لبنان في العالم
الرابع عشر من تموز بين الباستيل وصخرة نهر الكلب... فرنسا تبقى في وجدان لبنان

د.جوزيف ديب

الأربعاء 15 تموز 2026

في الرابع عشر من تموز، العيد الوطني الفرنسي، يلتقي في الذاكرة رمزان قد يبدوان بعيدَين أحدهما عن الآخر. فالباستيل ارتبط بثورة الفرنسيّين على السلطة المطلقة وبداية انتقالهم نحو السيادة الشعبية، فيما حملت صخرة نهر الكلب ذكرى شعب استعاد سيادته بعد انتهاء الانتداب الفرنسي. غير أنّ وضع الرمزَين جنباً إلى جنب يفتح السؤال الذي يجمعهما. ماذا تفعل الحرّية بالماضي بعد أن تنتصر عليه؟ هل تكتمل السيادة حين يمحو الشعب كل أثر تركته الدولة التي حكمته، أم تبدأ السيادة الحقيقية عندما يصبح قادراً على أن يختار من ذلك الماضي ما يرفضه وما يحتفظ به، من دون خوف على هويّته أو نقصان في كرامته؟
 
تبدو الإجابة سهلة حين تكتب في خطاب سياسي، لكنّها تصبح أكثر تعقيداً أمام لوحة الاستقلال في نهر الكلب. فاللبناني يقف أمامها معتزاً بأنّ بلاده استعادت قرارها، ثم يغادر المكان وهو يتحدّث بالفرنسية، أو يَروي عن مدرسة تعلّم فيها، أو جامعة تخرّج منها، أو قانون يُنظّم وزارته، أو مستشفى دخل تاريخ عائلته، أو قريب يعيش في باريس منذ جيلَين. ولو كان الاستقلال قطيعة كاملة، لبدت هذه الصور متناقضة. أمّا إذا كان انتقالاً من علاقة فرضتها السياسة إلى علاقة يختارها شعب حر، فإنّ ما يبدو تناقضاً يصبح دليلاً على نضج نادر وواثق. فلبنان أنهى سلطة فرنسا فوق دولته، وحفظ حضورها داخل وجدانه.
 
بين الباستيل وصخرة نهر الكلب
 
ومن هذا التقاطع بين العيد الوطني الفرنسي وذاكرة الاستقلال اللبناني، تتسع دلالة المناسبة إلى ما يتجاوز حدود فرنسا. فما جرى في الباستيل سنة 1789 أنهى زمن الحصن، وفتح أمام الفرنسيّين مهمّة أشدّ صعوبة، هي بناء أمّة تجمع الحرّية والنظام والذاكرة في كيان واحد. ثم جاء عيد الاتحاد (Fête de la Fédération) في الرابع عشر من تموز سنة 1790، ليحمل معنى اجتماع الفرنسيّين بعد عام من الثورة، قبل أن يصبح هذا التاريخ عيد الجمهورية الوطني. والمشكلة نفسها، وإن اختلفت الظروف، تواجه كل شعب يبلغ حريّته. يستطيع الشعب إنهاء سلطة قامت فوق أرضه، ثم تبدأ مهمّته الأصعب حين يقرّر ماذا يفعل بما ورثه منها، وكيف يحوِّل المؤسسة التي تسلّمها واللغة التي تعلّمها والقانون الذي اقتبسه، إلى أجزاء من شخصيّته الوطنية. وهنا ينتقل السؤال من مقدار ما تركته فرنسا في لبنان إلى مدى ما استطاع لبنان أن يجعل ذلك الأثر لبنانياً، ثم إلى ما أعاده اللبنانيّون بدورهم إلى فرنسا. فالصلة التي تفسّرها السلطة وحدها تموت حين تنتهي السلطة، أمّا العلاقة التي تنفذ إلى التعليم والقانون والعائلة والذوق والذاكرة، فإنّها قد تبدأ حياتها الحقيقية بعد أن يخرج منها الحكم.
 
«فلبنان حين نال استقلاله لم يتوقف عن عشق فرنسا، وإنما أصبح حراً في أن يحبّها أكثر».
 
حين سبقت فرنسا سايكس بيكو والانتداب
 
لا يمكن تفسير بقاء فرنسا في لبنان إذا بدأت الحكاية من الانتداب، لأنّ وجودها في حياة اللبنانيّين سبق اتفاقية سايكس بيكو سنة 1916، وسبق إعلان دولة لبنان الكبير بعقود طويلة. ففي القرن التاسع عشر، كانت تربية دود القز وإنتاج الحرير جزءاً أساسياً من اقتصاد جبل لبنان وحياة قراه، ثم اتجه جانب واسع من هذا الإنتاج إلى مصانع ليون (Lyon) عبر مرفأ بيروت والطرق التجارية المتصلة بمرسيليا (Marseille). فتحت التجارة الطريق بين الشعبَين، ثم تجاوز الحرير وظيفة السلعة التي تُحمَّل على السفينة، إذ غيّر استخدام الأرض، وأدخل آلاف العائلات في دورة اقتصادية ارتبطت بالطلب الفرنسي، وفتح القرى على مدن لم يرَها معظم سكانها. وأصبح اسم ليون جزءاً من حياة الجبل قبل أن تصبح فرنسا صاحبة سلطة سياسية فيه، فيما تحوَّل المتوسط من مسافة تفصل البلدَين إلى طريق تحمل البضائع والأفكار والمسافرين في الاتجاهَين. وهكذا بدأت الصلة من خيط يبدو رقيقاً، لكنّه كان قادراً على وصل بيت ريفي في جبل لبنان بمصنع فرنسي ومرفأ متوسطي وعالم أوسع من حدود السلطنة العثمانية. تاريخ
 
ومن قلب هذا الجبل نفسه، خرج مسار آخر للعلاقة، حين استقرّ مشهد لبناني في عين شاعر فرنسي وتحوَّل مع الزمن إلى جزء من ذاكرة بلدَين. ففي آذار سنة 1833، أقام ألفونس دو لامارتين (Alphonse de Lamartine) في قصر آل مزهر في حمّانا، وتأمّل الوادي الذي سيحمل اسمه لاحقاً. كانت الزيارة أدبية في ظاهرها، ثم تجاوز أثرها حدود الأدب، لأنّ لامارتين غادر وبقي اسمه في الجغرافيا اللبنانية. حمل الجبل معه إلى فرنسا في كلماته، فيما حفظ الجبل اسمه على أرضه، فأصبح وادي لامارتين شاهداً على علاقة بدأت بنظرة إلى الطبيعة ثم عاشت أطول من سلطات وحكومات.
 
«وهكذا سبقت فرنسا الانتداب إلى لبنان بعين شاعر قرأ الجبل، وبأدوات علماء قرأوا الحجر، قبل أن تصل إليه بسلطة الحكم».
 
وعلى الساحل، اتخذت الصلة في جبيل طريقاً آخر إلى الذاكرة. بدأ إرنست رينان (Ernest Renan) سنة 1860 أولى أعمال التنقيب الأثري على تلتها، ثم تابع بيار مونتيه (Pierre Montet) وموريس دونان (Maurice Dunand) التنقيب في طبقات المدينة. ظلّ جانب من تاريخ المدينة مطموراً في الحجر، ثم أعاد الكشف ترتيب الوعي به، فبدأت جبيل التي عاشت فوق تاريخها، ترى نفسها من خلال ما خرج من باطنها. وبفضل هذه الأعمال، دخلت جبيل المتاحف والجامعات والكتب الفرنسية، فيما عاد اللبنانيّون إليها بوعي أوسع بقيمتها وموقعها في تاريخ المتوسط. وهكذا سبقت فرنسا الانتداب إلى لبنان بعين شاعر قرأ الجبل، وبأدوات علماء قرأوا الحجر، قبل أن تصل إليه بسلطة الحكم. جريدةالجمهورية
 
ثم حملت أحداث سنة 1860 الصلة من عالم الشعر والآثار إلى ذاكرة الخوف والنجدة، حين تدخّلت فرنسا في عهد نابوليون الثالث (Napoléon III)، فدخلت الوجدان اللبناني من باب آخر. ونعرف جيداً أنّ للدول في كل تدخُّل مصالح وحسابات، ولا يستطيع التاريخ الجاد أن يعامل السياسة الدولية كعمل خيري مجرّد من موازين القوّة. غير أنّ الشعوب لا تحفظ الأحداث كما تدوّنها مراسلات السفراء. فقد يبقى في الوجدان معنى النجدة في ساعة الخوف، فيما تبقى الدوافع السياسية موضوعاً للمؤرّخين. ومن التجارة عبر ليون ومرسيليا، ومن الروابط الدينية والثقافية التي نمت على امتداد القرن التاسع عشر، ومن الذاكرة التي تركتها سنة 1860، كانت فرنسا قد وجدت لها مكاناً في لبنان قبل اتفاقية سايكس بيكو، وقبل أن تجد لها مقراً للحُكم بسنوات طويلة. ولذلك تجاوزت العلاقة عمر الانتداب، وبقي الطريق الذي فتحه الحرير والبحر والتعليم قائماً بعد أن انتهى الحكم وتبدَّلت خرائط المنطقة.
 
حين سبقت المدرسة الدولة وصارت فرنسا لغة معرفة
 
إذا كانت التجارة قد فتحت الطريق بين البلدَين، فإنّ المدرسة هي التي نقلت الصلة من حركة المصالح إلى تكوين الإنسان. ففي غزير أسَّس اليسوعيّون سنة 1843 معهد القديس فرنسيس كسفاريوس، ثم انتقل المشروع إلى بيروت حيث تأسست جامعة القديس يوسف في بيروت (Université Saint-Joseph de Beyrouth) سنة 1875. وبذلك سبقت الجامعة الانتداب بنحو نصف قرن، ثم رافقت ولادة الدولة اللبنانية وأسهمت في تكوين أطباء ومحامين وقضاة ومهندسين وأساتذة ومسؤولين، انتقلوا منها إلى المحاكم والوزارات والمستشفيات ومؤسسات المجتمع. أمّا وصف هؤلاء بأنّهم نُخَب تلقّت تعليماً فرنسياً، فيختزل تحوُّلاً أعمق، لأنّ الجامعة خرجت من كونها مؤسسة أنشأها الفرنسيّون داخل لبنان، وأصبحت جامعة لبنانية أخذت من المدرسة الفرنسية مناهجها وتقاليدها العلمية، ثم أعادت إنتاجها من خلال أجيال حملت معرفتها إلى خدمة بلدها. ومن هنا تجاوزت العلاقة هوية الجهة التي أنشأت المؤسسة، بعدما أصبح اللبنانيّون جزءاً من تاريخها ومعناها وقدرتها على الاستمرار.
 
وإلى جانب الجامعة، دخل أوتيل ديو دو فرانس (Hôtel-Dieu de France) إلى حياة اللبنانيّين من أكثر أبوابها حساسية. فقد وضع الجنرال هنري غورو (Henri Gouraud) حجر الأساس سنة 1922، وافتتحه الجنرال ماكسيم ويغان (Maxime Weygand) سنة 1923، ثم تحوَّل المستشفى مع مرور العقود إلى جزء من التاريخ العائلي للبلد. ففيه تعلّم الأطباء، ووُلِد الأطفال، وانتظرت العائلات خلف أبواب غرف العمليات، واستمرّت رسالته خلال الحروب والأزمات الصحية والانهيارات التي أصابت الدولة. وعند هذه النقطة يصبح الاسم الفرنسي فوق المدخل أقل دلالة من الحياة اللبنانية التي جرت تحته، لأنّ المؤسسة التي تدخل ذاكرة الناس من خلال الولادة والمرض والشفاء لا تبقى أثراً مستعاراً من بلد آخر. إنّها تصبح جزءاً من الوطن الذي منحها أطباءه ومرضاه وطلابه وقلقه وأمله. وهنا تكمن قدرة المؤسسات على تجاوز لحظة تأسيسها، فقد تنتقل من بلد إلى آخر، ثم تنمو في أرضها الجديدة إلى حدّ يصبح معه فصلها عن المجتمع الذي احتضنها مستحيلاً.
 
غير أنّ الأثر التعليمي لم يبقَ داخل الجامعة والمستشفى، فقد نزل إلى الصفوف المدرسية، وأصبح جزءاً من تكوين أجيال لم تكن تحتاج إلى السفر لتتعرَّف إلى فرنسا. قرأ التلميذ موليير (Molière)، وجان جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau)، وجان دو لافونتين (Jean de La Fontaine)، وجان راسين (Jean Racine)، وبيار كورناي (Pierre Corneille)، وفيكتور هوغو (Victor Hugo)، وأونوريه دو بلزاك (Honoré de Balzac)، وألبير كامو (Albert Camus)، وأنطوان دو سانت إكزوبيري (Antoine de Saint-Exupéry)، ثم عاد إلى منزله ليتحدَّث العربية مع أهله ويعيش داخل بيئة لبنانية لم ترَ في هذا الأدب تهديداً لهويّتها. وفي البيت والسيارة والسهرات، رافقته أصوات إديث بياف (Édith Piaf)، وشارل أزنافور (Charles Aznavour)، وداليدا (Dalida)، وميراي ماتيو (Mireille Mathieu)، فدخلت فرنسا إلى الذاكرة من باب الأغنية كما دخلت من باب الكتاب. كما درس الرياضيات والفيزياء والطب والهندسة بالفرنسية، حتى صارت اللغة أداة تفكير مهني إلى جانب كونها وسيلة للتخاطب. فأصبح الطبيب ينتقل من المصطلح الفرنسي إلى الشرح العربي، والمهندس يكتب بلغة ويناقش بلغة أخرى، والقانوني يقرأ نصاً لبنانياً ثم يعود إلى مرجعه الفرنسي. هذا الانتقال بين لغتَين وسّع مساحة العقل في التجربة اللبنانية، وجعل الفرنسية طريقاً إضافياً إلى المعرفة إلى جانب العربية، من دون أن تنتزع منها مكانها أو هويّتها. تاريخ
 
ومن هذه الحياة اليومية جاء انضمام لبنان إلى الفرنكوفونية (La Francophonie) سنة 1973، ثم استضافته قمة بيروت سنة 2002، وهي أول قمة فرنكوفونية تُعقَد في بلد عربي، واختير حوار الثقافات موضوعاً ينسجم مع بلد تعلّم أن يعيش بلغات متعدِّدة من دون أن يفقِد هويّته العربية. كما امتد حضور المعهد الفرنسي في لبنان (Institut français du Liban)، الـ Centre culturel، إلى بيروت وطرابلس وجونية ودير القمر والبقاع والجنوب، فبقيت اللغة والثقافة حاضرتَين خارج العاصمة أيضاً. وتظهر قوّة الفرنكوفونية اللبنانية في ما يتجاوز عدد المدارس والمراكز. فالإحصاء يحصي مَن يتكلم الفرنسية، بينما تعجز الأرقام عن قياس أثر جملة قرأها طفل في كتاب، أو قصيدة بقيت في ذاكرة رجل بعد خمسين عاماً، أو شعور لبناني يسمع في شارع بعيد لغة عرفها أول مرّة في مدرسته. وهكذا دخلت الفرنسية إلى لبنان لغة للمعرفة، ثم خرجت منه محمّلة بصوت وذاكرة وتجربة لبنانية، حتى غدت مرآة ثانية يرى اللبناني فيها جانباً آخر من نفسه.
 
«هذا الانتقال بين لغتَين وسّع مساحة العقل في التجربة اللبنانية، وجعل الفرنسية طريقاً إضافياً إلى المعرفة إلى جانب العربية، من دون أن تنتزع منها مكانها أو هويّتها».
 
حين أصبحت المدرسة قانوناً وصارت فرنسا في بنية الدولة
 
إذا كان التعليم قد علّم اللبناني كيف يقرأ العالم، فإنّ القانون علّم الدولة اللبنانية كيف تتحرَّك داخله. فالوزارة لا تقوم بالمبنى الذي تشغله ولا بالوزير الذي يتبدَّل على رأسها، وإنّما تقوم بقانون يُحدِّد صلاحياتها، ومراسيم تنظِّم وحداتها، وأنظمة تطبيقية تضبط انتقال القرار من الوزير إلى المدير العام، ثم إلى المصلحة والدائرة والقسم والموظف الذي يلتقي المواطن. وهذه الهندسة التي تشكّلت مع قيام الدولة الحديثة حملت في ترتيبها ومصطلحاتها ومنطق عملها أثر المدرسة الإدارية الفرنسية. ومن القانون المدني والتجاري والعقاري والجزائي وقانون العمل وأصول المحاكمات إلى تنظيم الوزارات والمؤسسات العامة والبلديات والوظيفة العامة، بقيت فرنسا حاضرة في جانب واسع من العمارة القانونية اللبنانية. كما جاء قانون الموجبات والعقود ليمنح العلاقات المدنية والاقتصادية إطاراً حديثاً يستند إلى العائلة القانونية الفرنسية، فيما دخلت إلى عمل الإدارة مفاهيم المرفق العام والسلطة التنظيمية والتدرُّج الإداري والاختصاص والسلطة الاستنسابية والمسؤولية الإدارية.
 
ومع انتقال القانون إلى دولة مستقلة، صار لبنانياً في سلطته ونصوصه ومحاكمه، فيما بقيت قرابته الفرنسية ظاهرة في طريقة بناء القاعدة وتفسيرها وتطويرها. فقد نشأ جانب واسع من المنظومة المدنية والتجارية والجزائية والإدارية داخل مدرسة بقي فقهها واجتهادها حاضرَين في تكوين رجال القانون اللبنانيّين. ولهذا يرجع المحامي والقاضي اللبنانيان، في مختلف فروع القانون، إلى الفقه والاجتهاد الفرنسيَّين حين يسكت النص المحلي أو يلتبس أو يحتاج المبدأ إلى تتبُّع أصله وتطوُّره. وقد تدخل الأحكام الفرنسية إلى المرافعة بوصفها مصدر استدلال، ثم يعيد القضاء اللبناني صوغ منطقها داخل حكم وطني يصدر باسم الشعب اللبناني. وهكذا يصبح القانون لبنانياً في سلطته وتطبيقه، من دون أن يفقد أثر المدرسة التي أسهمت في تكوينه.
 
وفي قلب هذه المنظومة يقف مجلس شورى الدولة اللبناني، مقدِّماً صورتها المؤسسية الأكثر وضوحاً في مجال القضاء الإداري. فقد أُنشئ سنة 1924 على نموذج مجلس الدولة الفرنسي (Conseil d’État)، وأصبح المرجع الذي ينظر في المنازعات بين الأفراد والإدارة، ويراقب القرارات الصادرة عن الوزارات والبلديات والمؤسسات العامة. وتتجاوز دلالة المجلس حدود القضاء الإداري، لأنّه يمثل أحد تجلّيات أصل قانوني أوسع يمتد إلى المحاكم المدنية والتجارية والجزائية، وإلى القوانين والأنظمة التي تعمل بها الوزارات نفسها. وهنا تبلغ الصلة إحدى أكثر صورها عمقاً، لأنّ فرنسا التي خرجت من إدارة لبنان بقيت حاضرة في الطريقة التي تكتب بها الدولة قوانينها، وفي المنهج الذي تفسرها به محاكمها، وفي الأدوات التي يستخدمها المواطن لمطالبة هذه الدولة بحقه أو للطعن في قرار اتخذته سلطتها.
 
«وهكذا يصبح القانون لبنانياً في سلطته وتطبيقه، من دون أن يفقد أثر المدرسة التي أسهمت في تكوينه».
 
 
حين خرجت فرنسا من القانون إلى الشارع ثم دخلت البيت
 
وتخرج الدولة من نصوصها حين يتحوَّل التاريخ إلى شارع يعبره المواطن، أو مبنى يراه، أو عنوان يستخدمه كل يوم. وفي بيروت، خرج الأثر الفرنسي من الوزارات والمحاكم إلى جغرافيا المدينة، فبقي شارع غورو (Rue Gouraud)، وشارع فوش (Rue Foch)، وشارع كليمنصو (Rue Clemenceau)، وشارع مونو (Rue Monnot)، وشارع باستور (Rue Pasteur)، وجادة الجنرال ديغول (Avenue du Général de Gaulle) ضمن العناوين التي يستخدمها اللبنانيّون بصورة مألوفة. تتبدَّل أسماء الشوارع بقرار، إلّا أنّ الاسم الذي يدخل كلام الناس يكتسب حياة تتجاوز اللوحة الرسمية. فقد تتراجع الشخصية التاريخية وراءه، ويبقى الاسم مرتبطاً بالمقهى والمنزل والمستشفى والموعد الذي يضربه الأصدقاء. ومن هنا لم تعُد غورو أو كليمنصو أو مونو في الاستعمال اليومي إحالة سياسية إلى رجال فرنسا بقدر ما أصبحت أجزاء من ذاكرة بيروت نفسها.
 
أمّا قصر الصنوبر (Résidence des Pins)، فيُكثف العلاقة على نحو لا يستطيع أي مبنى آخر أن يفعله. ففيه أُعلن لبنان الكبير في الأول من أيلول سنة 1920، وفي حدائقه تقيم السفارة الفرنسية احتفال الرابع عشر من تموز. وبين المشهدَين يمتد قرن كامل انتقل فيه لبنان من كيان تعلن فرنسا ولادته إلى دولة مستقلة يشارك ممثلوها فرنسا عيدها بوصفهم ضيوفاً وشركاء. يجمع المكان بين لحظة التأسيس والاحتفال الوطني الفرنسي، لكنّ اللبناني يدخله اليوم من موقع السيادة، فيمنح المشهد معنى جديداً يختلف عن زمن الانتداب. فالمبنى الذي شهد إعلان الكيان لم يبقَ شاهداً على سلطة سابقة، وقد أصبح مساحة تلتقي فيها ذاكرة البلدَين من دون أن يفقد أي منهما موقعه. وهكذا انتقل قصر الصنوبر من زمن كانت فرنسا تتحدَّث فيه باسم لبنان إلى زمن يأتي فيه لبنان ليتحدّث معها من الند إلى الند، باسم دولته المستقلة. تاريخ
 
ومن قصر الصنوبر، امتد الحضور الفرنسي بعد الاستقلال إلى الجبل، حيث دخل في إيقاع الاصطياف اللبناني. وتكشف المحفوظات الديبلوماسية عن إقامة صيفية فرنسية في بحمدون بين سنتي 1946 و1956، ثم عن عودة هذا الحضور خلال السبعينيات، كما يظهر اسما صوفر وبحمدون في ملفات إقامة السفير الفرنسي سنة 1983. وكان انتقال السفارة يحمل معه جانباً من الحياة الديبلوماسية، فيصبح المصيف امتداداً هادئاً للعاصمة خلال أشهر الحرّ. فقد كانت بحمدون وصوفر في مواسم الاصطياف فضاءَين تنتقل إليهما الزيارات والاجتماعات وجزء من الحياة السياسية والاجتماعية. وحين اختارت الديبلوماسية الفرنسية هذا الفضاء، دخلت في حركة الجبل نفسها، حيث تخف صرامة المكتب وتصبح العلاقة أقرب إلى الناس والمكان. وهناك ظهرت فرنسا في منزل صيفي وعلى شرفة وفي طريق جبلي تعبره العائلات والسياسيّون والديبلوماسيّون بين بيروت والمصايف، فتحوَّلت الديبلوماسية من حضور رسمي إلى جزء من يوميات المكان.
 
ومن هذا الحضور الفرنسي الذي صعد إلى الجبل، تنقلب حركة الطريق في الاتجاه الآخر، إذ جعل اللبناني من فرنسا وُجهة تتكرَّر في مراحل حياته. واحتلت باريس لدى أجيال من اللبنانيّين مكاناً يتجاوز صورة المدينة السياحية. فقد قصدها الطالب ليكمل تعليمه، والمريض ليبحث عن طبيب، والأديب ليرى المدينة التي قرأ عنها، فيما ذهب إليها أهل المجتمع والأعمال طلباً للأزياء والفن والمسرح والمطاعم وما تمنحه العاصمة الفرنسية من مكانة ثقافية واجتماعية. وعرفت سيدات لبنانيات جادة مونتاني (Avenue Montaigne)، وساحة فاندوم (Place Vendôme)، وشارع فوبور سانت أونوريه (Rue du Faubourg Saint-Honoré) كما يعرفن شوارع بيروت التي يعبرنها كل يوم. وكانت بعضهنّ تسافر إلى باريس ليوم واحد من أجل موعد لدى مصفِّف شعر شهير، أو جلسة تجميل تسبق عرساً أو مناسبة كبرى، أو لاقتناء فستان وحقيبة وقطعة مجوهرات لا يردن اختيارها من صورة أو كتالوج. تصل إحداهنّ صباحاً، تنتقل من صالون إلى دار أزياء ثم إلى ساحة فاندوم، وتعود في المساء أو في اليوم التالي وقد أنجزت ما سافرت من أجله، كأنّ المسافة بين بيروت وباريس امتداد طبيعي لحياتها الاجتماعية وليست رحلة إلى بلد بعيد. وخلف ظاهر الإنفاق المترف، كشفت تلك الرحلات مقدار ما احتلّته فرنسا في المخيِّلة اللبنانية، بوصفها المرجع الذي يُقصَد عند الاستعداد للحظات تريد العائلة أن تبقى صورها طويلاً. فالفستان الذي اختير في باريس، وتسريحة الشعر التي أُعدَّت هناك، والهدية التي حملت اسم دار فرنسية، كانت تدخل إلى العرس اللبناني ثم تستقر في ألبوم العائلة، وبذلك تعود فرنسا مع المسافرة من المتجر والصالون إلى البيت والذاكرة.
 
ثم امتدّت الرحلة إلى الريفييرا الفرنسية (Côte d’Azur)، من نيس (Nice) وكان (Cannes) إلى سان تروبيه (Saint-Tropez) وكاب دانتيب (Cap d’Antibes) وسان جان كاب فيرا (Saint-Jean-Cap-Ferrat)، فيما دخلت موناكو (Monaco) ومونتي كارلو (Monte-Carlo) في المسار الاجتماعي نفسه على رغم من استقلال الإمارة عن فرنسا. وفي الشتاء حملت كورشوفيل (Courchevel) وميجيف (Megève) وشاموني (Chamonix) صورة أخرى عن السفر، بينما ارتبطت لورد (Lourdes) بالحج وارتبطت باريس وليون ومونبلييه وتولوز بالدراسة والطب والعمل. وتخص هذه الصورة طبقة ميسورة من اللبنانيّين، فيما عرف آخرون فرنسا من المدرسة أو المنحة أو المستشفى أو الكتاب من دون أن يسافروا إليها. وتبقى الرحلتان جزءَين من مخيِّلة واحدة، رأت في فرنسا مرجعاً للجمال والمعرفة والارتقاء، وإن اختلف الطريق إليها باختلاف القدرة والبيئة.
 
ومع تكرار السفر، تحوَّلت الرحلة إلى إقامة، ثم انتقلت الإقامة من جواز السفر إلى شجرة العائلة. فقد تزوَّج لبنانيّون فرنسيات وتزوَّجت لبنانيات فرنسيِّين، وحمل الأبناء لغتَين وجنسيّتَين وذاكرتَين عائليّتَين، ثم توزّعت البيوت بين بيروت وباريس وليون ومرسيليا ومدن أخرى. وقد يعيش الجد في لبنان منتظراً أحفاده في عطلة الصيف، بينما يتعلّم طفل في فرنسا كلمات عربية ليخاطبه. وقد تدخل زوجة فرنسية إلى عائلة لبنانية فتتعلّم أعيادها وأطعمتها ودفء لقاءاتها العائلية، فيما يحمل الزوج اللبناني إلى بيته الفرنسي موسيقاه وعلاقته الواسعة بالأقارب وذاكرة قريته أو حيِّه. وتعجز الإحصاءات الديبلوماسية عن قياس هذا النوع من الصلات، فهو يظهر في الأسماء التي تجمع أصلَين، وفي الصور الموضوعة على طاولة واحدة، وفي الأعراس والجنازات التي تستدعي أفراد العائلة من ضفتي المتوسط. وقد تختلف الحكومتان أو تتباعد المواقف السياسية، غير أنّ العائلة لا تعيد رسم قرابتها مع كل أزمة. ومن هنا تجاوزت العلاقة حدود الصداقة بين دولتَين، لأنّ لكل بلد أبناء يعيشون داخل بيوت البلد الآخر.
 
حين عبر صوت فرنسا الحرب ثم عاد رؤساؤها إلى لبنان
 
حين أغلقت الحرب اللبنانية الطرق التي كانت تحمل اللبناني إلى فرنسا، وجدت فرنسا طريقاً آخر إلى بيته من خلال جهاز راديو صغير يعمل بالبطارية. فقد بدأت إذاعة مونت كارلو الشرق الأوسط (Radio Monte-Carlo Moyen-Orient) بثها بالعربية سنة 1972، ووصل إرسالها على الموجة المتوسطة من محطة قوية في رأس غريكو (Cap Greco) في قبرص، خارج الأرض التي كانت تتفكّك فيها الدولة اللبنانية وتتنازع القوى رواية ما يجري. يبدو الراديو اليوم وسيلة متواضعة أمام سرعة الخبر، لكنّ قيمته خلال الحرب جاءت من المسافة التي فصلته عن الجبهات، ومن قدرته على الوصول حين كانت الكهرباء تنقطع والاتصالات تتعطّل والناس يعجزون عن معرفة ما يحدث على بُعد شوارع من منازلهم.
 
وعندئذٍ كانت العائلة تجتمع في ممر بعيد عن النوافذ، أو داخل غرفة خافتة الإضاءة، وتقترب من الجهاز منتظرة صوت جورج بشير (Georges Bachir) ينقل  أخبار بيروت إلى الإذاعة، ثم يعيدها الأثير إلى أهل بيروت. وكأنّ المدينة اضطرّت أحياناً إلى مغادرة نفسها لتعرف ما يجري داخلها. فقد تكون الاشتباكات قريبة إلى حدّ سماعها، غير أنّ الحقيقة تحتاج إلى أن تعبر البحر قبل أن تعود خبراً مفهوماً إلى البيت اللبناني. كان الاستماع بحثاً عن معلومة في زمن حملت فيه كل جبهة روايتها الخاصة، وأصبح الخبر نفسه شكلاً من أشكال الأمان. لذلك بقي اسم مونت كارلو مرتبطاً في ذاكرة جيل كامل بالملاجئ والشموع والبطاريات وصمت الغرفة قبل النشرة، ودخلت فرنسا إلى تجربة الحرب من نافذة لم تفتحها الديبلوماسية ولا الجيوش، وإنما فتحها صوت عربي آتٍ من إذاعة فرنسية. أخبار
 
وفي موازاة ذلك الحضور داخل البيوت، بقي لبنان حاضراً في رئاسة الجمهورية الفرنسية منذ السنوات الأولى للحرب. فقد كان الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان (Valéry Giscard d’Estaing) في الإليزيه حين اندلعت الحرب سنة 1975، وأعاد لبنان إلى خطاب فرنسي استند إلى الروابط التاريخية والعاطفية بين البلدَين، فيما بحثت باريس في عهده عن دور يساعد على وقف الانهيار من خلال المبادرات الديبلوماسية والمشاركة الفرنسية في قوّة الأمم المتحدة في جنوب لبنان سنة 1978. وتكمن أهمّية جيسكار ديستان في أنّه واجه السؤال الذي سيواجهه خلفاؤه مراراً. هل تستطيع فرنسا أن تكتفي بعاطفتها تجاه لبنان حين يصبح إنقاذه رهين صراعات داخلية وإقليمية تتجاوز قدرتها المنفردة؟ لم يقدِّم عهده حلاً للحرب، لكنّه ثَبُت أنّ لبنان ليس ملفاً عابراً في السياسة الفرنسية، وأنّ كل انهيار فيه سيستدعي من باريس محاولة جديدة للجمع بين الوفاء التاريخي وحدود القوّة الواقعية.
 
«فقد جاءت فرنسا إلى بيروت في لحظة كان اللبنانيّون يشعرون فيها أنّ العالم قد يكتفي بمشاهدة مدينتهم وهي تنزف، وأكّدت أنّ لبنان ما زال قضية تتجاوز الحساب البارد في السياسة الخارجية الفرنسية».
 
ثم جاء الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران (François Mitterrand) ليواجه المعضلة نفسها في مرحلة أشدّ قسوة، حين أصبحت فرنسا حاضرة على الأرض ضمن القوّة المتعدِّدة الجنسيات. ففي الثالث والعشرين من تشرين الأول سنة 1983 استهدف التفجير مقر المظليِّين الفرنسيِّين في بيروت وقتل ثمانية وخمسين جندياً، فتوجَّه ميتران إلى لبنان وانحنى أمام القتلى وزار الجرحى والتقى العسكريّين الفرنسيّين. اختار ميتران أن يأتي إلى بيروت بدل أن يدير المأساة من باريس، فدخل بنفسه مدينة كانت تُثبت أنّ القرب العاطفي منها قد يفرض ثمناً  سياسياً وبشرياً. ومن جيسكار ديستان إلى ميتران، انتقلت فرنسا من محاولة وقف الحرب إلى تحمُّل بعض أعبائها، فيما بقي لبنان عصياً على الإنقاذ من الخارج، لأنّ أزمته لم تكن نزاعاً واحداً تستطيع قوّة صديقة أن تفصله عن بقية النزاعات. تاريخ
 
وبعد انتهاء الحرب، أخذت العلاقة شكلاً مختلفاً مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك (Jacques Chirac)، الذي جعل لبنان واحداً من أكثر الملفات قرباً إلى رئاسته، وتعزّزت علاقته به من خلال صداقته بالرئيس الشهيد رفيق الحريري. وفي عهده لم تعُد باريس محطة للوساطة السياسية وحدها، فقد أصبحت المكان الذي يجتمع فيه المجتمع الدولي لدعم الدولة والاقتصاد اللبنانيّين. فاستضافت فرنسا لقاء باريس الأول سنة 2001، ثم مؤتمر باريس الثاني سنة 2002، قبل أن يأتي باريس الثالث سنة 2007 بعد اغتيال الحريري وحرب تموز وما تبعهما من اضطراب. انتهت هذه المؤتمرات من دون أن تحمي لبنان من أزماته المالية اللاحقة، لأنّ السلطة اللبنانية بدَّدت الفُرَص التي جُمِعت لها. ومع ذلك، يبقى لفرنسا أنّها فتحت الأبواب وحشدت الدعم، فيما بقي الإصلاح مسؤولية لبنانية. وهنا يظهر الفرق بين الصداقة والوصاية، إذ تستطيع الدولة الصديقة أن تمنح الثقة وتجمع المساعدة، لكنّها لا تستطيع أن تبني بدلاً من اللبنانيّين الدولة التي يتردَّدون في حمايتها.
 
أمّا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (Emmanuel Macron)، فقد دخل الذاكرة اللبنانية من باب مأساة أخرى حين انفجر مرفأ بيروت في الرابع من آب سنة 2020. وصل ماكرون إلى لبنان بعد يومَين ومشى بين الناس والركام في الجمّيزة، فوجد اللبنانيّون رئيس فرنسا في الشارع قريباً من غضبهم ومواسياً آلامهم. ثم عاد في الأول من أيلول، في الذكرى المئوية لإعلان لبنان الكبير، وبدأ زيارته من منزل السيدة فيروز، أيقونة لبنان وصوته الجامع، قبل أن ينتقل إلى لقاءاته السياسية وقصر الصنوبر. واختيار منزل فيروز حمل معنى يتجاوز البروتوكول، فقد دخل ماكرون لبنان من بيت صوت ظلّ قادراً على جمع أبنائه حين تعجز السياسة عن جمعهم. وهكذا انتقلت فرنسا في مشهد واحد من ركام المرفأ إلى صوت فيروز، ومن مأساة الدولة إلى ما بقي من روح البلد. واصطدمت المبادرة الفرنسية مرّة أخرى بنظام لبناني يحسن استدعاء المساعدة ويقاوم شروط الإصلاح، فيما بقيت قوّة الحضور الفرنسي أوسع من محدودية النتيجة. فقد جاءت فرنسا إلى بيروت في لحظة كان اللبنانيّون يشعرون فيها أنّ العالم قد يكتفي بمشاهدة مدينتهم وهي تنزف، وأكّدت أنّ لبنان ما زال قضية تتجاوز الحساب البارد في السياسة الخارجية الفرنسية. جريدةالجمهورية
 
وامتد هذا الحضور في سنة 2026 إلى أحد أعمق أبواب العلاقة، حين قرّر ماكرون إعفاء الطلاب اللبنانيّين المسجّلين في الجامعات الفرنسية العامة من رسوم التسجيل للعام الجامعي 2026-2027. وبعد ذلك، اتخذت وزارة التربية الفرنسية ترتيبات استثنائية لامتحانات البريفيه والبكالوريا الفرنسية في لبنان وعدد من دول المنطقة بسبب الظروف الأمنية، فاحتُسبت علامات الطلاب المدرسية خلال السنة بدل إجراء الامتحانات النهائية في الحالات التي شملها القرار. وجاء القراران من مؤسستَين مختلفتَين، غير أنّهما أعادا الفكرة القديمة نفسها إلى الحياة، وهي أنّ اضطراب طالب لبناني يمكن أن يصل إلى الإليزيه ووزارة التربية في باريس، لأنّ التعليم ما زال من أكثر الروابط حساسية وعمقاً بين البلدَين.
 
حين حمل لبنان نفسه إلى فرنسا
 
وتكتمل العلاقة حين يغادر لبنان موقع المتلقي ويدخل موقع الشريك، لأنّ التاريخ الذي يسير في اتجاه واحد، ينتهي إلى تبعية مهما كانت لغته جميلة. وبدأت الصورة تنقلب مع وصول اللبنانيّين إلى فرنسا، كتّاباً ومبدعين ورجال أعمال وفنانين ومهندسين وأطباء وأصحاب مهن حرة، دخلوا مؤسساتها وأضافوا إليها من تجربتهم الخاصة. وفي المدينة الجامعية الدولية في باريس، أصبح بيت لبنان (Maison du Liban) مكاناً للطلاب والباحثين وملتقى للذاكرة اللبنانية، حيث استقرّت أجيال في بداية رحلتها العلمية قبل أن تنتشر في الجامعات والمستشفيات والمؤسسات الفرنسية. كما حملت العاصمة الفرنسية اسم الوطن كله في شارع لبنان (Rue du Liban)، وخلّدت فصلاً من تاريخ الصلة الفرنسية اللبنانية في شارع الموارنة (Rue des Maronites)، وهما تسميتان رسميتان اعتمدتهما مدينة باريس داخل خريطتها. وبذلك لم تُختزَل المبادرة الفرنسية في جماعة واحدة، فقد وُضع اسم لبنان أولاً بوصفه الجامع الوطني، فيما جاء الاسم الآخر شاهداً على الصلة المارونية الفرنسية التي تحوَّلت إلى فعل سياسي حاسم، حين قاد البطريرك المكرّم إلياس الحويك، الذي أُقرّ تطويبه والمقرَّر إعلانه طوباوياً في 25 تموز 2026، الوفد اللبناني إلى مؤتمر الصلح في باريس سنة 1919، ووضع أمام القوى المنتصرة مطلب قيام لبنان مستقل بحدوده الموسعة، في مسار مهّد لإعلان دولة لبنان الكبير في العام التالي. وكأنّ باريس ردّت بطريقتها على بيروت التي احتفظت بأسماء فرنسية. تبدو لافتة الشارع تفصيلاً صغيراً أمام تاريخ بلدَين، ثم تكتسب معناها حين يشعر اللبناني أنّ اسم وطنه سبقه إلى جدار في المدينة التي استقبلته. سياسة
 
ومن داخل هذا الحضور يبرز أمين معلوف (Amin Maalouf)، لأنّ قصّته لا تختصر نجاح كاتب لبناني باللغة الفرنسية. فقد دخل الأكاديمية الفرنسية (Académie française) سنة 2011، ثم انتُخب أميناً دائماً لها سنة 2023، فأصبح الكاتب القادم من بيروت في موقع يتولّى رعاية واحدة من أهم مؤسسات اللغة الفرنسية. ويكشف موقع معلوف في الأكاديمية عمق اندماجه في الثقافة الفرنسية، فيما جاءت قوّته من الذاكرة اللبنانية والأسئلة التي حملها معه عن الهوية والمنفى والتاريخ والبحر المتوسط. فاللغة التي دخلت إلى المدرسة اللبنانية عادت إلى فرنسا محمّلة بتجربة لبنانية، وأصبح من حرّاسها رجل تشكَّل وعيه بين حضارتَين. ولذلك لا يمثل معلوف نجاحاً شخصياً وحده، فقد كشف أنّ لبنان صار قادراً على أن يضيف إلى اللغة الفرنسية من داخلها، بعد أن كانت فرنسا قد فتحت له أبوابها من خلال التعليم.
 
وفي الأزياء، حدث انقلاب مماثل مع إيلي صعب (Elie Saab)، الذي انطلق من بيروت وبنى داراً أصبحت من الأسماء الكبرى في عالم الأزياء الراقية، مع حضور ثابت في باريس وعضوية داخل اتحاد الأزياء الراقية والموضة (Fédération de la Haute Couture et de la Mode). اعتادت طبقات لبنانية أن تنظر إلى باريس بوصفها المدينة التي تصنع الذوق وتمنحه الاعتراف العالمي، ثم حمل صعب اسمه اللبناني إلى المنصة نفسها وأصبح أحد الذين يصوغون صورتها المعاصرة. وعند هذه النقطة صار اللبناني صانعاً للأناقة التي قصد باريس طويلاً بحثاً عنها، وأصبحت المدينة تعرض على منصاتها ما خرج من بيروت. ويتجاوز هذا التحوُّل عالم الجمال، لأنّه غيّر اتجاه العلاقة نفسها. فالمتلقي أصبح صانعاً، والمدينة التي كانت تمنح الاعتراف أصبحت تعترف بموهبة جاءت من البلد الذي تأثر بها. تاريخ
 
 
أمّا مرسيليا، فتمنح هذه الرحلة بُعدها الاقتصادي والبحري. ففيها أسَّس جاك سعادة (Jacques Saadé) سنة 1978 شركة الملاحة التي تطوَّرت لاحقاً إلى مجموعة سي إم إيه سي جي إم (CMA CGM)، وبدأت رحلتها من خطوط متوسطية ربطت مرسيليا ببيروت واللاذقية، قبل أن تصبح واحدة من أكبر مجموعات النقل البحري والخدمات اللوجستية في العالم. وحين أطلقت مرسيليا اسم جاك سعادة على أحد شوارع واجهتها البحرية، كانت تعترف بأنّ جزءاً من قوّتها الاقتصادية الحديثة صنعه رجل جاء من الضفة الأخرى للمتوسط واختار المدينة قاعدة لمشروعه. ثم واصل رودولف سعادة (Rodolphe Saadé) قيادة المجموعة، فبقيت الصلة بين لبنان ومرسيليا حاضرة في تاريخ الشركة ومبادراتها، وبقي خطها الأول شاهداً على أنّ البحر الذي حمل اللبنانيّين إلى فرنسا حمل معهم أيضاً قدرة على بناء مؤسسة فرنسية عالمية.
 
وبين معلوف وصعب وسعادة تظهر ثلاثة مسارات، تكفي لفهم التحوُّل من دون أن تتحوَّل الصورة إلى سجل من الأسماء. فقد دخل لبنان إلى فرنسا من باب اللغة، ثم من باب الذوق، ثم من باب الاقتصاد، وفي كل مرّة أضاف إلى المؤسسة التي استقبلته من هويّته وخبرته. ومن هنا تصبح العلاقة أقل شبهاً بحكاية بلد ترك أثره في بلد أصغر، وأكثر شبهاً بحركة متبادلة أعاد فيها كل طرف تشكيل شيء من الآخر. ففرنسا التي منحت لبنان أبواباً إلى المعرفة والقانون والثقافة، وجدت في المقابل لبنانيّين يسهمون في لغتها وصورتها واقتصادها. وعند هذه المرحلة يصبح الرجوع إلى صخرة نهر الكلب ممكناً، لأنّ السؤال الذي بدأ هناك لم يعُد متعلقاً بما بقي من فرنسا في لبنان وحده، وإنما بما أصبح من لبنان داخل فرنسا أيضاً.
 
«وفي عيدكِ يا فرنسا، يقف لبنان أمام صخرة نهر الكلب وقد ترك فصل الرحيل للتاريخ، وحمل منه ما يصلح لبناء علاقة اختارها بإرادته».
 
 
حين تعود الحرّية إلى الصخرة ويصبح الامتنان فعل سيادة
 
وعند العودة إلى الرابع عشر من تموز، يتبيَّن أنّ المسافة بين الباستيل وصخرة نهر الكلب أقصر ممّا توحي به الجغرافيا، لأنّ كليهما يضع الإنسان أمام المشكلة التي تبدأ بعد التحرُّر. فسقوط الحصن يستطيع أن يعلن نهاية سلطة، فيما يبقى على الشعب أن يقرّر كيف سيبني حرّيته وماذا سيفعل بذاكرته. وقد احتفظت صخور نهر الكلب بآثار القوى التي عبرت لبنان، وكأنّها ترفض أن تجعل التاريخ قصة طرف واحد، أو أن تسمح لكل مرحلة بمحو ما سبقها. وفي إحدى هذه الطبقات يقف استقلال لبنان، وبقيت لوحته مصدر فخر يعرضه اللبناني على زائره من دون أن تتحوَّل إلى شاهد كراهية لفرنسا. ثم يتابع طريقه حاملاً معه لغة تعلّم بها، ومؤسسة وثق بها، وقرابة تمتد إلى الضفة الأخرى من المتوسط. وهنا يظهر مقياس الاستقلال الحقيقي في قدرة الشعب على تحويل ما ورثه إلى أدوات تخدم مستقبله. وتصبح الذاكرة وطنية حين تحفظ فضل الآخرين، فيما يبقى القرار مُلكاً لأصحابه.
 
وفي عيدكِ يا فرنسا، يقف لبنان أمام صخرة نهر الكلب وقد ترك فصل الرحيل للتاريخ، وحمل منه ما يصلح لبناء علاقة اختارها بإرادته. ومن موقع هذا الوعي، يقول إنّ ما نشأ بعد الجلاء تجاوز السلطة وعاش أطول من الانتداب، لأنّ العلاقة خرجت من المكاتب الرسمية وانتقلت إلى الإنسان نفسه. عاشها اللبناني في اللغة التي تعلّم بها، والكتاب الذي وسّع عقله، والمدينة التي حلم بها قبل أن يراها، والعائلة التي صار جزء منها فرنسياً وجزء منها لبنانياً، من دون أن يعود الفصل بينهما ممكناً. وفي الاتجاه الآخر، حمل اللبنانيّون وطنهم إليكِ، وكتبوا بلغتكِ، وصنعوا أزياءكِ، وبنوا من مرافئكِ شركات عبرت العالم، حتى تداخل الأثر الفرنسي في لبنان مع الأثر اللبناني في فرنسا، وصار الفصل بينهما أصعب من رسم الحدود بينهما.
 
ولهذا تبقى فرنسا في وجدان لبنان، وقد وجدت فيه مقاماً لا تفتحه الجيوش ولا تغلقه المعاهدات، لأنّه مقام صنعته أجيال أحبت فرنسا وعاشت حضورها بشغف. يذهب اللبناني إليها فيشعر أنّه يصل إلى مكان يعرفه قبل أن يراه، وتعود هي إليه فتجد اسمها في مدرسته ومستشفاه وبيته وشارعه وذاكرته. ومن هنا تجاوزت الصلة أثر التاريخ، ونمت حتى غدت حكاية حب عضوية بين شعبَين، تجمع عقل رينيه ديكارت (René Descartes)، الذي جعل التفكير طريقاً إلى اليقين، بقلب بليز باسكال (Blaise Pascal)، الذي رأى أنّ للقلب أسبابه التي قد لا يبلغها العقل. فمحبة اللبنانيّين لفرنسا جمعت الوجدان إلى التجربة، وحفظت الامتنان من دون أن تنتقص من السيادة.
 
وقد سمّى اللبنانيون فرنسا «الأم الحنون»، لأنّ لغة السياسة لم تمنحهم عبارة تتسع لهذا القرب. وتحمل الأمومة هنا معنى البلد الذي يلتفت إليه اللبناني حين تضيق به المحن، ويعاتبه بوجع القريب، ويفرح بحضوره، ويحمل له محبة تظهر قبل أن تستدعيها المناسبات الرسمية. وفي الرابع عشر من تموز، يُحيّي لبنان فرنسا من مكان أعمق من الديبلوماسية، يُحيّي بلداً يسكن في وجدانه، ويقول لها بمحبة اختبرها الزمن إنّكِ غادرت أرضنا يوماً كسلطة، لكنّكِ بقيتِ في قلوبنا. فلبنان حين نالَ استقلاله لم يتوقف عن عشق فرنسا، وإنما أصبح حراً في أن يحبها أكثر.
 
 
المصدر: الجمهورية