إسرائيل تسيطر على مرتفعات علي الطاهر: سيناريوهات ترسم مصير الجنوب
النشرة
الإثنين 7 أيلول 2026
بعد إعلان إسرائيل إحكام "السيطرة العملياتية" على مرتفعات تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية، يدور نقاش واسع داخل الأوساط السياسية والعسكرية الإسرائيلية حول الخطوات المقبلة والخيارات المتاحة للتعامل مع هذا الحدث الميداني.
ويرى محللون وخبراء عسكريون أن خيارات إسرائيل الراهنة تدور في فلك أربعة سيناريوهات؛
1-خيار السيطرة بالنار وتثبيت "المنطقة الأمنية" القائمة، مما يمنح جيش الاحتلال الإسرائيلي قدرة على "الإدارة بالنار" فوق كامل مدينة النبطية وسهل مرجعيون وإقليم التفاح، بهدف رصد أي تحركات أو إمدادات لحزب الله، من دون الحاجة إلى انتشار بري واسع داخل البلدات.
2-فرض "المنطقة الرمادية" أو الخطوط الأمنية الجديدة، إذ طرح جيش الاحتلال الإسرائيلي إعادة تمركزه بما يُعرف بـ"الخط الرمادي"، وهو إطار مستحدث لتحديد مناطق العمليات العسكرية بعمق عدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، على غرار ما يُسمّى بالخط الأصفر، لإيجاد منطقة عازلة تحمي مستوطنات الجليل، مع الضغط على المسار الدبلوماسي، إذ ترهن تل أبيب انسحابها الكامل من هذه المناطق بـ"نزع سلاح حزب الله" وتطبيق الترتيبات الأمنية عبر الجيش اللبناني بصرامة تامة.
3-خيار التقدم العسكري الإضافي (توسيع العمليات)، والوجهة المحتملة مرتفعات إقليم التفاح وجبل الريحان وقضاء جزين، بهدف قطع طرق الإمداد التي تربط المنظومة العسكرية لحزب الله في الجنوب بامتدادها في البقاع الغربي. ويواجه هذا الخيار كبحًا دبلوماسيًا أميركيًا لتجنّب انزلاق الأمور نحو مواجهة إقليمية أوسع، فضلًا عن مخاوف إسرائيلية من تكبّد خسائر بشرية فادحة في حال التوغل في تضاريس أشد وعورةً وتعقيدًا.
4-خيار الانسحاب التدريجي المرتبط بالمسار السياسي، ووفقًا لخريطة الطريق والمفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل، فإن الخيار الرسمي المُعلَن على الورق يتمثّل في الانسحاب التدريجي مقابل تسليم هذه المواقع للجيش اللبناني.
العميد الركن حلال
ويؤكد الخبير العسكري والاستراتيجي العميد الركن الدكتور بهاء حلال لـ"النشرة"، أن السؤال المطروح: هل ستحوّل إسرائيل السيطرة على علي الطاهر من مكسب تكتيكي إلى قاعدة لإعادة تشكيل كامل المجال الأمني جنوب الليطاني؟
وأوضح أن المعطيات الراهنة تشير إلى أن تل أبيب تزعم إحكام سيطرتها على التلة وتحييد بنيتها التحتية، غير أن حجم السيطرة البرية الفعلية داخل المنشأة لا يزال ضبابيًا. وفي الوقت نفسه، المفاوضات متعثرة ومشروع المناطق التجريبية يصطدم بعراقيل، مرجّحًا، وفق تقديره، أن يكون السيناريو هو "السيطرة بالنار أولًا، والتوسع الانتقائي لاحقًا".
واستبعد العميد الركن حلال أن تندفع إسرائيل فورًا إلى احتلال مساحات واسعة جديدة، إذ إن احتلال أرض إضافية يكبدها كلفةً باهظة: الخسائر البشرية، والثمن السياسي، وتحويل المنطقة الأمنية المؤقتة إلى احتلال صريح يصعب التراجع عنه.
بيد أنه لا يعتقد أنها ستكتفي بـ"علي الطاهر" بمعناه الجغرافي الضيق. فما قد تفعله أشد خطورة: أن تُعامِل التلّة عقدةَ ارتكاز لا خط نهاية. أي أن إسرائيل قد توظّفها بعد إحكام سيطرتها العملياتية عليها، فتحتفظ بقدرتها على ضرب مناطق أرحب من دون الحاجة إلى تقدم برّي متواصل. وهذا ينسجم مع نمط بات جليًا في الجنوب: توسيع المنطقة الأمنية بصورة تدريجيَّة عبر القضم الناري، وترسيخ واقع ميداني متحرك بدلًا من خط ثابت ونهائي.
ورسم العميد الركن جملةً من السيناريوهات؛
أ-تثبيت علي الطاهر، وهو الأقل تصعيدًا. يقوم على تحصين المنطقة استخباراتيًا، وفرض إطباق جوي استخباراتي دائم، وتعزيز القدرة النارية حولها، فتغدو عمليًا مرساةً إسرائيلية في العمق الجنوبي.
ب-توسيع "حزام النار" حولها. وهذا، في تقديره، أوفر حظًا من الوقوع من أي عملية احتلال كبرى. إذ لا تحتاج إسرائيل إلى بسط سيطرتها على كل منطقة جديدة؛ يكفيها أن تُرهق الحركة اللبنانية فيها وتجعلها محفوفة بالخطر، وأن تحول دون إعادة بناء القدرات العسكرية.
ج-التقدم البري الانتقائي. إذا أُصيبت المفاوضات بالشلل التام، أو صدر إطلاق نار نوعي من حزب الله، فقد تنتقل إسرائيل من "السيطرة بالنار" إلى عمليات برية محدودة غايتها الاستيلاء على عقد جديدة، لا احتلال الجنوب برمّته. وهنا يكمن الخطر الأشد.
واستبعد أن يكون الهدف الإسرائيلي احتلالَ الجنوب بأسره، لأن إسرائيل حققت، من وجهة نظرها، ما هو أجدى من الاحتلال الشامل: القدرة على ضبط المجال الجنوبي عبر نقاط مرتفعة ونيران دقيقة وطائرات مسيّرة، من دون تحمّل أعباء انتشار بري مكثّف.
ورأى أن العقيدة الإسرائيلية الراهنة تنحو باتّجاه: السيطرة على النقاط التي تُغيّر المعادلة، لا ابتلاع المساحات التي تُضاعف الكلفة. وهذه نقطة جوهرية. بيد أن ثمة متغيرًا أشد خطورة: الانتخابات الإسرائيلية. مع اقترابها، قد تتحول علي الطاهر إلى رمز سياسي وعسكري يتجاوز كونها مجرد موقع جغرافي. تعثّر التفاوض، فاستمرار الوضع الميداني، فصياغة واقع جديد، ثم العودة إلى طاولة التفاوض من موقع إسرائيلي أمتن.