«ماتريكس» واحد: من حروب الشرق الأوسط إلى سباق المحيط الهندي
محمود القيسي
الإثنين 21 أيلول 2026
ما يجري اليوم في الشرق الأوسط ليس استثناءً تاريخياً. هو نسخة مكرّرة لما يجري منذ قرون في «المحيط الهندي»، على خط رسم النظام العالمي الجديد الذي فصّله كيسنجر في كتابه «النظام العالمي». فالحرب اليوم ليست على حدود، بل على ممرات. والصراع لم يعُد بين دول، بل بين «ماتريكسات نفوذ» تربط غزة بباب المندب، وبيروت بمضيق هرمز، ودمشق بمضيق ملقا.
يعود المحيط الهندي بعد هدوء ما بعد الحرب الباردة إلى بؤرة الصراع الجيوسياسي العالمي. وفي هذا السياق، يصدر كتاب «التنافس على المحيط الهندي وصناعة نظام عالمي جديد» عن جامعة ييل للباحثة دارشانا بارواه، ليقدِّم تشريحاً دقيقاً: كيف تحول هذا الفضاء البحري من مجرّد طريق عبور إلى المسرح الحيوي لإعادة تشكيل العالم.
تشريح الماتريكس الجديد
1- من الجغرافيا الثابتة إلى الجغرافيا الفاعلة،
لم يعُد المحيط الهندي مجرّد ماء. هو موطن لأكثر من مليارَي نسمة، ويمرّ عبره 80% من واردات الطاقة الصينية، وجزء ضخم من تجارة العالم.
فالجغرافيا لم تعُد خلفية، بل أصبحت سلاحاً. ومَن يسيطر على المضائق يسيطر على النبض الاقتصادي للقوى الصاعدة. ولهذا السبب أصبحت الممرات
البحرية - باب المندب، هرمز، ملقا -
هي خطوط النار الحقيقية للقرن الـ21.
2- وكالة الجزر: من رقعة شطرنج إلى لاعب
أهم ما في الكتاب هو كسر الصورة النمطية. الدول الجزرية لم تعُد «أدوات سلبية». فمدغشقر تتحالف مع روسيا، جزر القمر مع السعودية، وجزر أخرى تبتز الصين والولايات المتحدة معاً. إذ إنّ هذه الجزر الصغيرة اكتشفت قاعدة الـ»ماتريكس»: «في زمن التنافس، ضعفك هو قوّتك». فهي تبيع موقعها الاستراتيجي لأعلى مزايد، وتستفيد من التوتر لتعزيز سيادتها.
3- واشنطن ضدّ بكين... والمعركة في الماء
الصراع الصيني - الأميركي انتقل من البر إلى البحر. «التحوُّل إلى آسيا» مع أوباما، و»الإطار الهندي - الهادئ» اليوم، كلها محاولات لاحتواء صعود الصين التي تنظر للمحيط الهندي كشريان حياة لنموها.
وتحذِّر بارواه من أنّ «قاعدة صينية ثانية في المحيط الهندي هي مسألة وقت فقط». وهنا تتقاطع الدائرة معنا: «المنطق عينه يُطبَّق في البحر الأحمر والخليج». القواعد العسكرية، الموانئ، وخطوط الطاقة... كلّها فصول من كتاب واحد.
4- الشرق الأوسط: الواجهة الأمامية للمحيط الهندي
حروب غزة، لبنان، اليمن، سوريا... ليست معزولة. هي الواجهة الأمامية لمعركة المحيط الهندي. فمَن يتحكّم بالبحر الأحمر، يتحكّم بمدخل المحيط. ومَن يخنق هرمز، يخنق الصين. لذلك ما نراه اليوم هو «نزف مستدام» لإنهاك الخصوم وإعادة رسم الخرائط من دون حرب عالمية كبرى. تماماً كما وصف كيسنجر آليات النظام العالمي الجديد. مراجعجغرافية
المغزى الفكري: 4 قواعد جديدة للـ«ماتريكس»
1- الجغرافيا لم تعُد قدراً: صارت تُصنع وتُستثمر وتُبتز.
2- الأمن البحري يساوي السياسة الخارجية: لا دولة كبرى اليوم بلا أسطول وموانئ ونقاط ارتكاز.
3- الصغار صاروا فواعل: الدول الجزرية والعربية الصغيرة تملك «وكالة» وتقدر على جعل الكبار يلعبون ضدّ بعض.
4- لا تحليل قارّياً بعد اليوم: فهم العالم يتطلّب «منظوراً بحرياً متكاملاً». غزة مرتبطة بجيبوتي، وبيروت مرتبطة بكولومبو.
نحن لا نعيش حروباً متفرّقة، بل داخل «ماتريكس» واحد محوره المحيط الهندي، وقوده الممرات البحرية، ومحركه الصراع الأميركي - الصيني.
والسؤال الآن للدول الجزرية والعربية المطلة على المحيط: «كيف توازنون بين الانفتاح على القوى الكبرى وحماية سيادتكم؟». الفشل يعني أن تتحوَّلوا من «فواعل» إلى «ضحايا» في بؤرة ساخنة.
والفرصة للعرب: البحر الأحمر والخليج هما بوابة العرب على المحيط الهندي. مَن يفهم هذه القاعدة ويبني تحالفات بحرية وموانئ وخطوط طاقة مستقلة، سيقفز من خانة «ساحة الصراع» إلى خانة «صانع النظام». فهكذا، الكتاب يعلّمنا درساً واحداً: «مَن يملك البحر... يملك القرن». القرن الـ21 بدأ، ومياهه تغلي.
المصدر: الجمهورية