في مقالي الأخير بعنوان " إنهم يجسّون نبضنا. فهل من نبض لنا"؟! سجلتُ اعتراضي الشديد على(مشروع) القانون الإنتخابي الجديد في لبنان، لأنه لم يخصّص مقاعد نيابية للمغتربين في الدورة القادمة وعمد إلى تأجيلها "للدورة ما بعد القادمة"، وقلتُ مشكِّكًا "متى كان التأجيل سوى رفضٍ مقنّع" ودَعَوتُ المغتربين الى رد التحدي وصولاً الى "عصيان مدني إغترابي".
بعد أقل من 24 ساعة على إقرار مجلس النواب اللبناني (الممدّد لنفسه) لذلك القانون، وقبل أن يصدر في الجريدة الرسمية، فتح وزير الخارجية جبران باسيل فصلا ًجديدا من فصول الأخذ والرد حول القانون تحت عنوان" معركة إعادة تحسين التمثيل لنصل إلى 64/64 "، مفنّدا عدة نقاط منها لا بل " على رأسها" على حد قوله " تصويت الإنتشار من الآن وليس أن ينتظروا لمدة خمس سنوات..." (النهار البيروتية- الأحد1 8 حزيران 2017).
أن ينبري وزير الخارجية ليطالب بتعديل القانون من أجل تخصيص مقاعد للمغتربين في الدورة القادمة، بدل ان يكون عليهم الإنتظار إلى" الدورة ما بعد القادمة"، فلا بد من الرد عليه بالقول " شكرا معالي الوزير" وإن استبطنت المطالبة بالتعديل ألف "إنَّ" وألف "ولكن".
فيما يلي نضع أمام القارئ الكريم سرديّة محايدة لحزّورة إنتخاب المغتربين وألغاز المقاعد المخصصة لهم، في سياق التعليق عليها.
قبل الدخول في السردية أود أن أصارح القارئ برأييَ الآتي، الذي ربما عدتُ لتفصيله في مقالات لاحقة:
1. تخصيص مقاعد للمغتربين – في الغالب – يرفد الشرايين الإنتخابية بدم غير ملوّث بالطائفيّة والمذهبيّة والزبائنيّة والتبعيّة، نتيجة عيشهم الطويل في بيئات غير ملوثة.
2. بناء على البند الأول، ليس من الغريب أو من غير المنطقي أن تُخصص مقاعد للمغتربين خارج القيد الطائفي، وهذا ما يجب أن يكون مطلب المغتربين الدائم الى أن يتحقق.
3. وبناء على البندين الأولين، يزداد منسوب الدم غير الملوث كلما ازداد عدد المقاعد المخصّصة للمغتربين، وهذا مطلب آخر للإغتراب خاصة إذا ما عرفنا أن عدد المقيمين لا يتجاوز الأربع ملايين وعدد المغتربين يفوق ال 14 مليون (حسب تصريح لجبران باسيل نفسه).
نعود إلى السرديّة.
بعد مهزلة " شحن" المغتربين للتصويت في لبنان في انتخابات ال2009، استغلت مجموعة من الناشطين زيارة الرئيس ميشال سليمان الى أستراليا لتقدّم له مذكّرة تطالبه فيها، بالعمل من أجل تخصيص مقاعد للمغتربين في البرلمان اللبناني وفي إعتقادهم أن الإنتخابات لا بد حاصلة في أوانها، أي في ال2013 – حسب قوانين الديمقراطية-. إلا أن النواب "الديمقراطيين جداً" جددوا لأنفسهم مذاك مرتين وصوتوا البارحة للثالثة_ وربّحوا الناس جميلة أنّهم أنقذوا البلد من كارثة الفراغ_ كأن الإنتخاب بالنسبة للبنانيين كالسراب كلما خلتَ أنك اقتربت منه اكتشفتَ كم أنه ما زال بعيداً عنك.
والحال هذه بقيت حزورة انتخاب المغتربين معلقة وألغاز مقاعدهم بقيت دون حل.
في آذار/نيسان من هذا العام زارنا وزير الخارجية. في ملبورن وقبل وصوله إلى سيدني جاء في كلمة له عن الإنتخابات اللبنانية ما يلي:" في المرة السابقة اعطيناكم حقا جزئيا وقيل فليجتمع مئتي لبناني في العالم لنفتح لهم صندوق، ما هذا القصاص أعطوكم الحق من جهة وأخذوه منكم من جهة ثانية. اليوم اذا كنا نريدكم مواطنين شركاء لنا يجب ان تتمكنوا من التصويت معنا في الانتخابات، ونعطيكم هذا الحق كاملا وسنرى كيف سنُوزع في كل مناطق الانتشار قناصل فخريين وصناديق اقتراع ، واذا لم نتمكن من ذلك سنُعطيكم امكانية التصويت من خلال مراسلتنا عبر الانترنت ، وان لم نستطع القيام بأي شيء هذه المرة سنورده في القانون ليكون موجودا في المرة الثانية"
لا وضوح، في هذه المرة أم في المرة القادمة؟! لا ذكر لتخصيص مقاعد للمغتربين، ولا لعدد تلك المقاعد، (وعلى كل حال ما زال شرط توفر 200 ناخب قائماً من أجل فتح قلم إقتراع). لدى وصوله إلى سيدني اتضحت الصورة قليلا إذ شدد معاليه على " أهمية مشاركة المغتربين في الحياة السياسية في وطنهم وان يكون لهم نواب وان يكون للجالية الأوسترالية نائب في البرلمان"
لا نعرف عدد المقاعد المخصصة للمغتربين لكن عرفنا أن المغتربين لن ينتخبوا كما انتخبوا في ال2009 مرشَّحين مقيمين في لبنان بل سينتخبون مرشحين مقيمين في المغتربات وعرفنا أن لأستراليا نائب واحد.
في اليوم التالي، وفي حديث للإذاعة العربية الحكومية، وقبل انتقاله إلى برزبن صرح معاليه "انه لن يتراجع عن فكرة أن يُمثِّل من ستة إلى عشرين نائباً في البرلمان اللبناني المهاجرين على ان يكون لأبناء الجالية اللبنانية في استراليا نائبين في البرلمان اللبناني"
تتضح أشياء وأشياء أخرى تزداد غموضا: إرتفع عدد نواب استراليا إلى إثنين، وبقي العدد الإجمالي لمقاعد المغتربين متأرجحا بين 6 و 20 مقعدا دون أن يوضح لنا أحد كيف أنه إذا كانت حصة أستراليا واحد من 6 فلماذ تصبح 2 من 20 وعلم الحساب يقول أنها يجب أن تكون ثلاثة وما فوق.
تصبحون على خير.
إعتقدنا أن الغموض توقف إلى هذا الحد، ولا بد " لليل الغموض ان ينجلي" إلا أننا اكتشفنا لاحقا أن الليل قد ازداد غموضاً عندما زارنا بعد اقل من شهر من زيارة باسيل، نائب حزب القوات اللبنانية الدكتور فادي كرم فماذا قال؟
(يتبع)