لبنان في العالم
تحييد لبنان قبل ضرب إيران: مفاوضات تامبا في خدمة ترتيب الجبهات

جريدة الأخبار

الإثنين 19 تشرين الأول 2026

جديد المساعي الأميركية تمثّل في تحديد 20 تشرين الأول الجاري موعداً للاجتماع العسكري اللبناني - الإسرائيلي في تامبا في الولايات المتحدة. لكنّ الخطوة لا تنفصل عن السياق الإقليمي الذي يتحرك في ظل الحرب على إيران، كما تندرج في إطار الضغوط الأميركية الرامية إلى إعادة صياغة الواقع الأمني في لبنان. فالمسألة لا تتعلق بمجرد استئناف اجتماع تعثّر انعقاده، بل أيضاً بتوقيت استئنافه، ومستوى التمثيل اللبناني فيه، والمهام التي يُراد لهذا الاجتماع أن يضطلع بها، في وقت تتزايد فيه المؤشرات إلى احتمال انتقال المواجهة الأميركية - الإسرائيلية مع إيران إلى مرحلة أشد قسوة واتساعاً.
 
وقد أعلن رئيس الجمهورية جوزيف عون أن لبنان سيشارك بوفد عسكري في الاجتماع الثلاثي المُقرّر في تامبا، واضعاً وقف التصعيد الإسرائيلي ضمن المطالب اللبنانية التي يُفترض أن تُطرح على الطاولة. ولم يتضح بعد الموقف الأميركي من اقتراح ضمّ شخصية سياسية إلى الاجتماع، لكنّ طبيعة الوفد تكشف حدود المسار الجاري. فواشنطن تشدّد على التنسيق المباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، فيما لا تبدو هناك مفاوضات سياسية فعلية، انطلاقاً من اعتبار أن اتفاق الإطار قد أُنجز، وأن المرحلة الحالية مُخصّصة لبحث آليات تطبيقه الأمنية والعسكرية. وبذلك، يجري التعامل مع الاجتماع باعتباره مساحة لترتيب الإجراءات الميدانية، لا منصة لمناقشة الحقوق اللبنانية أو فرض التزامات سياسية جديدة على إسرائيل، ما يعني أن ما كُتب قد كُتب وليس على لبنان سوى التنفيذ لا طرح المطالب.
 
ولا تبدو الحاجة الأميركية إلى عقد الاجتماع بعيدة عن الحسابات الإسرائيلية. فبعدما كان الجانب الإسرائيلي يرفض انعقاده، وكان السفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، يردّد أنه لا ضرورة له قبل الانتخابات الإسرائيلية، جرى فجأة تقديم موعده إلى ما قبل الانتخابات بنحو أسبوع. وهو تحوّل يستحق التوقف عنده، ولا سيما أن إسرائيل لم تُظهِر ما يدل على استعدادها لتقديم تنازلات سياسية أو تغيير سلوكها العسكري في لبنان. وقد عبّر رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، عن هذا الموقف أمس، حين شكّك في قدرة الحكومة اللبنانية على نزع سلاح حزب الله، مؤكداً أن إسرائيل ستبقى في الحزام الأمني ما دام سلاح الحزب لم يُنزع. كما قال إن هذا الحزام أحدث تغييراً في واقع المستوطنات الشمالية، مشدّداً على أن الهدف النهائي هو القضاء على حزب الله.
 
لذا، إذا كانت الانتخابات الإسرائيلية قد شكّلت ذريعة لتأجيل الاجتماع، فما الذي تبدّل حتى أصبح عقده ممكناً قبل موعدها؟
 
لا تكفي المُعطيات المُتاحة للجزم بوجود قرار أميركي - إسرائيلي يرتبط مباشرة بخطة عسكرية إقليمية، لكن توقيت الاجتماع يتيح قراءته في ضوء حسابات تتجاوز الملف اللبناني وحده.
وتقول مصادر مطّلعة إن المسألة ترتبط باحتمال تجدّد المواجهة مع إيران، إذ إن واشنطن وتل أبيب قد تجدان مصلحة في حصر المواجهة في ساحة واحدة، إذا اندلعت الحرب مجدّداً. فالمواجهة المتوقّعة، التي قد تكون قاسية من حيث طبيعة الأهداف وحجم العمليات واتساعها، قد تدفع الطرفين إلى محاولة منع تزامن الجبهات، أو على الأقل تقليص احتمالات دخول حزب الله في المواجهة. ولا يعني ذلك بالضرورة أن إسرائيل تسعى إلى تحييد لبنان حرصاً على استقراره، بقدر ما أن الهدف ضمان حرية الحركة في مواجهة إيران، ومنع انتقال الضغط العسكري إلى الجبهة الشمالية فيما تُستنزف القدرات والموارد في ساحة أخرى.
 
ويستند هذا الاحتمال إلى منطق التعامل مع ساحات المواجهة بالتتابع: البدء بإيران، ثم الانتقال إلى جبهات أخرى وفقاً لنتائج المعركة والظروف التي تفرضها. غير أن هذا التصوّر يصطدم بحقيقة أن حزب الله ليس طرفاً يمكن ضمان بقائه خارج المواجهة بمجرّد الطلب منه ذلك، وأن اتساع الحرب على إيران قد يفرض معادلات تتجاوز الحسابات الأميركية والإسرائيلية.
من هنا، قد لا تقتصر محاولات تحييد الجبهة اللبنانية على الاتصالات الدبلوماسية والرسائل السياسية، بل قد تترافق مع مساعٍ لتغيير البيئة الأمنية الداخلية وتضييق هامش حركة الحزب، بما يجعل تدخّله في أي مواجهة إقليمية أكثر كلفة وتعقيداً.
 
لبنان وفرنسا «يرغبان» في بقاء «اليونيفل»، لكنهما عاجزان عن القيام بأي مبادرة أو حشد لدعم يفرض على الأميركيين الموافقة على مشروع التمديد أو إيجاد بديل 
 
في هذا الإطار، تكتسب الضغوط المتزايدة على الجيش اللبناني، والمطالب المتعلقة بحصر السلاح ومنع تهريبه وتشديد الرقابة على حركة الأموال، دلالات تتجاوز عناوينها المُعلنة. فقضية شاحنة ضهر البيدر، وما رافقها من مسار أمني وقضائي، يمكن قراءتها في سياق تصاعد الضغوط على حزب الله عبر مؤسسات الدولة وأجهزتها. وهي تشير الى خطة لوضع الجيش في مواجهة الحزب، أو دفعه إلى خطوات يمكن أن تنتج احتكاكاً داخلياً، يفتح الباب أمام تحويل الضغط الخارجي إلى أزمة داخلية تستنزف الحزب وتحدّ من قدرته على التحرك. وإذا كان المطلوب إبعاد لبنان عن أي حرب مقبلة، فإن اعتماد إجراءات متزامنة على المستويين الخارجي والداخلي قد يكون جزءاً من محاولة فرض هذا التحييد قبل اتضاح مسار المواجهة مع إيران.
 
وفي هذا السياق، قال مرجع حكومي إن القاسم المشترك بين رسائل وردت إلى لبنان من الولايات المتحدة وجهات غربية وعربية هو «تحذير» لبنان من التدخل في أي مواجهة مُحتملة بين إسرائيل وإيران، والتنبيه إلى أن الرد الإسرائيلي سيكون قاسياً. وأضاف أن رسالة من العاصمة الأميركية وصلت إلى الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام، ويُرجّح أن السفيرة ندى معوّض نقلتها، ومفادها أن انضمام حزب الله إلى الحرب سيُقابَل بردّ إسرائيلي واسع وقاسٍ، «يكسر كل القيود».
 
ولا ينفصل ذلك عن طبيعة الاجتماع العسكري نفسه. فالتوجه الأميركي نحو وضع آليات تنسيق مباشرة ومشتركة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، وربطها بملف حصر السلاح وتطبيق تجربة المناطق التجريبية، ينقل النقاش من المطالبة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية إلى البحث في ترتيبات تنفيذية يُفترض أن يتحمل لبنان جانباً أساسياً من أعبائها. وقد طُرح الاجتماع باعتباره فرصة لدفع الجانب الأميركي إلى توضيح هذه الآليات، والتأكيد على التحركات المشتركة في وجه المقاومة.
 
أمّا سياسياً، فلا تُظهِر إسرائيل استعداداً لمنح لبنان ما يتجاوز الترتيبات الأمنية التي تخدم تصوّرها للمرحلة المقبلة. فالمفاوضات العسكرية لا تعني تلقائياً فتح المسار السياسي، ولا أن اتفاق الإطار يضمن استعادة الحقوق اللبنانية. بل إن الإصرار على حصر النقاش في آليات التنفيذ الأمني قد يتيح لإسرائيل تثبيت وقائع ميدانية جديدة، فيما يبقى الانسحاب وإعادة الإعمار وعودة الأهالي إلى قراهم مسائل مُعلّقة على موازين القوى والضغوط الدولية.
 
وفي موازاة ذلك، تتصل هذه التطورات بالتحركات الفرنسية في بيروت، حيث يواصل وزير الخارجية جان نويل بارو زيارته، فيما يتقدّم ملف مستقبل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفل) إلى واجهة النقاش. وخلال لقائه بارو في عين التينة، أكّد رئيس مجلس النواب نبيه بري تمسّك لبنان الرسمي واللبنانيين ببقاء القوات الدولية، مشدّداً على أن لبنان التزم القرار 1701، في حين تواصل إسرائيل خرقه وانتهاك بنوده والاعتداء على لبنان واحتلال مساحات من جنوبه. ودعا بري إلى توحيد الجهود الوطنية والدولية لوقف العدوان وإلزام إسرائيل بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وفي مقدّمها القرار 1701، لا الإطاحة به. وشكر فرنسا والرئيس إيمانويل ماكرون على دعمهما، مشيداً بتضحيات الوحدة الفرنسية وسائر الوحدات المشاركة في «اليونيفل»، وبالدور الذي أدّته القوات الدولية على مدى أكثر من 48 عاماً، على المستويات الأمنية والعسكرية والإنسانية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية.
 
وفي لقائه مع سلام، بحث بارو الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وإعادة إعمار الجنوب وتثبيت الأهالي، والترتيبات الدولية لمرحلة ما بعد «اليونيفل»، مع التشديد على تفادي أي فراغ أمني وتعزيز قدرات الجيش اللبناني. وتناول اللقاء الإصلاحات المالية والاقتصادية والبرنامج المُرتقب مع صندوق النقد الدولي، وأكّد الوزير الفرنسي استمرار دعم بلاده لسيادة لبنان واستقراره ومؤسساته. غير أن إعلان المواقف الداعمة لا يحسم جوهر الخلاف المتعلق بمستقبل الوجود الدولي في الجنوب، ولا يبدّد التباين حول طبيعة القوة التي قد تحل محل «اليونيفل» وصلاحياتها وآليات عملها.
 
وعلمت «الأخبار» أن الاجتماعات مع الوزير الفرنسي أظهرت أن باريس، شأنها شأن بيروت، تأمل في حصول تطور يتيح التمديد لـ«اليونيفل»، لكنها لا تملك أي قدرة على التأثير. والأهم، بحسب مصدر مطّلع، أن فرنسا لم تنجح، مثل لبنان، في حشد دعم دولي أو عربي كافٍ للضغط على الولايات المتحدة وتغيير موقفها الرافض لأي دور للقوات الدولية، فضلاً عن تحفظها على إسناد أي مهام أمنية أو عسكرية إلى الأوروبيين في مختلف مناطق الجنوب. ويضيف المصدر أن ما يعني الولايات المتحدة أساساً هو إسناد أدوار عربية وأوروبية في دعم بسط سلطة الدولة وتنفيذ قرار حصر السلاح في لبنان، ولا سيما في بيروت، واتخاذ إجراءات لمنع التهريب عبر الحدود الشرقية والشمالية، وإعادة تنظيم إدارة المعابر البرية والجوية والبحرية.