لبنان في العالم
من كفررمان إلى الشقيف... هل انهارت المسافة بين الهدنة والحرب؟

النشرة

الثلاثاء 8 أيلول 2026

توالت خلال ساعات قليلة في ​جنوب لبنان​ ثلاثة أشكال من المواجهة كان يُفترض أن يضع اتفاق وقف إطلاق النار حدًا لها. جاء ذلك بعدما أعلن ​الجيش الإسرائيلي​ اعتراض مسيّرتين قال إن "​حزب الله​" أطلقهما نحو قواته، من دون أن يتبنى الحزب العملية، واتخذ من ذلك مبررًا لشن غارات واسعة طالت ​النبطية​ و​كفررمان​ وعربصاليم ودير الزهراني، قبل أن يعلن وقوع اشتباك مباشر قرب ​قلعة الشقيف​.
 
حملت كفررمان الحصيلة الأكثر دموية، مع إعلان وزارة الصحة استشهاد 12 شخصًا وإصابة عشرة آخرين في غارتين إسرائيليتين. أصابت الأولى مبنى سكنيًا وقتلت 11 شخصًا، بينهم طفلان وأربع نساء، فيما استهدفت الثانية سيارة تقل مسعفين، فاستشهد أحدهم وأصيب اثنان. وقال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف أشخاصًا كانوا ينقلون أسلحة، لكنه أقر بمراجعة التقارير عن سقوط مدنيين.
 
تجاوزت التطورات بذلك نمط الخروقات المنفصلة، فقد شهدت الجبهة في جولة واحدة غارات على مناطق مأهولة، وإنذارات بالإخلاء، وتفجير أبنية، ثم اشتباكًا قالت إسرائيل إنه وقع بين قواتها وعنصر من الحزب. وفي وقت تتحدث فيه عن تقليص انتشارها داخل الجنوب، يتسع نطاق النار شمال مواقع قواتها، ما يدفع إلى التساؤل: هل ما يجري ضغط ميداني يمكن ضبطه بالتفاوض، أم أن الهدنة تفقد وظيفتها لمصلحة حرب يعاد تشكيل أدواتها وحدودها؟
 
تصعيد يتجاوز منطق الرد
 
قدمت إسرائيل غاراتها بوصفها ردًا على مسيّرتين قالت إن "حزب الله" أطلقهما نحو قواتها، من دون أن يصدر عن الحزب بيان يتبنى الهجوم. إلا أن حجم العمليات وخريطة أهدافها تجاوزا في كل الأحوال منطق الرد المحدود. فالقصف لم يقتصر على مواقع إطلاق مفترضة أو نقاط عسكرية قريبة من منطقة المواجهة، ووصل إلى مبانٍ سكنية ومنشآت صحية وإدارية داخل نطاق النبطية.
 
جمعت إسرائيل أيضًا بين أسلوبين في الوقت نفسه، فبعض الغارات سبقتها إنذارات بالإخلاء، فيما وقعت أخرى من دون تحذير وأوقعت شهداء وجرحى، بينهم أطفال ونساء ومسعفون. ولا يقتصر أثر هذه السياسة على الأهداف التي تُقصف، إذ تجعل إسرائيل من خلالها نطاقًا أوسع من الجنوب غير قابل للعودة إلى حياة مستقرة، خصوصًا أن الإنذار يعني نزوحًا فوريًا قد يتكرر في أي وقت، فيما يؤكد الاستهداف المباغت أن غياب الإنذار لا يوفر ضمانة للأمان.
 
تكشف هذه المعادلة أن إسرائيل تستخدم كل حادثة لتثبيت هامش تحرك يتجاوز موقعها المباشر. وبذلك، يصبح الحديث عن مسيّرتين مدخلًا إلى موجة غارات تشمل أهدافًا متعددة، فيما تبقى طبيعة هذه الأهداف خاضعة للتصنيف الإسرائيلي وحده. ومع غياب آلية مستقلة قادرة على التحقق قبل القصف أو منعه، يتحول ادعاء وجود سلاح أو عنصر مسلح إلى مبرر مفتوح للضرب، ثم يأتي التحقيق في سقوط المدنيين بعد انتهاء العملية.
 
الشقيف يعيد الاشتباك البري
 
إضافة إلى الغارات والإنذارات في زمن الهدنة المفترضة، جاء الإعلان عن اشتباك بري في منطقة قلعة الشقيف ليضيف مستوى آخر إلى التصعيد. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي أن عنصرًا من "حزب الله" أطلق النار من داخل مبنى على دورية تابعة له في منطقة قلعة الشقيف، ما أدى إلى إصابة جنديين بجروح طفيفة، قبل أن ترد القوات بالقصف وتقتل المهاجم، من دون أن يصدر عن الحزب موقف يوضح حقيقة ما حصل.
 
وبمعزل عن التفاصيل، تكمن دلالة الحادث، حتى وفق الرواية الإسرائيلية، في مكانه أكثر من حجمه. فقد قدمت إسرائيل عملياتها حول الشقيف وعلي الطاهر بوصفها خطوات لتفكيك بنية "حزب الله" وتأمين السيطرة العملياتية على المنطقة. إلا أن تعرض دورية لإطلاق النار، إذا ثبتت الرواية، يكشف أن هذه السيطرة لا تمنع الاحتكاك المباشر، وأن خطوط الانتشار لا تزال عرضة للاختراق والاستنزاف.
 
توضح الواقعة أيضًا خطورة استمرار القوات الإسرائيلية داخل جغرافيا متداخلة مع البلدات والطرق التي يستخدمها السكان. فكل تحرك لدورية قد يتحول إلى اشتباك، وكل اشتباك قد يستدعي غارات وقصفًا مدفعيًا يتجاوزان مكانه. وبهذا المعنى، يصبح ضبط المواجهة أكثر صعوبة، إذ يمكن لحادث محدود أن يرفع مستوى الردود ويفرض على الوسطاء التعامل مع نتائج لم ينجحوا في منع أسبابها.
 
انتشار أضيق ونطاق نار أوسع
 
تزامنت التطورات الأمنية المتسارعة في الجنوب، وما أوحت به من تصدع متزايد في الهدنة، مع تسريبات نقلتها هيئة البث الإسرائيلية عن بحث الجيش في تقليص انتشاره من "الخط الأصفر" إلى نطاق أقرب إلى الحدود، بعمق يتراوح بين كيلومترين وأربعة كيلومترات، أُطلق عليه اسم "الخط الرمادي". إلا أنّ الخطة لا تزال في إطار المناقشات العسكرية والتسريبات الإعلامية، من دون قرار سياسي معلن أو جدول زمني للتنفيذ.
 
في مطلق الأحوال، لا يحمل تقليص القوات، إذا حصل، معنى الانسحاب الكامل الذي يطالب به لبنان. فقد يكون انتقالًا من انتشار واسع ومكلف إلى شريط أضيق يضم مواقع ثابتة، مع الإبقاء على قدرة إسرائيل على المراقبة والتدخل الجوي والمدفعي شماله. وتكشف غارات كفررمان والنبطية أن نطاق السيطرة بالنار يمكن أن يكون أوسع بكثير من نطاق السيطرة البرية، خصوصًا في مناطق مأهولة بدأت تستعيد حياتها شيئًا فشيئًا.
 
بهذه الصيغة، لا ينتهي الاحتلال الإسرائيلي جنوبي لبنان بقدر ما يعاد تصميمه. تصبح القوات أقل عرضة للاستنزاف في مواقع متقدمة، فيما تحافظ إسرائيل على حرية استهداف مناطق أوسع عند رصد أي نشاط تعدّه تهديدًا. وقد يتحول "الخط الرمادي" من خطوة تبدو أقرب إلى الانسحاب إلى قاعدة أمامية تتيح تنفيذ عمليات متكررة داخل الجنوب، من دون تحمل كلفة الانتشار الحالي نفسها.
 
فراغ الاتفاق يملؤه الميدان
 
تستفيد إسرائيل في طرح "الخط الرمادي"، بوصفه نطاقًا من المواقع الثابتة تحيط به مساحة واسعة من حرية القصف، من إخفاق اتفاق وقف إطلاق النار في رسم حدود واضحة لاستخدام القوة. فقد دخل الاتفاق حيز التنفيذ مساء 20 حزيران، ثم جاء اتفاق الإطار في 26 منه على أساس انسحاب إسرائيلي تدريجي، وانتشار الجيش اللبناني، ومعالجة ملف السلاح، ووضع ترتيبات للتحقق. غير أن الخلاف على ترتيب الالتزامات أوقف الانتقال من المبادئ العامة إلى التنفيذ الفعلي.
 
تطالب إسرائيل بخطوات تتصل بسلاح "حزب الله" قبل استكمال الانسحاب، فيما يتمسك لبنان ببدء الانسحاب من مناطق تجريبية قبل الانتقال إلى مراحل إضافية. وفي المسافة بين الموقفين، بقيت القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، واستمرت الغارات، وتكررت الهجمات التي تنسبها إسرائيل إلى الحزب. وهكذا، تحول الاتفاق من أداة لضبط الميدان إلى مظلة سياسية تستمر المواجهة تحتها، من دون آلية قادرة على التحقق سريعًا من الحوادث أو منع استخدامها لتوسيع العمليات.
 
تغذي هذه المعادلة نفسها باستمرار. تستخدم إسرائيل الهجمات المنسوبة إلى "حزب الله" لتبرير بقائها وتثبيت حقها في التدخل، فيما يمنح الاحتلال والغارات الحزب أسبابًا إضافية للتمسك بسلاحه ورفض تقديم أي خطوة قبل الانسحاب. لذلك لا يمثل اتساع النار خللًا منفصلًا عن تعثر الاتفاق، وإنما نتيجة مباشرة له، فكلما تأخر التنفيذ، ازدادت قدرة الأطراف على فرض وقائع جديدة، وأصبح الرجوع إلى النص الأصلي أكثر صعوبة.
 
حين تصل الوقائع إلى طاولة روما
 
ينتقل أثر هذا الفراغ مباشرة إلى الجولة الثامنة المنتظرة من المفاوضات في روما. فقد انتهت الجولة السابقة من دون اختراق في قضيتي الانسحاب وآلية التحقق، ولم يُحسم بعد موعد الجولة الجديدة. وخلال فترة الانتظار، سيطرت إسرائيل على تلة علي الطاهر، وطرحت فكرة الانتقال إلى "الخط الرمادي"، ووسعت غاراتها إلى النطاق المأهول حول النبطية. لذلك لن تعود المفاوضات إلى الميدان نفسه الذي توقفت عنده الجولة السابقة.
 
يتيح هذا الواقع لإسرائيل دخول الجولة المقبلة بعد تقليص أخطار انتشارها البري، وتثبيت مواقع مرتفعة، والسعي إلى انتزاع قبول عملي بحرية تدخلها كلما رصدت نشاطًا تصفه بأنه تهديد. في المقابل، يزيد سقوط المدنيين واستمرار الاحتلال صعوبة إقناع "حزب الله" أو بيئته بأي بحث في السلاح قبل الانسحاب، ويضعف قدرة الدولة على تقديم التفاوض بوصفه طريقًا قادرًا على حماية السكان واستعادة الأرض.
 
من هنا، لا يتحرك الميدان إلى جانب التفاوض، وإنما يعيد صياغة موضوعه وشروطه. فبدل أن تبحث الجولة المقبلة في تنفيذ اتفاق قائم، قد تجد نفسها أمام مواقع احتلال أعيد ترتيبها، ونطاق عمليات جوية أوسع، وقواعد تدخل تريد إسرائيل إدراجها في أي تسوية. وينطبق تحذير رئيس الجمهورية ​جوزاف عون​ من أن الاعتداءات تستهدف مسار اتفاق الإطار على هذا التحول تحديدًا: فاستمرار التصعيد لا يؤخر التفاوض فقط، وإنما يبدل الوقائع التي يفترض أن يعالجها الاتفاق.
 
لا تثبت مجزرة كفررمان والرواية الإسرائيلية عن اشتباك الشقيف أن قرار الحرب الشاملة قد اتُّخذ، لكنها تظهر أن عناصرها تعمل في وقت واحد. فما كشفته أحداث الأيام الأخيرة هو أن الخطر لا يكمن في خرق كبير واحد، وإنما في تراكم خطوات تبدو كل منها قابلة للاحتواء. وبين اتفاق لا يُنفذ ومفاوضات تتأخر، تُرسم في الجنوب معادلة جديدة يصبح فيها الوجود العسكري الإسرائيلي أضيق، لكن مساحة الخطر على اللبنانيين أوسع.