلى تمديد ولاية لحود. فردّ الأسد أن هنالك تبدلاً في السياسة وأن القرار اتخذ ويجب اعتبار لحود ممثله الشخصي في لبنان، وأن معارضته هي بمثابة معارضة الأسد نفسه. وتابع الأسد قائلاً إنه يفضل أن يحطّم لبنان على رأس الحريري وجنبلاط على أن تُكسر كلمته في لبنان». وهدّد الأسد، بعد ذلك، كلاً من الحريري وجنبلاط بإلحاق الأذى الجسدي بهما إذا عارضا تمديد ولاية لحود. دام الاجتماع عشر دقائق، وكانت آخر مرة يجتمع بها الحريري بالأسد».
(تقرير اللجنة، بترجمته الكاملة إلى العربية، منشور في «النهار» عدد 25 آذار 2005).
***
هذه الوقائع، المختصرة إلى أقصى حدود الاختصار، تثبت أمرين: الأول أن عداوة «لقاء قرنة شهوان» ووليد جنبلاط للعماد إميل لحود هي سابقة لاغتيال الرئيس الحريري. فأياً يكن حكم القضاء فإن عداوتها له تظل هي هي ولن تتبدل.
الأمر الثاني: إن خلاف الرئيس الحريري مع دمشق له سبب واحد: تمسّك دمشق بالعماد لحود والتمديد له بالقوة وبالتهديد والوعيد. وبتعبير آخر، لا مشكلة شخصية بين الرئيس الحريري والرئيس بشار الأسد، المشكلة الوحيدة اسمها إميل لحود.
ورغم كل ما جرى – لا سيما خلال اجتماع «العشر دقائق» - لا يبدو أن الرئيس الحريري وأصدقاءه نبسوا ببنت شفة ضد سوريا أو انتقدوها هي بالذات أو قالوا فيها قولاً سيئاً أو جارحاً. بل، على العكس، ظلوا، في مواقفهم وتصاريحهم، يراعون جانبها، مقتنعين أن العدوّ الحقيقي الذي سعى، خلال سنين كثيرة، إلى تحجيم الرئيس الحريري، وإلى جعل حياته شبيهة بالجحيم هو العماد إميل لحود.
وإذا افترضنا – وكل الافتراضات ممكنة – أن القضاء لم يتوصل إلى إثبات ضلوع العماد لحود في اغتيال الرئيس الحريري، فإن آل الحريري و«تيار المستقبل» ووليد جنبلاط سيظلون، للأسباب الواردة أعلاه، ينادون باستقالته أو إقالته.
أما موقف آل الحريري من سوريا فهو يختلف عن موقفهم من العماد الرئيس.
في الواقع لقد تجلت نوايا آل الحريري الحقيقية تجاه سوريا في الخطاب الذي ألقته السيدة بهية الحريري، شقيقة الرئيس الشهيد، خلال مهرجان 14 آذار 2005.
لقد كان خطاباً وجدانياً بكتْ فيه وأبكتْ، وعبرت عما يجول في خاطرها بأسلوب عفوي، صادق، مخلص. قالت الشقيقة الحزينة: «ومَن مثلك [يا رفيق] كان وفياً للإخوة والأشقاء؟ لن نقول وداعاً لسوريا وشكراً لسوريا، بل إلى اللقاء مع الشقيقة سوريا، لأن الأشقاء لا يتباعدون ولا يتحاسبون بل الأشقاء يكبرون معاً وينهضون ويتساعدون. وسنكون إلى جانب سوريا كما كنت دائماً إلى جانبها. وإن الأخوة السوريين يعرفون أن العرفان بالجميل من شيم الأبرار... إن اللبنانيين الأحرار لن يرهبهم الأرذال والمجرمون» (انتهى النص).
هل أن هذه الأقوال تحتاج إلى تعليق؟ أوَليست هي حكماً بالبراءة المطلقة تُصدره بهية الحريري لصالح سوريا التي «سيكون آل الحريري إلى جانبها كما كان رفيق الحريري دائماً إلى جانبها؟»
يرى معلقون مطلعون على خفايا الأمور أن موقف آل الحريري من سوريا الذي عبرت عنه بهية الحريري نابع من الخوف الدفين الذي سيطر ولا يزال يسيطر على آل الحريري، أولئك القوم المؤمنين المسالمين: الخوف من سوريا ومن قدرتها الدائمة – سابقاً ولاحقاً – على الإيذاء.
في الواقع لقد أثبت الرئيس الحريري، في علاقاته بسوريا، أنه رجل حكيم، حليم، جلود، رحب الصدر، يداوي آلامه بما أنزل الله في كتابه الكريم من آيات تجعل من الصبر دواء لكل داء.
فمن الصعب أن يجد المرء في لبنان رجلاً اعتصم بالصبر كالرئيس الحريري. لقد كان دون ريب، أيوب لبنان.
وإني أخاله – خصوصاً خلال الأشهر الأخيرة التي سبقت اغتياله – قد ردد مراراً وتكراراً:
يقضى على المرء في أيام محنته أن يرى حسناً ما ليس بالحسن
لقد كان اغتياله خلاصاً له من ذاك العذاب النفساني المزمن الذي راح يحز في صدره كحز السيف المسلول في اللحم الطري. إنه لم يشأ أن يكون مصير أبنائه مع الشقيقة الكبرى كمصيره هو بالذات، وكمصائر من سبقوه، أمثال كمال جنبلاط وبشير الجميل ورينه معوض وحسن خالد والآخرين. فلقد تعذب الأب ومات تجريجياً الأبناء، لكأنه، في قرارة نفسه، كان يردد قول السيد المسيح لرسله الحواريين: «إن حبة الحنطة إن لم تقع في الأرض وتمت لا تأتي بالثمر الكثير».
إنه، في محتوى الصبر، تفيض حديقة الوفي وليد جنبلاط. فهذا الأخير، كما يعرف إخواني القراء ذو لسان حر ينقض على الخصم كالرشاش يطلق عليه الرصاص دون هوادة. ويرى أكثر من محلل أن وليد جنبلاط، في انقضاضه على العماد لحود وعلى الأجهزة، عموماً، سوريين ولبنانيين، كان يعبر عن رأيه وعن رأي صديقه، الرئيس الحريري، الذي، كان سبق القول، اتخذ من الصبر والسكوت سلوك حياة.
ذلك ما يشرح لنا كلام الرئيس الأسد للرئيس الحريري «أنه يفضل أن يحطم لبنان على رأسَي الحريري وجنبلاط على أن تُكسر كلمته في لبنان».
ومتى أخذنا في الاعتبار أن وليد جنبلاط لم يكن حاضراً ذاك الاجتماع لاكتشفنا أن الرئيس الأسد كان، في تلك الظروف، يضع رفيق الحريري ووليد جنبلاط، جنباً إلى جنب في أعلى درجة في سلم اهتماماته.
سؤال لا بد من طرحه لأنه يطرح نفسه بإلحاح: إذا أثبت التحقيق مسؤولية سوريا في تلك الجريمة الإرهابية ما تراه سيكون موقف آل الحريري من أولئك السوريين الذين قرروا أو خططوا أو نفذوا اغتيال رئيسهم؟ هل يمكن أن يُنشؤوا معهم علاقات مميزة؟ هل يمكن أن يتعامل آل الحريري وأصدقاؤهم – أي الأكثرية النيابية الحاكمة ديمقراطياً في لبنان – مع نظام سوري ثبتت مسؤوليته الإجرامية؟
يبدو للعقلاء أن ليس لهذه المشكلة سوى حل واحد: أن يصار في سوريا إلى انقلاب أبيض، بإشراف مجلس الأمن، يؤدي إلى إبدال الهيئة الحاكمة حالياً بغيرها من سياسيين ظلوا بعيدين، بل مُبعدين، عن جريمة الاغتيال. فعلى سبيل المثال، تردد اسم عبد الحليم خدام الذي لم يلوّث يديه ولا ضميره بتلك الكارثة الزلزالية، بل إن هنالك قرائن كثيرة تشير إلى أنه لم يعرف بها إلا بعد وقوعها.
****
استناداً إلى المبدأ المعترف به دولياً والقائل إن المجرمين لا يجوز أن يستمروا في الحكم فإن مجلس الأمن يتولى معالجة هذا الموضوع الشائك بقرار معطوف على القرارين 1559 و1595، يشكّل مرحلة نهائية في الطريق التي شكل القرار 1559 نقطة انطلاقها.
وعندما يعلن أكثر من مسؤول في «تيار المستقبل» أن العلاقات المميزة بين لبنان وسوريا سوف تستمر، في مطلق الأحوال، فذلك يعني أن تلك العلاقات سوف تكون بين دولتين فرضت عليهما الأقدار مصيراً واحداً أو، في أضعف الإيمان، مصيراً مشتركاً. ذلك أن الدولة ثابتة لا تزول، أما القيّمون عليها فهم بشر فانون. إن سوريا تظل سوريا سواء حكمها بشار الأسد ومعاونوه، أو حكمها مسؤولون آخرون لم يلوثوا ضمائرهم وأيديهم بدماء الأبرياء، إن النظام السوري هو هو، أما الحكام، إذا ثبتت مسؤوليتهم، فينبغي أن يرحلوا، بطريقة أو بأخرى.
ذلك هو الحل الذي يوفق بين عدالة الله وعدالة البشر. وذلك هو الحل الذي يُفرض بمجلس الأمن، أن يعتمده، كأضعف الإيمان، وإلا نكون قد هززنا كرة الأرض من أجل لا شيء.
ولكن هنالك سؤالاً آخر ملحاً ملحقاً: في حال أثبت التحقيق مسؤولية الحكام السوريين وأجهزتهم، هل يجوز – من وجهة نظر القانون الدولي – الاكتفاء بإبعاد أولئك المسؤولين عن كرسي الحكم؟ ألا يفرض القانون، في مثل هذه الحالة، ملاحقة ومحاكمة أولئك المسؤولين، أمام القضاء الجنائي العام (أمام محكمة عدل خاصة كالتي يحاكم لديها ميلوسفتش، الرئيس اليوغسلافي السابق)؟
هل يستطيع آل الحريري وأصدقاؤهم – الذين أرادوا معرفة من خطط وقرر ونفذ اغتيال رئيسهم – أن يتحملوا مسؤولية الصدمة التي ستحدثها محاولة إلقاء القبض على الرئيس بشار الأسد وسوقه أمام القضاء الخاص ليحاكم لديه بجانية اغتيال رفيق الحريري ورفاقه؟
هذه الافتراضات تزول حكماً إذا أعلن رئيس لجنة التحقيق الدولية، بصورة نهائية، أن الدكتور بشار الأسد ومعاونيه «ليسوا مشتبهاً بهم».
ففي مثل هذه الحال تهبط «القضية» إلى مستوى موظفين يتحملون، كالعادة مسؤولية جرائم لم يكونوا فيها سوى منفذين لتعليمات رؤساء لفهم الضباب بمعطفه الكثيف وحجب عنهم الأبصار والبصائر.
ألن يقول الناس، في مثل هذه الحال، إن هنالك تسوية – أو صفقة! – قضت بإبعاد المسؤولية عن سوريا؟ وهل في لبنان وخارج لبنان مَن يجهل أن ذلك العمل الإجرامي الإرهابي هو عمل مشترك سوري لبنان؟
***
الشائع عن أبناء الرئيس الحريري أنهم قوم مؤمنون بالله وباليوم الآخر. ولهذا السبب أدعوهم، بكل محبة وإيمان، إلى تأمل الآية 216 من سورة البقرة: «... وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون».
بعد هذا أسألهم: «هل هم واثقون من أن «معرفة مَن قرر وخطط ونفذ» جريمة اغتيال والدهم هو «خير لهم»؟ أليس هنالك احتمال أن تكون تلك «المعرفة» شراً لهم؟ أليسوا مؤمنين بأن «الله يعلم وأنهم لا يعلمون»؟
***
إن اغتيال الرئيس الحريري جعل منه شهيداً. والشهادة هي أسمى وأرفع ما تطمح إليه نفس بشر، تلك النفس التي «ترجع إلى ربها راضية مرضية فتدخل في عباده وتدخل جنته».
هل أن الرئيس الحريري – الذي قُتل في سبيل الله – ميت، أم هو حي عند ربه؟
وهل أنه، من دنيا خلوده في جنة الله، يريد أن تُنزل العقوبات بأولئك الذين جعلوا منه شهيداً؟ هل هو يريد أن يوجد لبنان في وضع يصعب الخروج منه دون أضرار لا يعرف إلا الله مداها؟
*هذه المقالات غير منشورة وقد كتبت في زمن يتوافق مع الاحداث المذكورة ضمن المقال..وننشرها بعد وفاة الكاتب نصري سلهب الذي عايش الاحداث وحللها في ذلك الوقت.