لبنان في العالم
اللبنانيّون في المملكة المتحدة نخب مميّزة في شتّى المجالات

مجلة المغترب

الثلاثاء 23 أيار 2017

لا أدري إن كان يصح أن نطلق هذه العبارة على اللبناني الذي يعيش في بريطانيا؟! فتعريف «الاغتراب» بما يعني المسافة البعيدة عن الوطن، والسنوات التي يمضيها المرء بعيداً عنه، والبعد الجغرافي والمعنوي عن لبنان، والانصهار في تلك البلاد التي يهاجر إليها المغترب ويؤسّس كياناً اجتماعيّاً واقتصاديّاً فيها، والجنسيّة وما يترتّب عليها من التزامات تجاه تلك البلاد، وغيرها الكثير من الأسباب التي تعطي اللبناني هوّيته الاغترابيّة حتّى وإن كان في لندن، فاللبناني مغترب ما إن تطأ قدماه عتبة خارج وطنه.

ما يميّز بريطانيا عن غيرها من البلدان التي تدخل في قاموسنا الاغترابي، أنّها بلد أوروبي لا يقصده الكثير من اللبنانيين!! وهي قريبة من حيث المسافة فلا ينقطع التواصل مع الوطن لبنان، والتعريف العام لها أنّها محطّة للبنانيين الذين قصدوها خلال الحرب حيث عملوا في مختلف القطاعات والتزموا بقوانينها وحصلوا على جنسيّتها، وقد ساعدت لغتها وحضارتها في جعل اللبنانيين المقيمين فيها على تماس دائم مع أهلهم في الوطن.

يُقدّر عدد اللبنانيين في بريطانيا بحوالى اثنين وعشرين ألفاً تقريباً، ويتأثّر هذا العدد بحسب الأوضاع في لبنان، فيرتفع عندما يتأزّم وينقص عند يستقرّ، وقد وصل عددهم خلال التسعينيّات إلى حوالى ثلاثين ألفاً، وهذا خير دليل على أنّ لندن تُعتبر محطّة بالنسبة إلى اللبنانيين وليست قاعدة لهجرة دائمة, أمّا تواريخ وصول أوائل اللبنانيين إليها فعشوائيّة وغير محدّدة!! وتقول بعض المراجع أنّ أوّل لبناني وصل إلى بريطانيا عام 1862 هو عبد الله طراد، وكان قد سبقه إليها في العام 1855 سمعان إدلبي وزوجته. لكنّ المؤكّد أنّ العديد من اللبنانيين اتّخذها في الستينيّات مقرّاً شتويّاً أو مركزاً للدراسة، وهؤلاء كانوا من الأغنياء والسياسيين. ومنهم مَن وصلها مع طلائع الحرب الأهليّة اللبنانيّة في سبعينيّات القرن الماضي، حيث اتّخذ بعض المتموّلين ورجال الأعمال اللبنانيين الذين يعملون في بلدان أفريقيا، من لندن مكاناً لهم ولأموالهم. ومنهم مَن لجأ إليها للحصول على مساحة من الحريّة ضاقت بها أرض وطنهم..

غالبيّة اللبنانيين يتمركزون في العاصمة وضواحيها باستثناء قلّة قليلة منهم في سائر المناطق.

المرحلة التالية من الهجرة اللبنانيّة إلى لندن كانت في بداية التسعينيّات، حيث لجأ الكثير من اللبنانيين هرباً من أتون حربَي التحرير والالغاء، لا سيّما المسيحيين منهم، فكانت وجهتهم أميركا أو كندا، إلا أنّ الظروف عاكستهم فاستقرّوا في لندن وبدأوا من الصفر. عمل اللبنانيّون في بريطانيا في مختلف المجالات لا سيّما الأعمال الحرفيّة التي كانت تحتاج إليها لندن في ذلك الوقت, وأثبتوا كفاءتهم وأهليّتهم، فمنحتهم رئيسة الوزراء البريطانيّة السابقة والتي  لُقّبت بالمرأة الحديديّة مارغريت تاتشر الجنسيّة.

وفي هذا المجال أخبرني الصحافي المخضرم سليم نصّار الذي يقيم في لندن مع عائلته منذ حوالى 35 عاماً، أنّه كان مدعوّاً لحضور حفل أقامته جمعيّة الصداقة اللبنانيّة- البريطانيّة خلال ولاية الوزيرة تاتشر، التي امتدحت أبناء الجالية اللبنانيّة المقيمين في بلدها وقالت: «طلبتُ من وزير الداخليّة أن يحضر لي تقريراً حول مخالفات اللبنانيين في المملكة، والذين كانوا يناهزون حينها الأربعين ألفاً، فوصلتني ورقة بيضاء!! أي لا مخالفات تُذكر للبنانيين ولا تهرّب من تسديد الضرائب»، وهذا فخر تمتاز به الجالية اللبنانيّة في بريطانيا وشرف لكلّ اللبنانيين.

بصمات لبنانيّة في القطاعات كافّة

ومن أبرز القطاعات التي يعمل فيها اللبنانيّون في لندن، القطاع الطبّي وأبرزهم في هذا المجال د. بول فيليب سرحال الذي يعمل على تعديل الحمض النووي بهدف قطع خلايا  الجينات الوراثيّة، البروفسور ندي الحكيم الذي وصفته صحيفة «التايمز» البريطانيّة بأنّه أهمّ جرّاح في العالم، ولـ «المغترب» لقاء خاصّ معه ضمن هذا الملف.

وعمل اللبنانيّون أيضاً في القطاع المصرفي، سواء في المصارف البريطانيّة أو العربيّة أو اللبنانيّة، حيث يوجد في بريطانيا ثلاثة مصارف لبنانيّة هي بنك «لبنان والمهجر», «بيبلوس» و«بنك بيروت». وكذلك عملوا في قطاع المطاعم وأسّسوا الكثير منها، لا سيّما تلك التي تقدّم المازة والمأكولات اللبنانيّة، حتّى أصبح في لندن وحدها أكثر من 35 مطعماً لبنانيّاً، أبرزها «مروش», «نورا», «الدار»، «فخر الدين» وغيرها...

ومنهم أيضاً أصحاب المهن لا سيّما البناء... وقد شهدت لندن في الفترة الأخيرة إقبالاً على القطاع السياحي لا سيّما الفنادق وتأجير السيّارات والخدمات السياحيّة الأخرى...

أمّا أبرز الصحافيين ورؤساء تحرير الصحف والمجلات في بريطانيا: جهاد الخازن، سليم نصّار، رئيس تحرير جريدة الحياة غسّان شربل الذي خصّنا بمقابلة مميّزة، بالإضافة إلى عدد كبير من المفكّرين والمثقفين والجامعيين والمهندسين، ولا يمكننا أن ننسى طلاب الجامعات ورجال الأعمال ومصمّمي الأزياء ومصفّفي الشعر كمصفّف الشعر النسائي المعروف «نعيم» الذي اشتُهر بتسريحات المشاهير كالشحرورة صباح، وهو اليوم يمتلك صالوناً فخماً في أحد أهمّ الأحياء اللندنيّة، حيث يزوره أبناء كبريات العائلات العربيّة وأفراد من العائلة المالكة البريطانيّة، وسيكون له مقابلة موسّعة في العدد القادم.

بالإضافة إلى رجال الدين وممثلي الأحزاب اللبنانيّة وسيّدات المجتمع اللواتي يفتحن بيوتهن وقلوبهن لاستقبال الوافدين حديثاً من اللبنانيين، فضلاً عن المدارس اللبنانيّة التي تضمّ في صفوفها أبناء الجالية والتي تهدف إلى تعزيز تواصلهم مع وطنهم لبنان ومعرفة ثقافته ولغته..

وبالطبع، تبقى الإشارة إلى عائلات لبنانيّة، همّها الأوّل والأخير تأمين لقمة العيش والتواصل مع الوطن الأم حيث العائلة والأهل والحلم بالعودة وزرع الأولاد في أرض الأجداد والجذور والاستقرار النهائي فيه، بالإضافة إلى شباب لبناني وُلد في لندن ودرس وترعرع فيها، وهو اليوم حائر بين هويته وانتمائه ومستقبله!!

اللبناني البريطاني.. سمات مميّزة

أمّا أبرز ما يميّز اللبناني في بريطانيا فهو أنّه أصبح نظامياً أكثر من ابن البلد نفسه!!

نعم هذا صحيح، فاللبناني يلتزم بالقانون, ويسدّد الضرائب, ويحترم إشارات المرور! نعم، اللبناني في بريطانيا يتنقّل بوسائل النقل المشترك من باصات وسيّارات أجرة... هذا هو اللبناني في بريطانيا!

اللبناني في بريطانيا صيته حسن والجالية اللبنانيّة من أكثر الجاليات العربيّة تناغماً وتفاعلاً..

الأحزاب اللبنانيّة باتت موجودة في لندن، لكنّها تعمل ضمن أطر القانون وتمارس عملها ضمن الحدود المسموح بها في الدولة..

الأديان والطوائف تمارس شعائرها بحريّة..

الكل تحت مظلّة القانون مهما علا شأنه ومهما كان منصبه ووظيفته..

العمل متاح لمن يريد أن يعمل ويجني الأرباح، وكلّ مَن تسوّل له نفسه القيام بما يخالف ذلك، فلا مكان له إلا خارج حدود المملكة..

.. فهل أصبح اللبناني انكليزيّاً؟!! يمكن لكن في بعض الأمور!!

.. هل يختلف اللبناني المقيم في بريطانيا عن اللبناني المقيم في بلدان أخرى؟! بالطبع، لأنّ طبيعة البلد وطبيعة شعبه تؤثّر بشكل مباشر في الوافدين وتطبعهم بطباعها وتقاليدها وعاداتها، سواء أكانت جيّدة أم سيئة. فاللبناني في نيجيريا، على سبيل المثال، ليس كاللبناني في البرازيل أو في قطر، واللبناني في انكلترا ليس كاللبناني في كندا أو أستراليا... لذلك اللبنانيّون في المغتربات عبارة عن خليط من ثقافات وحضارات وشعوب وألوان مختلفة.

رحلتي إلى لندن كانت ناجحة بكلّ المقاييس، التقيت خلالها خليطاً من اللبنانيين المقيمين فيها، تعرّفت إلى أعمالهم وحياتهم, ووجدتُ أنّ أكثر ما يحبّون في تلك البلاد هو الاستقرار والنظام، وأكثر ما يزعجهم هو الضرائب العالية والطقس السيىء وبعض العادات الغربيّة الغريبة عن شرقنا والتي لا يريدون لأولادهم أن يكتسبوها، لذلك هم على تواصل دائم مع وطنهم لبنان، يزورونه بشكل مستمرّ، وبالطبع فإنّ قرب المسافة بين البلدَين هو الذي ساعد في ذلك.

قابلتُ مَن يريد العودة عند بروز أي بارقة أمل في الوضع الأمني في لبنان، وقابلت أيضاً مَن أسّس وتمركز وانصهر وباتت العودة بالنسبة إليه مستحيلة ولبنان عبارة عن «عطلة صيفيّة» يمضيها مع الأهل والأصدقاء فقط!!!

جولة على أجيال الاغتراب في لندن، نستعرضها من خلال هذا الملف.

ماري تكتوك: استقبلتنا لندن بقلب مفتوح وباحترامها للآخر مهما كانت ديانته أو انتماؤه

من أوائل الأسماء التي حصلتُ عليها عندما سألت عن أبرز اللبنانيين المقيمين في عاصمة الضباب.. أبواب منزلها مفتوحة لأعمال الخير ولاستقبال اللبنانيين الوافدين إلى هناك، والأمر لا يقتصر على حسن الاستقبال فقط بل يتعدّاه إلى مد يد العون وتأمين العمل اللائق.

السيّدة ماري جوزيف تكتوك، زوجة رجل الأعمال المغترب المعروف في نيجيريا، استقبلتنا في «فيلتها» في مزيارة، شمال لبنان، وكان الحديث عن لندن وعن البدايات والصعوبات وأوضاع الجالية هناك.

وما يلفتك في السيدة ماري هو تواضعها وحبّها لأبناء بلدها،  فإليكم اللقاء التالي:

بدأت تكتوك حديثها لـ «المغترب» بالقول: «يتّخذ معظم المغتربين اللبنانيين في نيجيريا منازل لهم في لندن، وذلك بسبب اللغة الانكليزيّة التي يتقنونها نتيجة عملهم في أفريقيا. فضلاً عن أنّ معظم حساباتهم المصرفيّة موجودة في المصارف البريطانيّة»، وأضافت: «زوجي واحد منهم، لذلك نقيم في لندن منذ السبعينيّات، واستقررنا فيها عام 1980 هرباً من الحرب في لبنان.

عن البدايات قالت تكتوك: «البداية في لندن كانت صعبة، خصوصاً أنّني كنتُ وافدة حديثاً ووحيدة، لا أعرف أحداً ولا أهل ولا أصدقاء لي فيها. لكن تغيّر الوضع بوجود أهل زوجي بالإضافة إلى أنّني تعرّفت إلى العديد من الأصدقاء، ثمّ أنجبت أولادي الذين بواسطتهم أيضاً تعرّفت إلى أشخاص آخرين».

أضافت تكتوك: «نظراً لقرب المسافة بين لندن وبيروت، فالتواصل قائم ودائم، لذلك تجدين أنّ اللبنانيين هناك لا يزالون يحافظون على تقاليدهم وعاداتهم وأديانهم، ثمّ إنّ انفتاح لندن أمام نيجيريا ودول الخليج العربي، جعلت من اللبناني الذي وفد وفي قلبه شوق للقاء، على تواصل دائم مع وطنه».

عن الذي ينقص اللبنانيّين في لندن، أجابت: «مَن يحب وطنه وبلدته (مسقط رأسه)، يبقى ينقصه الكثير عندما يبتعد عنهما، فوجود أهلي في لبنان يجعلني متوتّرة دائماً و«مشغولة البال». فالسفر وتأمين العمل والمال وحياة الاستقرار لا تكفي وحدها، فنحن اللبنانيّين قلوبنا مليئة بالحنين والشوق للقاء الأحبة والأهل خصوصاً في بلدان الغربة».

تكتوك قالت: «استقبلت لندن الجميع بقلب مفتوح، وباحترامها للآخر مهما كانت ديانته أو انتماؤه، وجلّ ما طلبته منّا هو احترام القوانين وتسديد الضرائب وأن نكون مواطنين صالحين».

عن الأولاد وعلاقتهم بلندن، قالت: «أولادي يحبّون لندن ويحبّون الاقامة فيها على أن يبقوا على ارتباطهم الوثيق مع بلدتهم «مزيارة»، والفضل في ذلك يعود لي لأنّني زرعت في قلوبهم أصالة القرية وعاداتها وعلّمتهم اللغة العربيّة التي كنت أصرّ عليهم أن يتحدّثوا بها».

وفي إطار آخر، قالت تكتوك إنّها ركّزت كلّ اهتمامها ونشاطها في الجمعيّات الخيريّة، فساهمت في تأسيس العديد منها، لا سيّما جمعيّة Give a Child a Toy، وهي جمعيّة لبنانيّة، هدفها جمع المال لمساعدة الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصّة، حيث يتمّ تجميع التبرّعات من لندن وإرسالها إلى الجمعيّة في لبنان، وقالت إنّ العديد من السيّدات يساعدنها في هذا المجال. بالإضافة إلى الدعم الذي يقدّمونه للكنيسة المارونيّة، خصوصاً أنّهم باشروا جمع المال بهدف شراء قطعة الأرض التي شُيّدت عليها الكنيسة، نظراً لكونها لا تزال مستأجرة.

بالإضافة إلى ذلك قالت تكتوك: «أبواب منزلي مفتوحة للبنانيين كافّة الذين يصلون من لبنان، فآخذ بأيديهم وأساعدهم في التفتيش عن وظائف، سيّما أنّ لديّ الكثير من المعارف في بريطانيا، وهنا لا بدّ لي أن أؤكّد أنّ الغربة تجمع ولا تفرّق.. وأقدّم كذلك الدّعم إلى الحفلات كافّة التي تقيمها الأحزاب وأشارك بها، خاصّة أنّ هذه الأحزاب تلعب في بريطانيا دور الجامع وليس المفرّق، كما تعمل ضمن قوانين البلد وتحترم أنظمتها، وشغلها الشاغل هو تأمين لقمة عيش عائلاتها، لذلك أساعدها وأدعمها».

عن علاقتها بالسفيرة انعام عسيران، قالت تكتوك: «هي صديقة بالدرجة الأولى، وبحكم تنقّلي الدّائم، أعتقد أنّ السفارة اللبنانيّة في لندن هي من أهمّ السفارات اللبنانيّة في العالم، والسبب في ذلك يعود لحنكة وذكاء وكياسة ونشاط السفيرة عسيران، فهي «قايمة بالحمل وزيادة..لكنّني أتمنّى على الحكومة اللبنانيّة أن تساعد المغتربين كافّة في دول العالم، وأن لا تقتصر على المبادرات الفرديّة».




المصدر: مجلة المغترب