أبناء اللبنانيات... غرباء في وطن الأم حتى إشعار آخر
آية يوسف المسلماني
الثلاثاء 28 تموز 2026
في كل مرّة تُطرح فيها قضية المرأة اللبنانية وحقها في منح جنسيّتها لأولادها، يظن البعض أنّ الحديث يدور حول مطلب سياسي أو امتياز إضافي. لكنّ الواقع يكشف أنّ القضية أكبر من ذلك بكثير. إنّها قضية كرامة، واستقرار أسَري، وحق طبيعي تُحرم منه آلاف اللبنانيات فقط لأنهنّ نساء. واليوم تعود هذه القضية إلى الواجهة من باب جديد وأكثر قسوة.أخبار لبنان
فبحسب حملة «جنسيتي كرامتي»، تواجه أعداد كبيرة من أبناء الأمهات اللبنانيات المتزوّجات من غير لبناني صعوبات في الحصول على أو تجديد ما يُعرف «بإقامات المجاملة»، وهي الإقامات التي تمنحها الدولة لهم لعدم حملهم الجنسية اللبنانية، بعدما باتت المديرية العامة للأمن العام، وفق ما تؤكّد الحملة، تشترط إبراز وثيقة ولادة منفّذة أصولاً، وهو مستند يتعذّر على كثيرين تأمينه بسبب تعقيدات التسجيل المدني، ولا سيما في الحالات التي يكون فيها الأب سورياً.
قلق متكرّر كلما انتهت مدة إقامة
النتيجة ليست مجرّد تأخير في معاملة إدارية، بل عائلات بأكملها تجد نفسها أمام احتمال فقدان الإقامة القانونية، أو دفع رسوم وغرامات مرتفعة، أو الدخول في مسارات قضائية قد تستغرق سنوات وتستنزف مدّخراتها. لكنّ الحقيقة المؤلمة، أنّ هذه الأزمة لم تبدأ مع الإقامة، ولن تنتهي بها. فلو كان القانون اللبناني يعترف بحق المرأة اللبنانية في منح جنسيّتها لأولادها، لما احتاج هؤلاء أصلاً إلى إقامة في وطن أمهم، ولما عاشوا هذا القلق المتكرّر كلما انتهت مدة إقامة أو تبدّلت آلية إدارية.
كيف يمكن لطفل خرج من رحمٍ لبناني، وكبر على أرض لبنان، ودرس في مدارسه، وعاش بين أهله وأقاربه، أن يُعامل قانونياً كأجنبي؟ وكيف يُطلب من أم لبنانية أن تُثبت في كل مرّة حق ابنها في البقاء إلى جانبها، بينما يمنح القانون الرجل اللبناني هذا الحق تلقائياً بمجرّد ولادة أطفاله؟
التمييز في قانون الجنسية
المفارقة المؤلمة، أنّ الدولة تعترف بالأم اللبنانية حين تطلب منها أداء واجباتها كاملة كمواطنة، لكنّها تتراجع عندما يتعلّق الأمر بمنحها أحد أبسط حقوقها، وهو نقل جنسيّتها إلى أبنائها.
إنّ التمييز في قانون الجنسية لم يعُد مجرّد نص قانوني قديم، بل أصبح ينتج أزمات جديدة عاماً بعد عام. واليوم تكشف أزمة الإقامات حجم الخلل الذي يدفع ثمنه أبناء اللبنانيات، على رغم من أنّهم يرتبطون بهذا الوطن من خلال أمهاتهم، وينتمون إليه اجتماعياً وثقافياً وإنسانياً.
ولا يمكن أن تبقى هذه الأزمة بلا معالجة. فالمطلوب اليوم إجراءات فورية تُخفّف معاناة آلاف العائلات، تبدأ بتسهيل معاملات الإقامة وإلغاء الغرامات، ووضع آلية إدارية واضحة تنهي حالة التخبّط، ريثما يُعالج أصل المشكلة من خلال تعديل قانون الجنسية بما يضمن للمرأة اللبنانية حق منح جنسيّتها لأبنائها.
قانون تنقصه الشجاعة في تعديله
غير أنّ هذه الإجراءات على أهمّيتها، تبقى حلولاً مؤقتة لأزمة سببها قانون يحتاج إلى شجاعة في تعديله، لا إلى ترقيع نتائجه. إنّ حماية الأسرة اللبنانية لا تتحقق عبر تمديد إقامة هنا أو إعفاء من غرامة هناك، بل بإزالة أصل المشكلة. فلا يجوز أن تبقى المرأة اللبنانية، في القرن الحادي والعشرين، أقل حقاً من الرجل اللبناني في نقل جنسيّته إلى أبنائه. إنّ هذه القضية لم تعُد تحتمل التأجيل أو التسويف أو الحسابات السياسية الضيّقة.
إنّها دعوة صريحة إلى رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس النواب، ورئيس مجلس الوزراء، والكتل النيابية، وكل نائب ووزير يتحمَّل مسؤولية التشريع والقرار، لتحمُّل مسؤولياتهم وإنصاف المرأة اللبنانية، لأنّ العدالة لا تتجزّأ، ولأنّ المساواة لا يجوز أن تبقى شعاراً يُرفع في المناسبات ويَغيب عند سَنّ القوانين.أخبار جريدة الجمهورية
فكرامة الوطن تبدأ من كرامة مواطنيه، ولا يمكن لوطن يدّعي الإيمان بالمساواة أن يستمر في التمييز بين أب وأم يحملان الجنسية نفسها، بينما يمنح أحدهما حقاً كاملاً ويحرم الآخر منه.
لقد آن الأوان لأن يتحوَّل هذا الملف من قضية مؤجّلة إلى قرار شجاع، لأنّ أبناء اللبنانيات لا يطالبون بامتياز، بل بحقهم الطبيعي في أن يكون وطن أمهم وطنهم أيضاً.
المصدر: الجمهورية