لبنان في العالم
التفاوض لـ"إنقاذ ما تبقى"... ماذا حقق لبنان حتى الآن؟

أحمد حسين

الأربعاء 28 تشرين الأول 2026

حين ربط الرئيس ​جوزاف عون​ الذهاب إلى المفاوضات مع ​إسرائيل​ بإنقاذ ما تبقى من ​لبنان​، واعتبر أن الاتفاق وإن لم يكن مثاليًا حدّ من توسع الاعتداءات الإسرائيلية، قدّم للمسار معيار تقييمه بنفسه. فالرئيس لم يَعِد بإنهاء الاحتلال دفعة واحدة، لكنه قدّم للتفاوض مبررًا يقوم على حماية البلد من خسائر إضافية، وحدّد أهدافه بالانسحاب الإسرائيلي وعودة ​النازحين​ وإطلاق سراح ​الأسرى​ و​إعادة الإعمار​.
 
وبعد نحو أربعة أشهر على توقيع الاتفاق الإطاري في ​واشنطن​ في 26 حزيران، لم يعد تقييم المسار مقتصرًا على أسباب اختياره. فالتفاوض الذي بدأ تحت ضغط الحرب يحتاج إلى أن يُقرأ أيضًا من خلال ما غيّره في حياة السكان وقدرة الدولة على استعادة أرضها. وبين الحد من توسع الاعتداءات وتحقيق الأهداف المعلنة، تبقى مسافة يُقاس فيها ما أنجزه الاتفاق وما تعثر تنفيذه.
 
وتأتي ​الانتخابات الإسرائيلية​ اليوم، ثم ​الانتخابات النصفية الأميركية​ مطلع الشهر المقبل، لتضيف حسابات جديدة إلى توقيت المسار وفرص تقدمه. لكن ترقب ما ستنتجه هذه الاستحقاقات لا يعفيه من اختبار حصيلته حتى الآن، بعيدًا عن تبنّي خيار التفاوض أو رفضه: هل أنتج حماية قابلة للاستمرار والتوسع، أم بقيت حصيلته دون الأهداف التي برّرت اختياره؟
 
منع الأسوأ أم تحقيق الأهداف؟
 
يبدأ التقييم بالفصل بين احتواء التصعيد وإنجاز التسوية. فقد يساهم اتفاق محدود في تقليص رقعة المواجهة، فيما يبقى عاجزًا عن إنهاء الاحتلال وضمان العودة. وقد يتيح انتشارًا للجيش في منطقة، من دون أن يمنحه القدرة الكاملة على حمايتها. لذلك، لا يكفي استمرار الاعتداءات وحده لنفي أي أثر للاتفاق، كما لا يكفي غياب حرب أوسع لإثبات نجاحه.
 
المشكلة أن تقدير ما جرى تجنّبه أصعب من قياس ما تحقق. لا يمكن الجزم بحجم الحرب التي كانت ستقع لو لم تبدأ المفاوضات، ولا عزل أثرها عن الحسابات العسكرية والإقليمية الأخرى. ولهذا يُقرأ كلام الرئيس عن الحد من توسع الاعتداءات بوصفه تقديرًا سياسيًا يحتاج إلى قرائن، فيما تبقى الأهداف المعلنة قابلة للفحص: أين حصل الانسحاب؟ من عاد واستقر؟ وما الذي أصبح ممكنًا للدولة والسكان بعدما كان متعذرًا؟
 
ما الذي يمكن احتسابه حصيلة؟
 
تقدّم الإجراءات التي أعلنها الجيش دليلًا على أن المسار لم يبقَ حبيس النصوص. ففي بيانه الصادر في 9 أيلول، عرض إقامة حواجز ونقاط مراقبة وتسيير دوريات وضبط أسلحة وذخائر وفتح طرق في المناطق المعنية بالترتيبات. وأكد أن هذه التدابير أتاحت له السيطرة العملياتية وضبط الحركة، مع التنبيه إلى أن الاتفاق على المراحل والخطوات اللاحقة لم يكتمل. هذه حصيلة ميدانية يمكن احتسابها، من دون تحميلها معنى اكتمال التنفيذ.
 
لكن البيان نفسه أظهر حدود الانتقال من الانتشار إلى التعافي. ففي ​زوطر​ الغربية، تمكّنت 60 عائلة من أصل 450 من العودة للسكن، فيما كانت النسبة الأكبر ممن قصدوا البلدة تعود لتفقد الممتلكات. وأشار الجيش إلى تدمير 85% من المساكن كليًا، وأحصى نحو 7700 خرق إسرائيلي بين توقيع الاتفاق في 26 حزيران وصدور البيان في 9 أيلول.
 
من هنا، يصحّ احتساب تثبيت حضور الجيش وفتح بعض طرق العودة ضمن النتائج، لكن هذه الخطوات لا تختصر المسافة بين الوصول إلى البلدة واستعادة الحياة فيها. فالتقدم الأمني لا يتحول تلقائيًا إلى عودة مستقرة، والعودة لا تكتمل مع بقاء المنازل والخدمات ومصادر الرزق خارج قدرة أصحابها على استخدامها.
 
أين تتوقف الحماية؟
 
تكشف زوطر أهمية هذا الفارق. فالسؤال الذي تطرحه التجربة يتجاوز عدد العائدين إلى شروط بقائهم: هل يستطيع السكان التحرك والعمل وإصلاح المنازل بأمان؟ وهل يستطيع الجيش ممارسة مهماته دون أن تعطلها الاعتداءات؟ حين تبقى هذه الشروط ناقصة، تصبح الحماية متفاوتة، فهي تتيح بعض الحركة والوجود، لكنها لا تمنح السكان الاطمئنان الذي يجعل العودة قرارًا مستدامًا.
 
ولا تعود هذه الفجوة إلى عامل واحد. فالدمار ونقص الخدمات يؤخران الاستقرار حتى حيث يتراجع الخطر، بينما يعرقل استمرار التهديد استعادة الخدمات والإعمار. وبذلك، تتداخل النتائج الأمنية والمدنية: لا يكفي فتح الطريق إذا بقي المنزل غير صالح للسكن، ولا يكفي ترميم المنزل إذا ظلّ صاحبه يخشى تدميره مجددًا. هنا يُختبر ترابط الأهداف التي عددّها عون، إذ يصعب فصل العودة عن الأمن والإعمار.
 
وفي هذا الإطار تُقرأ لقاءات ​تامبا​ العسكرية، التي تناولت تنفيذ الترتيبات الأمنية. فانعقاد الاجتماعات يثبت استمرار التواصل، لكنه لا يكفي وحده لاحتساب تقدم في التنفيذ. وتُقاس حصيلتها بما يترتب عليها من إجراءات: هل توسّع قدرة الجيش وتقلّص القيود على السكان، أم تُبقي القضايا التنفيذية نفسها موضوعًا للجولة التالية؟
 
هل تكفي الحصيلة المحدودة؟
 
قد يكون احتواء الخسائر مبررًا كافيًا لبدء مسار تفاوضي في لحظة حرب. لكن استمرار المسار يطرح سؤالًا إضافيًا: هل يحافظ على ما تحقق ويتيح البناء عليه، أم يكتفي بإدارة وضع هش؟ الفارق مهم، لأن نتيجة محدودة قد تكون خطوة أولى ذات قيمة، وقد تتحول مع تعثر ما يليها إلى سقف دائم.
 
ولا يُحسم ذلك بعدد الأشهر وحده. فقد يحتاج تنفيذ ترتيبات معقدة إلى وقت، لكن البطء يختلف حين تتراكم خلاله خطوات قابلة للتثبيت عما يكون عليه حين تتكرر المطالب والعوائق. والانتخابات الإسرائيلية والأميركية قد تفسّر جانبًا من حسابات التوقيت، لكنها لا تكفي لتفسير كل تعثر. فتبدّل المواعيد السياسية لا يزيل تلقائيًا الخلاف على الالتزامات وتسلسل تنفيذها.
 
بهذا المعنى، لا تكون كلفة المراوحة زمنية فقط. فالأسرة التي تؤجل العودة، والبلدة التي يتعطل إعمارها، والجيش الذي يبقى انتشاره عرضة للإعاقة، تتحمل جميعها كلفة استمرار الوضع القائم. وهذه الكلفة تدخل في تقييم المسار، حتى حين يبقى التفاوض الخيار الذي تتمسك به السلطة.
 
ما الذي يدل على أن المسار يعمل؟
 
المعيار الأكثر دلالة هو انتقال النتائج من الاستثناء إلى القاعدة: أن يمتد انتشار الجيش، وأن تصبح العودة أكثر استقرارًا، وأن تتراجع الاعتداءات بصورة يمكن توثيقها، وأن تقود الخطوة المنفذة إلى خطوة تالية. عندها، يصبح البطء قابلًا للفهم بوصفه جزءًا من تقدم صعب، وتكتسب الوعود صدقيتها من التنفيذ.
 
أما إذا بقيت التجربة محدودة، وعادت الإجراءات المنجزة نفسها إلى دائرة التهديد، فإن السؤال يتناول قدرة المسار على حفظ حصيلته قبل توسيعها. ولا يستلزم طرحه الدعوة إلى مغادرة الطاولة؛ فمناقشة جدوى الاستمرار بالطريقة نفسها تختلف عن الحكم باستحالة التفاوض.
 
ما الذي أُنقذ فعلًا؟
 
في المحصلة، قد يكون اختيار التفاوض أجاب عن سؤال الوسيلة في لحظة كانت فيها الحرب أقسى وأوسع، لكنه أبقى سؤال النتيجة مفتوحًا. فالحصيلة الميدانية الجزئية تقابلها فجوة واسعة بين انتشار الجيش واستعادة السكان حياة آمنة. ويُظهر ذلك أن المسار حقق بعض شروط الحماية، من دون أن يضمن استقرارها أو اتساعها.
 
أما اختباره المقبل، وفق معيار "إنقاذ ما تبقى"، فهو قدرته على تحويل هذه الخطوات إلى انسحاب وعودة وإعمار، حتى لا تصبح النتيجة المحدودة سقفًا دائمً
 
المصدر: النشرة