من علي الطاهر إلى المناطق التجريبية: إسرائيل تتدخل بأسماء ضباط الجيش
محمد علوش
الثلاثاء 7 تموز 2026
قبل أيام، رُوّج لاتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل على أنه بداية مرحلة جديدة عنوانها تثبيت الاستقرار، وإنهاء الاعتداءات، وإعادة الأراضي المحتلّة، وفتح الباب أمام إعادة الإعمار. وقيل يومها إن الاتفاق يشكل فرصة تاريخيّة، وإن العائق الوحيد أمام نجاحه كان يتمثل في غياب الإرادة السياسية. لكن ما يجري اليوم يكشف تدريجياً أن المشكلة ليست بالنصوص، بل في الجهة التي تمتلك قرار وإرادة تنفيذها، أي إسرائيل، التي تتعامل مع الاتفاق كوثيقة لشرعنة الاحتلال وتحقيق الاهداف السياسية الخاصة فقط.
بحسب مصادر سياسية مطلعة تسعى الولايات المتحدة الأميركية في هذه المرحلة إلى إطلاق العمل بالاتفاق، ولو بصورة بطيئة ومتدرجة، عبر ما يسمى "المناطق التجريبية" في الزوطرين وفرون، رغم غياب الاحتلال، بحيث يبدأ التنفيذ في نطاقات محدودة وفق المعايير التي وضعتها واشنطن وتل أبيب. هذا المسار يكشف عن آلية تقوم على اختبار الواقع اللبناني وإخضاعه لشروط جديدة قبل الانتقال إلى أي خطوة لاحقة.
وفي المقابل، تواصل إسرائيل بحسب المصادر سياسة المماطلة، فلا تنفذ التزاماتها ابدا، ولا تنسحب من المواقع التي يفترض الانسحاب منها، ولا توقف اعتداءاتها، ولا تقدم أي مؤشر إلى أنها تتعامل مع الاتفاق كالتزام قانوني ملزم. بل إن التأخير نفسه تحول إلى أداة ضغط إضافية، تستخدمها تل أبيب لإعادة تفسير الاتفاق بما يناسب مصالحها الأمنية والعسكرية، وهي التي وقعت على الاتفاق الاطار فقط لفصل المسارات في المنطقة.
المفارقة في كل ذلك أن جزءاً من الخطاب السياسي في الداخل اللبناني لم يوجه سهامه نحو إسرائيل التي تعطّل التنفيذ عملياً، بل اختار تحميل حزب الله مسؤولية هذا التعطيل. ويستند أصحاب هذا الطرح إلى قضية منشأة علي الطاهر، معتبرين أن رفض الحزب تسليمها أو التعامل معها وفق المطالب الإسرائيلية يشكل سبباً يمنح تل ابيب ذريعة لعدم تنفيذ الاتفاق.
لكن هذه الرواية تطرح بحسب المصادر أسئلة جوهرية يصعب تجاوزها. فمنشأة علي الطاهر تقع شمال نهر الليطاني، أي خارج المناطق المحتلة أصلاً، ولا تدخل ضمن الأراضي التي يفترض أن تكون موضع تفاوض أو انسحاب إسرائيلي. ومع ذلك، تصر إسرائيل على إدراجها ضمن أولوياتها الأمنية، بل تتحدث صراحة عن إمكانية تنفيذ عملية عسكرية فيها إذا لم تتحقق مطالبها. وهذا بحد ذاته يكشف أن سقف المطالب الإسرائيلية تجاوز بكثير ما ورد في الاتفاق، وهنا يصبح السؤال أكثر وضوحاً هو إذا كانت تربط تنفيذ الاتفاق بالحصول على مطالب إضافية لم ينص عليها أصلاً، فهل تكون المشكلة في الفريق اللبناني الذي يرفض هذه المطالب، أم في الإسرائيلي الذي يحاول تعديل قواعد اللعبة بعد توقيعها، ولماذا يستمر البعض بالتبرير للعدو في كل المراحل؟
اللافت أيضاً أن بعض القوى اللبنانية تتعامل مع المطالب الإسرائيلية وكأنها شروط طبيعية يجب تنفيذها، وبذلك يتحول النقاش من مساءلة إسرائيل عن عدم تنفيذ التزاماتها إلى مساءلة اللبنانيين عن سبب عدم تنفيذ المطالب الإسرائيلية، تماما كما كان الحال قبل اذار العام الجاري حيث كان بعض اللبنانيين يحملون حزب الله مسؤولية عدم تطببقها لاي بند من بنود اتفاق تشرين الثاني.
وفي الوقت نفسه، تتحدث الأوساط الإسرائيلية عن احتمال بدء تنفيذ "المناطق التجريبية" خلال الأيام المقبلة، ولو بوتيرة بطيئة. وهذه المعلومات تعكس بوضوح طبيعة الآلية التي يجري العمل عليها. فتل ابيب هي التي تحدد متى وأين تبدأ العملية، وبأي شروط تستمر، فيما تتولى الولايات المتحدة دور الإشراف والمتابعة والتقييم، بينما يوضع الجيش اللبناني أمام مهمة التنفيذ العملي وفق المعايير التي تحددها واشنطن وتل أبيب معاً.
وبحسب معلومات "النشرة" تضغط إسرائيل باتجاه تلة علي الطاهر، ويواكبها لبنانيون بهذا الضغط، واميركيون ايضا حملوا الى لبنان بزيارات عسكرية اجريت في الايام الماضية لوائح بمطالب إسرائيل تحتوي من ضمن ما تحتويه على بنود تعتبر بصلب عمل الجيش اللبناني وهيكليته سواء على مستوى المهام او الاشراف او حتى الاسماء للضباط.
حتى اللحظة لا ترى المصادر نوايا ايجابية لتنفيذ اتفاق متوازن بين فريقين، بل هناك سعي اميركي إسرائيلي إلى بناء منظومة تنفيذية غير متكافئة، يملك فيها الإسرائيلي حق القرار، ويملك الأميركي حق الإشراف، فيما يطلب من الدولة اللبنانية، عبر الجيش، الالتزام بالتطبيق فقط، وهذا الواقع يثير مخاوف متزايدة من أن تتحول "المناطق التجريبية" إلى نموذج دائم لإدارة الوضع الأمني في لبنان، وعندها لن يكون الاتفاق إطاراً لإنهاء النزاع، بل آلية تمنح إسرائيل قدرة مستمرة على فرض شروط جديدة، وتأجيل أي التزام كلما أرادت، تحت ذرائع أمنية قابلة للتجدد بلا نهاية، وهكذا يكون قد تحقق ما يقوله نتانياهو بأن الاطار اعطاه شرعية البقاء في الاراضي اللبنانية.
المصدر: النشرة