طموحات فرنسية كبيرة في سوريا… لكن طريق العودة إلى النفوذ مليء بالعقبات
العرب اللندنية
الأربعاء 8 تموز 2026
لكنها تواجه واقعا إقليميا ودوليا مختلفا عما كان عليه قبل الحرب. فمفاتيح التأثير لم تعد بيد القوى الأوروبية وحدها، بل باتت موزعة بين الولايات المتحدة ودول الخليج وتركيا وإسرائيل، ويجعل هذا طموح فرنسا مرهونا بالقدرة على التحول من خطاب دبلوماسي إلى دور عملي مؤثر.
تمثل زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق أكثر من مجرد محطة دبلوماسية عادية، فهي محاولة فرنسية لاستعادة موطئ قدم في أحد أكثر ملفات الشرق الأوسط تعقيدا، بعد سنوات من التراجع الأوروبي أمام صعود أدوار الولايات المتحدة وتركيا وروسيا ودول الخليج.
وتأتي هذه الزيارة في مرحلة انتقالية حساسة تعيشها سوريا عقب سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، حيث تسعى القوى الدولية والإقليمية إلى إعادة رسم موازين النفوذ في البلاد، بينما تحاول باريس إثبات أنها لا تزال قادرة على لعب دور مؤثر في مستقبل المنطقة.
ويرى مراقبون أن الزيارة تحمل أبعادا سياسية وأمنية واقتصادية في آن واحد، لكنها تصطدم بجملة من التحديات تجعل الطموحات الفرنسية أكبر بكثير من أدواتها الفعلية على الأرض، خاصة في ظل استمرار العقوبات الدولية، وغياب التمويل اللازم لإعادة الإعمار، وتقدم الفاعلين الإقليميين على حساب أوروبا.
ويقود الرئيس السوري أحمد الشرع مرحلة انتقالية بدأت رسميا في مارس 2025 وتمتد لخمس سنوات، عقب قيادته للتحالف العسكري الذي أنهى حكم بشار الأسد. ومن المقرر أن تختتم هذه المرحلة بإجراء انتخابات عامة، وسط رهانات على بناء مؤسسات جديدة للدولة واستعادة الاستقرار السياسي والأمني.
فرنسا تبدو أمام اختبار دقيق بين الرغبة في استعادة حضورها التاريخي في سوريا، وبين واقع إقليمي تغيرت فيه موازين القوى بصورة كبيرة
وسيصبح ماكرون، في حال إتمام الزيارة، أول رئيس دولة غربية يزور دمشق منذ سقوط النظام السابق، وهو ما يمنح الزيارة رمزية سياسية كبيرة، تعكس استعداد باريس للتعامل مع السلطة الجديدة باعتبارها أمرا واقعا، مع الحرص في الوقت نفسه على ربط هذا الانفتاح بشروط تتعلق بحماية جميع مكونات المجتمع السوري، وضمان احترام حقوق الأقليات، وإطلاق مسار سياسي جامع.
ولا تخفي فرنسا قلقها من التطورات الأمنية التي شهدتها البلاد خلال الأشهر الماضية، ولاسيما المجازر التي استهدفت الطائفة العلوية في الساحل السوري خلال مارس 2025، إضافة إلى المواجهات العنيفة التي اندلعت مع مجموعات درزية في محافظة السويداء خلال يوليو من العام نفسه. وتعتبر باريس أن نجاح المرحلة الانتقالية مرهون بقدرة السلطة الجديدة على احتواء التوترات الطائفية ومنع تحولها إلى صراعات مفتوحة تهدد وحدة البلاد.
وفي الوقت نفسه، تواصل فرنسا تمسكها بعلاقاتها مع القوى الكردية التي كانت شريكا رئيسيا للتحالف الدولي في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، إلا أنها باتت تشجع على دمج القوات والمؤسسات الكردية داخل هياكل الدولة السورية الجديدة، باعتبار ذلك شرطا ضروريا لتوحيد مؤسسات البلاد وتجنب سيناريوهات التقسيم أو الحكم الذاتي طويل الأمد.
ويظل الملف الأمني في صدارة أولويات باريس، خصوصا في ظل استمرار نشاط تنظيم الدولة الإسلامية داخل البادية السورية، رغم هزيمته العسكرية عام 2019. فالتنظيم لا يزال يحتفظ بخلايا قادرة على تنفيذ هجمات متفرقة، الأمر الذي يدفع فرنسا إلى مواصلة مشاركتها في عمليات التحالف الدولي، انطلاقا من قناعتها بأن أي عودة قوية للتنظيم ستنعكس مباشرة على الأمن الأوروبي.
وفي هذا السياق، شاركت فرنسا مطلع يناير الماضي، إلى جانب المملكة المتحدة، في تنفيذ غارات استهدفت بنى تحتية للتنظيم داخل الأراضي السورية، في رسالة تؤكد أن مكافحة الإرهاب لا تزال تمثل أحد أهم مبررات الحضور العسكري والسياسي الغربي في سوريا.
كما يتوقع أن يطرح ماكرون خلال زيارته قضية المقاتلين الفرنسيين المنتمين إلى التنظيمات المتشددة، وخاصة المجموعة التي يقودها الفرنسي السنغالي عمر ديابي، المعروف باسم عمر أومسن، والموجودة في مخيم قرب منطقة حارم على الحدود التركية، باعتبار أن هذا الملف يشكل هاجسا أمنيا دائما بالنسبة لباريس.
لكن إذا كان الملف الأمني يبرر استمرار الحضور الفرنسي، فإن الاقتصاد يمثل البوابة التي تطمح باريس إلى العبور منها لاستعادة نفوذها السياسي.
فقد قدر البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار سوريا بأكثر من 216 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الدمار الذي خلفته سنوات الحرب، ويجعل من عملية إعادة الإعمار أكبر مشروع اقتصادي في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
ويرى الباحث الفرنسي المتخصص في الشأن السوري فابريس بالانش أن الاقتصاد السوري يعيش حالة إنهاك غير مسبوقة، مؤكدا أن البلاد تفتقر إلى معظم مقومات التعافي، وأن قدرتها على الصمود تعود أساسا إلى التحويلات المالية التي يرسلها السوريون المقيمون في الخارج، والذين يقدر عددهم بنحو مليون ونصف المليون في أوروبا، إلى جانب أعداد كبيرة في تركيا ولبنان ودول أخرى.
القوى الدولية والإقليمية تسعى إلى إعادة رسم موازين النفوذ في البلاد، بينما تحاول باريس إثبات أنها لا تزال قادرة على لعب دور مؤثر في مستقبل المنطقة
ويؤكد بالانش أن إعادة الإعمار لم تبدأ فعليا حتى الآن، وأن نجاحها يعتمد بصورة كبيرة على التمويل الخليجي، في وقت انشغلت فيه دول الخليج بتداعيات الحرب الأخيرة مع إيران وبترتيب أولوياتها الأمنية والاقتصادية.
ورغم هذه المعطيات، يرافق ماكرون وفد من كبار رجال الأعمال الفرنسيين، في مؤشر واضح على رغبة باريس في حجز موقع مبكر داخل السوق السورية، تحسبا لانطلاق مشاريع إعادة الإعمار مستقبلا.
وتسعى شركات فرنسية متخصصة في البنية التحتية والطاقة والمياه إلى استكشاف فرص الاستثمار في سوريا، مستفيدة من الانفتاح الذي تبديه السلطات الجديدة تجاه المستثمرين الأجانب.
ويقول أوغستان دو كاستيه، رئيس شركة “نوفاكامب” المتخصصة في البنية التحتية الحيوية، إن الحرب الأوكرانية دفعت فرنسا إلى تشجيع شركاتها على العمل في الدول الخارجة من النزاعات، ومنها سوريا، مشيرا إلى أن السلطات السورية تبذل جهودا كبيرة لاستقطاب المستثمرين الأجانب.
وتعد “نوفاكامب” من بين الشركات الراغبة في دخول السوق السورية، إلى جانب شركة “سي.أم.أي – سي.جي.أم” التي وقعت في مايو 2025 اتفاقا مع دمشق لإنشاء رصيف جديد في ميناء اللاذقية، في واحدة من أكبر الاستثمارات الفرنسية منذ سقوط النظام السابق.
غير أن هذه الطموحات الاقتصادية تصطدم بعقبات قانونية ومالية كبيرة، إذ يؤكد دو كاستيه أن استمرار العقوبات الغربية يحد بشكل كبير من قدرة الشركات على تنفيذ مشاريعها، كما أن المؤسسات المالية الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، لم تفتح بعد باب التمويل أمام سوريا، وهو ما يجعل تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار أمرا بالغ الصعوبة.
ولا يقتصر الحضور الفرنسي على الداخل السوري فحسب، بل يمتد أيضا إلى الملف اللبناني، حيث تسعى باريس إلى منع أي عودة للنفوذ السوري التقليدي داخل لبنان، بالتوازي مع الضغوط الأميركية الرامية إلى دفع دمشق إلى القيام بدور في احتواء حزب الله وتقليص نفوذه على الحدود.
إلا أن قدرة فرنسا على التأثير في هذه الملفات تبقى محدودة مقارنة بالدور الأميركي والإسرائيلي والخليجي، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قدرة باريس على استعادة موقعها التقليدي في المشرق.
النفوذ الفرنسي في سوريا لن يقاس بحجم الزيارات السياسية، بل بقدرته على تحويل الوعود الدبلوماسية إلى مشاريع ممولة
ويقول السفير الفرنسي السابق والخبير في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية دوني بوشار إن التطورات الأخيرة أظهرت حجم التراجع الذي أصاب الدور الفرنسي في مختلف أزمات الشرق الأوسط، معتبرا أن استعادة النفوذ الأوروبي أصبحت مهمة شديدة الصعوبة في ظل التحولات الجيوسياسية الحالية، ولن تكون ممكنة إلا إذا اقترنت بمشاريع تمويل واسعة يقودها الاتحاد الأوروبي.
أما فابريس بالانش، فيرى أن زيارة ماكرون تنطوي على قدر من المخاطرة السياسية، لأنها تمنح شرعية دولية للسلطة السورية الجديدة في وقت لا تزال فيه مواقف العديد من القوى الإقليمية والدولية، وعلى رأسها إسرائيل، تتسم بالحذر الشديد تجاه القيادة الجديدة في دمشق.
وفي المحصلة، تبدو فرنسا أمام اختبار دقيق بين الرغبة في استعادة حضورها التاريخي في سوريا، وبين واقع إقليمي تغيرت فيه موازين القوى بصورة كبيرة. فنجاح باريس لن يتوقف على رمزية زيارة رئيسها إلى دمشق، بل على قدرتها على توفير التمويل، وبناء شراكات اقتصادية مستدامة، والتنسيق مع واشنطن ودول الخليج، وهي الأطراف التي لا تزال تمتلك النفوذ الأكبر في رسم مستقبل سوريا خلال المرحلة الانتقالية.