لبنان في العالم
كيف أعاد طلاب الجامعة الأميركية في بيروت "النظر في أخلاقيات الحرب"؟

الميادين

الأربعاء 24 تشرين الأول 2018

ماذا توّقع مستشار قسم الفلسفة في الجامعة العبرية في القدس أن يحصل عندما يقف ليحاضر عن "أخلاقيات الحرب" أمام طلاب لبنانيين، قد يكون منهم أبناء أو إخوة أو أصدقاء شهداء، أو على الأقل هم طلاب تشبعوا ألماً بسبب ما عايشه بلدهم من حروب ومما تعيشه فلسطين من مآسي؟.

"لن نسامح، لن نبيع، ولن نوافق على التطبيع"، بهذه العبارة واجه طلاب الجامعة الأميركية في بيروت، أمس الثلاثاء، الدكتور الأميركيّ جيف ماكماهان الذي استدعته إدارة الجامعة لإلقاء محاضرة عن "إعادة النظر في أخلاقيات الحرب"، فانقلبت المحاضرة، ليعطي هؤلاء الطلاب  باعتصامهم واعتراضهم درساً أقوى في الأخلاقيات من "فلسفة" المطبّعين.

حملوا العلم الفلسطينيّ، وهنفوا بعبارات تدعم القضية الفلسطينية وتناهض التطبيع... قاطع الطلاب المحاضرة بهدف إلغاءها، فطُلب منهم المغادرة، وللراغبين البقاء، وأتى الجواب سريعاً "نحن طلاب الجامعة وأهلها، ومن عليه الخروج من هذه القاعة هو ماكماهان".

وأكد أحد الطلاب المنظمين للاعتصام لـ"الميادين نت"، أنّ "المحاضرة أُعلن عنها قبل وقت قصير، وأنهم علموا بالصدفة بعد بالبحث عن اسم المحاضر وصفته أنّه مستشار لجامعة إسرائيلية، لذا قرروا تنظيم الاعتصام بعد تواصلهم مع المنظمين الذين لم يتجاوبوا".وأوضح الطالب أنّهم "أرسلوا رسالة إلى منظم المحاضرة الدكتور بشار حيدر وأبلغوه فيها موقفهم، فرد عليهم بإحترامه لرأيهم لكن دون مشاركته له، مبرراً استضافة ماكمهان باعتبار أنّه غير إسرائيليّ وأن الجامعة لم تتعامل مع مؤسسة إسرائيلية".

وسبق لطلاب النادي الثقافي الجنوبي والنادي الثقافي الفلسطيني ونادي السنديانة الحمراء في الجامعة، والذين نظمّوا الإعتصام، أن أرسلوا إلى الدكتور ماكماهان بريداً إلكترونياً، دعوه فيه إلى الإنسحاب من المحاضرة ومساندة موقفهم الرافض للتطبيع، ليعتبر ماكماهان في رده المطوّل أنّ "مقاطعة الأكاديميين الإسرائيليين هو شكل من أشكال العقاب الجماعي، وهو ظلم"، ليضيف: "أنا أقف إلى جانبكم في الإيمان بأن معاملة الحكومة الإسرائيلية للفلسطينيين كانت دائماً ظالمة للغاية، لكن أنا اختلف معكم حول التكتيكات التي تستخدمونها لتحقيق العدالة للفلسطينيين".

وأكد الطلاب في بيانهم خلال الاعتصام، إدانتهم "استضافة أستاذ ملتحق حالياً بمؤسسة إسرائيلية، لأنه مساهم مباشر في إضفاء الشرعية على الكيان الإسرائيلي، وشرعية إسرائيل ليست مسألة نناقشها من وجهة نظرنا". وأضاف البيان: "ليس هناك حق لإسرائيل في الوجود، إنّها كيان استعماري، وفي هذا الصراع تحديدًا، هناك جانبان فقط، إمّا مؤيّد لحق الفلسطينيين في السيادة الكاملة على أراضيهم، أو لدولة إسرائيل الاستعمارية". وتوجه البيان في ختامه إلى ماكماهان بالقول: "نود التأكيد على أنك غير مرحب بك هنا".

اختصر ماكماهان إذاً مسألة صراعنا مع العدو الإسرائيلي فقط بالمعاملة الظالمة تجاه فلسطين، لكن ما يعرفه جيداً ويتجاهله وهو واقف ليحاضر عن أخلاقيات الحرب، أنّ "إسرائيل" اغتصبت الأرض الفلسطينية واستوطنتها، وتقتل الفلسطينيين وتشردهم منذ عقود، واحتلت أراضٍ لبنانية وسورية ومصرية، فأيّ أخلاقيات يُمكن أن يعلّمها أستاذ يحاضر في جامعة اسرائيلية، لطلاب لبنانيين تعنيهم فلسطين كلبنان وأكثر؟.

موقف طلاب الجامعة وطنيّ وقوميّ وإنسانيّ

وتعليقاً على ما حصل، اعتبر العضو المؤسس في "حملة مقاطعة داعمي إسرائيل في لبنان"، الدكتور سماح إدريس، في حديث مع "الميادين نت"، أنّ "ماكماهان هو مستشار قسم الفلسفة في الجامعة العبرية، وهو بذلك مشارك في تعزيز مكانة جامعة محتلة مشيدة على الأرض الفلسطينية المسروقة، وجامعة تسهم في ترويج السردية الإسرائيلية، وتشكّل تلميعاً أكاديمياً لدولة قامت على التهجير والاحتلال والعنصرية".

وأكد إدريس أنّ "طلاب الجامعة الأميركية اتخذوا الموقف الوطني والقومي والإنساني الطبيعي، وهو رفض الفصل بين محاضرة الباحث ووظيفته الداعمة للجامعة المحتلة. وعملهم يأتي متسقاً تماماً مع نشاط حملة المقاطعة في لبنان والوطن العربي والعالم، ويأتي صفعة لكل جهود التلميع التي تقوم بها حكومة بنيامين نتنياهو الدموية".

المشهد حتى الآن طبيعيّ جداً، لكن الغريب هو أن تتوجه طالبة لمنظمي المحاضرة بالقول: "القانون اللبناني يرفض التطبيع"، ليجيبها الدكتور بشار حيدر: "كلا لا يرفض!". قد يكون القانون اللبناني الصادر في 23 حزيران / يونيو 1955 غير مفصّل في مسألة التطبيع مع العدو الإسرائيلي من نواحيه التربوية والثقافية والأكاديمية، لكنّه ينص بصراحة في المادة الأولى منه، على أنّه "يحظر على كل شخص طبيعي أو معنوي أن يعقد بالذات أو بالواسطة اتفاقاً مع هيئات أو أشخاص مقيمين في إسرائيل أو منتمين إليها بجنسيتهم أو يعملون لحسابها أو لمصلحتها، وذلك متى كان موضوع الاتفاق صفقة تجارية أو عمليات مالية أو أيّ تعامل آخر أيّاً كانت طبيعته".

وفي هذا السياق، يشير إدريس إلى أنّ "القانون اللبناني ملتبس لأنّه قديم، وكان مركزاً على الإتجار مع رعايا دولة العدو. لذا يمكن أن نجد من يقول أن مجيء أستاذ أميركيّ إلى لبنان بعد زيارة الكيان ليس ضد القانون. ولكن عمله كمستشار لقسم الفلسفة في الجامعة العبرية بالقدس يُصعب تمريره".

وتعمل حملة المقاطعة في لبنان، على تعزيز مقاطعة المؤسسات الأكاديميّة الإسرائيليّة، لأنّها "ضالعة في قمع الشعب الفلسطيني عبر بناء رواية كاذبة عن الديمقراطيّة الإسرائيليّة، وعبر محاصرة أو منع الروايات التاريخيّة الحقيقيّة للنكبة الفلسطينيّة، وعبر تقديم مبرّرات وجوديّة وأخلاقيّة من أجل قمع الشعب الفلسطينيّ، بالإضافة إلى الإسهام المباشر في دعم آلة الحرب الإسرائيليّة".

وتركز الحملة مؤخراً على محاربة التطبيع التربويّ، وأصدرت العريضة التربويّة لمناهضة التطبيع في التربية والتعليم في لبنان، والتي طالبت بأن "تجمع مناهج التعليم العام العناصر الضروريّة لمقاومة العدوّ الصهيونيّ، وأن تلتزم مشاريع التطوير التربويّ مناهضة التطبيع مع هذا العدوّ بكافة أشكاله".

وأوضح إدريس لـ"الميادين نت" أنّ "النظام التربوي في لبنان لا يعير القضية الفلسطينية ولا تاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي ولا جهود مقاومة التطبيع أدنى اهتمام، فهدف العريضة هو الحثّ على إيلاء هذه المواضيع الاهتمام الأقصى كي ننشئ جيلاً وطنياً مقاومًا للصهيونية ولإسرائيل".



المصدر: الميادين